في ظلمة نفق المظلومية الروسية

ارتكب غورباتشوف في مفاوضاته مع بوش خطأ لا يصدق. وكان هذا الخطأ أبرز وجوه الغرابة في القصة المحيرة التي نختتم اليوم روايتها. إنها قصة التعهد الغربي (المفترض) لروسيا بعدم توسع منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقا.
في 3 يونيو 1990 عقد غورباتشوف وبوش مؤتمرا صحافيا بعد أربعة أيام من المفاوضات في واشنطن. وقد سبق المؤتمر تطور تداخلت فيه السياسة والسيكولوجيا. إذ لاحظ روبرت زوليك مستشار وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر هو وفريقه من الدبلوماسيين أنه طرأ، أثناء أيام المفاوضات الأربعة، انقلاب مشهود في موقف غورباتشوف من دور الناتو المحتمل في ألمانيا الموحدة: «كنا في قاعة الاجتماعات، ولاحظت أن غورباتشوف أشاد بالمبادئ التي أقرتها ندوة الأمن والتعاون في أوروبا في الإعلان النهائي لقمة هلسنكي عام 1975. ونظرا إلى أن أحد هذه المبادئ يحق لكل دولة حرية اختيار الأحلاف التي تريد الانضمام إليها، فقد أدرجنا نص المبدأ في المذكرة التلخيصية لنقاط الموقف الأمريكي التي أعددناها للرئيس بوش، بحيث أتيح له أن يقول لغورباتشوف، معلوم أن الولايات المتحدة تؤيد عضوية ألمانيا الموحدة في الناتو، لكن هل يمكن لك على الأقل أن توافق، انسجاما مع مبادئ ندوة الأمن والتعاون، أن القرار بشأن العضوية ينبغي أن يترك لألمانيا؟ ولكم كانت المفاجأة مدهشة عندما أجاب غورباتشوف: أي نعم! لقد كانت تلك إحدى اللحظات الاستثنائية في تاريخ الدبلوماسية، لحظة خارقة إلى حد أن أفراد الوفد السوفييتي الجالسين على الجانب الآخر من مائدة المفاوضات قد تململوا وأشاحوا بوجوههم عن غورباتشوف وبدوا كأنهم لا يتمالكون أنفسهم عن الإعراض، بل النأي الجسدي، عنه. آنذاك مرّر لي زميلي في مجلس الأمن القومي بوب بلاكوو جذاذة يسألني فيها: هل سمعت ما سمعت؟ وهل يجدر أن نطلب من الرئيس بوش أن يعيد السؤال؟

قال غورباتشوف عام 2014، في حوار صحافي بمناسبة الذكرى الـ25 لسقوط جدار برلين، إن مسألة توسيع الناتو لم تطرح في المفاوضات على الإطلاق

فوافقته، ونقلنا إلى الرئيس ورقة في الغرض. أعاد بوش السؤال بحذافيره، فأجاب غورباتشوف بالموافقة مرة ثانية!.
الآن إلى سؤال التاريخ: لماذا وافق غورباتشوف على إعادة توحيد ألمانيا دون حصوله على الضمان الهام، بل المصيري، بعدم توسع الناتو سنتمترا واحدا (أو بوصة واحدة كما يقول الأمريكان) إلى الشرق؟ تجيب المؤرخة ماري ساروت بأن سلسلة الأحداث تزاحمت في ظرف أشهر متوترة ومحمومة من عام 1990 وأنه برز خلالها أن غورباتشوف كان في مسيس الحاجة إلى المال. أي أنه صار جليا أنه مستعد للسماح لألمانيا بإعادة التوحيد مقابل الحصول على دعم مالي قوي من الغرب. وهذا ما عبر عنه نائب مستشار الأمن القومي روبرت غيتس لاحقا بالقول: لقد انتهجنا استراتيجية تتمثل في أن نرشي السوفييت حتى نتمكن من التغلب عليهم. أي أننا أدركنا أنه يمكننا أن نقدم لهم الرشوة بدل أن نقدم تنازلات بشأن الناتو.
النتيجة أنه تم التوقيع في موسكو على اتفاقية إعادة توحيد ألمانيا، وصار الشطر الذي كان يسمى ألمانيا الشرقية أرضا من أراضي الناتو. وما كادت تنتهي التسعينيات حتى قبلت طلبات الانضمام إليه من بولندا والمجر وتشيكيا ثم دول البلطيق. وهكذا لم يتوسع الناتو إلى الشرق سنتمترا… بل عدة مئات من الأميال! لكن غورباتشوف ادعى لاحقا أنه تلقى تعهدا رسميا بأن هذا التوسع لن يحصل. وفي ذلك تقول ماري ساروت إن غورباتشوف اليوم لا يتوافق مع غورباتشوف الأمس لأنه يشعر بالمرارة من مجرى أحداث 1990 ومآلها ومن الاتهامات له بقلة الحيلة وتعييره بأن القادة الغربيين فاقوه في المفاوضات فطنة ودهاء. فقد قال غورباتشوف عام 2014، في حوار صحافي بمناسبة الذكرى الـ25 لسقوط جدار برلين، إن مسألة توسيع الناتو لم تطرح في المفاوضات على الإطلاق! وهذا يدل أن الأمر لا يتعلق بالتاريخ بل بالسيكولوجيا وتباين التعريفات السياسية أو الثقافية للوعود. أي أن للمزاعم الروسية قدرا من الوزن أو من الوجاهة السيكولوجية، بحكم أن المسألة أثيرت فعلا في المفاوضات.
هذه المزاعم هي «الحقائق» التي تعلّل بها بوتين لتبرير غزو أوكرانيا، بعد أن كان قد كررها على مدى السنين باعتبارها أحدث حلقة في سلسلة مديدة من المظالم. وبما أن شعور المظلومية التاريخية راسخ في الضمير الجمعي الروسي، فإن بوتين سيمعن، أيا كان مآل الحرب، في الخبط في ظلمة نفق المظلومية الطويل وفي التنديد بالغرب المنافق الغدّار الذي لدغ روسيا الطاهرة. روسيا التي تغنّى بها دستيوفسكي وأمثاله من دعاة الاستثنائية السلافية إيمانا منهم بأن العناية الإلهية اصطفتها بلادا قدسا تحمل بشارة المسيح إلى العالمين.

كاتب تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إشترك في قائمتنا البريدية