في فيلم «الملعونون لا يبكون»: شخصيات لفظها الهامش

تُفضي نظرة عامة على منجز المخرج المغربي البريطاني) فيصل بوليفة (1985) المتشكل من فيلمين قصيرين، «اللعنة» (2012) و»قيمني» (2015)، وفيلمان طويلان؛ «لين + لوسي» (2020) ثم «الملعونون لا يبكون»، (2023)، إلى ملاحظة انشغاله بهويته المزدوجة، فـ»اللعنة» و»الملعونون لا يبكون»، يمثلان نصفه المغربي، بينما الفيلمان الآخران يمثلان هويته الغربية؛ وهذه الملاحظة لا تخص فقط اللغة أو الفضاء، بل تتعلق أساساً بجوهر هذه الحكايات وتفاصيلها، واللافت هو قدرته على التعبير عن قضايا عميقة في كلا العالمين، ثم ارتباط هذا المنجز مجتمعا بقصص تُجبر فيها الشخصيات على مقايضة جسدها، كوسيلة لتغير وضع اقتصادي أو اجتماعي قاسٍ.

في جديده، نحن مع قصة أخرى بالخصائص نفسها، حيث يضعنا المشهد الأول من الفيلم أمام اثنين ينامان على المرتبة نفسها (سيدة ومراهق)، ملابس نوم المرأة وجسدها المكشوف، يضعاننا أمام شعور متناقض، فالأم فاطمة الزهراء (عائشة تباعي) تشارك فراش النوم مع ابنها المراهق سليم (عبد الله الحجوجي)، نتساءل عن سر هذه الحميمية، الاحتمالات متعددة لكنها لا تطرد الغرابة، هذه الكيمياء تتحكم تالياً في مسار تطور الأحداث بينهما، من بدايته إلى نهايته، صباحاً تستعد الأم للخروج من البيت تخبر ابنها أنها مقابلة عمل، يعلق الابن ألا حاجة للزينة والحلي الذهبية  من أجل مقابلة عمل! غاية الخروج من البيت كانت موعدا مع رجل في منطقة نائية، فهي تمتهن الدعارة، لكن ينتهي الموعد بشكل مأساوي، فالرجل يلكمها ويأخذ حليها ومالها، نفهم أن سوء حظ يلازم هذه المرأة، ونفهم أيضا أنها شخصية ساذجة وطريقها في عالم الدعارة هو بحث عن خلاص من نوع ما. يضطران إلى الذهاب إلى منزل والدها في قرية أخرى، فتقابلهما أختها بفتور وبعدم ترحاب، وهذه الكراهية تنفجر في لحظة ونتعرف سببها، إنها عتاب قديم حول العار الذي جلبته للعائلة عبر احتفاظها بسليم من علاقة غير شرعية، بدل التخلص منه، الشاب سمع كل هذا الحوار فزادت المسافة بينه وبين أمه، حاول الهرب فتبعته وتوجها معا إلى طنجة. تعود الأم على الفور إلى عادتها في البحث عن زبائن، توقع صاحب الحافلة في شراكها، ما يشعل غضبا جديدا من ابنها الذي كسر هاتفها منعا لأي تواصل بينها وبين السائق. ينهر أمه قائلا: ستجلسين في البيت وأنا من سيعمل! ينجح في الحصول على عمل عبر وسيط في رياض يمتلكه أحد الأجانب (سبستيان)، الذي ينصب فخاً لسليم لأنه يبحث عن زبائن جنس أيضا، العائد المادي يشجع سليم على تكرار التجربة في حالة من انعدام الرضا، يسرق سليم ممتلكات سبستيان فيدخل السجن، بينما تبحث الأم عن سائق الحافلة من جديد وتتطور علاقتهما إلى التفكير في الزواج بعد موافقة زوجته وأبنائه، لكن ابنها ينسف الحلم عندما يخبر الرجل بماضي أمه، الذي سيقطع علاقته بها، يصبح مسار تطور الشخصيتين عكسيا تماماً، فبينما ينغمس سليم في علاقته مع سبستيان، تستعيد والدته اتزانها وتحاول إنقاذ ما تبقى من حياتها عبر زواج واستقرار، وحتى بعد توقف العلاقة مع سائق الحافلة تظل على الحلم ذاته، الإحساس بالنظافة والطمأنينة، بينما يستحضر هو ماضيها في كل مواجهة بينهما.

تظهر الخلفية المسرحية في نمط الكتابة الذي فتح بابا من العقبات أمام شخصياته، وإغراقها في صعوبات لا تنتهي، ثم قلب الأدوار بينها وجعلها تشرب من الكأس نفسه، فالابن المقدر له العيش مع أم تمتهن الدعارة واضطراره العيش مع الإحساس بالعار والمهانة، يجد نفسه مستغلا من طرف أجنبي، في ورطة أوقعه فيها مشغله، لاحقا سيقوم بالأمر كما لو كان عملا يدر عليه ربحا، مقايضة الجسد يصبح لعنة تُدفع إليها الشخصيات ولا تستطيع التراجع، إلا عبر قربان، هذه خاصية ظهرت مع فيلمه القصير «اللعنة»، حيث تضطر مراهقة لمحها طفل وهي برفقة رجل، أن تشتري سكوته وسكوت أصدقائه ببيع جسدها وشراء الحلوى لهم، كما أن هناك إمكانية لفتح الفيلمين على بعضهما، ففاطمة هي امتداد للمراهقة في الفيلم القصير «اللعنة»، التي ستبقى مستغلة من طرف أطفال آخرين، مخافة تسريب الخبر لأهل القرية. يترك المخرج الباب أمام شخصياته للعودة أو الاستمرار في طريق مقايضة الجسد فالأم تحصل على فرصة عمل في مصنع لكنها تعود للعادة نفسها؛ البحث عن زبائن محتملين، استحضار هذه الانشغالات أساسي لفهم عالم بوليفة، الذي يهتم أكثر بما يدفع شخصياته نحو هذه الاختيارات أكثر من النتائج التي تصير إليها، وهذا ربما كفيل بمحو القليل من الامتعاض الذي أحس بعض مشاهدي «الملعونون لا يبكون» خصوصا في المشهد الذي جمع سليم مع سبستيان. تأطيرات الكاميرا لشخصياتها لافتة للنظر، خصوصا حين ترصدها في حالة الحركة والتنقل الدائم، حاملة حقائب مهترئة في معاناة سيزيفية، وسط فضاء فوضوي؛ أسواق، محطات، قرية… جعلنا نشعر معها بحالة التيه واللاستقرار، يزيد معها احتمال مقايضة الأم لجسدها بحثا عن منفذ، إنه فيلم مغربي خالص، حكاية لفظها الهامش، تعرض شريط حياة تصنعها المعاناة والألم، تتطور فيه الشخصيات بشكل غريب، فيه اقتراب وابتعاد، حب وكراهية، تناقض بين أم وابنها. مغادرة وعودة، يصبح فيه الاضطراب لعنة مستمرة، لذلك وحتى بعد خروج سليم من السجن واصطدامه بأم لم تتغير، يهرب منها كما يفعل دائما، هذه المرة لم تتبعه، لكن ولأن علاقتهما غريبة نعتقد أنهما سيجتمعان من جديد.

ناقد سينمائي مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية