في كتاب «بنيوية غولدمان»: عودة إلى سوسيولوجيا الغزل

لا تجد البنيوية التكوينية حرجاً من إقحام اللاوعي في العملية الإبداعية، وهي عندما توثق العلاقة بين علم الاجتماع والبنية تنادي بضرورة تحليل بنية العمل الأدبي الداخلية، ثم تمد جسراً آخر بين علم الاجتماع وعلم النفس عندما لا تنفي تدخل عامل اللاوعي الفردي في بناء فضاء النص الأدبي، وأن كل تفكير في العلوم الإنسانية إنما يتم من داخل المجتمع لا من خارجه، وبأنه جزء من الحياة الفكرية لهذا المجتمع، وبذلك فهو جزء من الحياة الاجتماعية، تكوينياً أو تركيبياً أو توليدياً أو تأصيليا.
والتكوينية تستمد أصالتها من قدرة النقد الأدبي على التواصل بين نصوصه مع قطع الصلة ظاهرياً بالنصوص الأدبية التي ما برح ينقدها، وهي قدرة تكسبه مشروعية في العمل، وتزن قدرته على إصدار الأحكام ولو كانت موجهة لذاته، فالنقد يمثل منجزه ويضعه أمام منصة المساءلة، ويتموضع لإصدار تقييمه ضمن منصتين؛ نقد النقد والتلقي. ومن المقاربات الدالة في هذا الموضوع كتاب محروس القللي «بنيوية غولدمان الفلسفة والتلقي: مراجعات في النقد الأدبي العربي» الصادر هذا العام 2023 الذي انطلق فيه من ثلاثة معطيات نقدية هي: النظرية النقدية، ونقد النقد، والتلقي، مشدودة إلى البنيوية التكوينية لدى رائدها لوسيان غولدمان (1913- 1970).
وقد انشغل القللي في مصنفه المُرهِق هذا انشغالاً منهجياً في التعريف بالبنيوية التكوينية لدى غولدمان والوقوف عند مرجعيتها الفلسفية ومفاهيمها الدقيقة كالوعي الجماعي، والوعي الممكن، والتماثل، ورؤية العالم والتشيؤ. ثم ناقش جملة من المصطلحات الإجرائية للبنيوية التكوينية وإشكاليات ترجمتها واستعمالاتها، كمصطلح التكوينية، ورؤية العالم، والتماسك، وإشكالية تلقي المصطلح بين الترجمة والتعريب. وخاض في جملة مراجعات نقدية على كتابات نقدية عربية تلقت البنيوية التكوينية، ضمن مفهوم أفق التوقع، كما استقر لدى ياوس. كما أوغل القللي في رصد أفق التوقع لدى الناقد محمود أمين العالم وجابر عصفور، مفسراً ومراجعاً ومسائلاً بإطار موضوعي.
أما الفصل الأخير فشرع بمراجعة شاملة لدراسة الطاهر لبيب «سوسيولوجيا الغزل العربي» 1972 وهي دراسة أغنت الدراسات السوسيولوجية للمجتمع العربي القديم، وهو فصل يغري بأن أقف عنده في مقالتي هذه، مشيراً إلى أن تخصيص فصل كامل من الكتاب لنقد أطروحة عربية طبقت مفاهيم البنيوية التكوينية، أمر منهجي ومطلوب وفيه إثراء لتجربة النقد الأدبي العربي المعاصر.
اتخذ الطاهر لبيب في دراسته للشعر العذري من البنيوية التكوينية منهجاً له، مزاوجاً بين المادية التاريخية وعلم النفس التحليلي، محاولاً تطويع المتن الشعري العذري لهذا التصور المنهجي، إذ حاول لبيب أن يناقش هذا الموروث متخففاً من المسلمات والمواقف المسبقة تخففاً مُبرراً بفعل المنهج أحياناً، واعداً في مستهل دراسته ألا يغيب دراسة حياة الإنسان العربي وهمومه ووجوده وألا يسجنه في تصور مسبق تحيط به الحروب والهزائم والمشاكل التي تتفوق عليه، ومن خلال هذا الطرح لاحظت ثلاثة أمور: (1) أكثر لبيب من نقد الدراسات التي سبقته لاسيما في ما زعمه من أن بعض هذه الدراسات حجّرت فكر الإنسان العربي القديم ووضعته في إطار مسبق، فضلا عن التسرع في إطلاق الأحكام. (2) قارن لبيب على نحو ما بين المتون العربية الحديثة والمتون العربية القديمة وما يشبهها في الثقافة الإنسانية. (3) قاوم تسطيح الدراسات العربية لمفهوم السوسيولوجيا وأسره في نطاق حل مشكلات المجتمع، مظهراً رغبة في تجاوز النقص الذي أحدثته الدراسات السوسيولوجية العربية التي سبقته فاستمرأت حل المشكلات على حساب الجمال.
ومن الاستخلاصات الإشكالية التي خلص إليها لبيب، أن المرأة في فلسفة العذريين لا تُدرك، وأن بعض الفئات من الذين همشتهم الدولة الأموية عبرت رمزياً عن تهميشها بتوثيق علاقاتها بالمرأة توثيقاً خاصاً، ظاهره المثالية والخلق والعفة، وباطنه التمرد على قوانين الدولة والدين والمجتمع، والمفترض أن هذه الخلاصات جاءت نتيجة لمساءلة الشعر لا الشاعر، ونتيجة لإحلال الكلمة محل صاحبها، إذ يرفض لبيب فكرة تشبع الشعراء العذريين بالمثل الإسلامية ويظهر احتفاءً بالتصور الغربي الذي يدحض ذلك. وقد قادت مثل هذه الاستخلاصات إلى تساؤلات يمكن أن نجد لها إجابة في الفصل الرابع من كتاب «بنيوية غولدمان» للقللي: هل انبهر لبيب بالدراسات الغربية فأسقط نتاجاتها على فكرة غريبة عن هذه الدراسات هي الغزل العذري؟ إلى أي حد نجح لبيب في تشخيص العناصر المؤسسة لفضاء العذريين الذين أظهروا صدقاً في علاقاتهم مع محبوبات لا يترددن في إزهاق أرواحهن عندما يفقدن محبيهن؟ هل تورط لبيب في الانطلاق من تصور مقلوب يجعل المنهج سابقاً على الموضوع مثار الدراسة؟

يناقش القللي تلقي لبيب لظاهرة الغزل العذري من زاويتين؛ مدونة الغزل العذري عند العرب ومقولات لوسيان غولدمان في البنيوية التكوينية. ولم يخفِ القللي تساؤله المبكر: إلى أي مدى كان لبيب تحت تأثير هذا المنهج؟ لأجل ذلك آثر القللي أن يوظف حيثيات مفهوم «أفق التوقع» فيضع الطاهر لبيب موضع المتلقي.

يناقش القللي تلقي لبيب لظاهرة الغزل العذري من زاويتين؛ مدونة الغزل العذري عند العرب ومقولات لوسيان غولدمان في البنيوية التكوينية. ولم يخفِ القللي تساؤله المبكر: إلى أي مدى كان لبيب تحت تأثير هذا المنهج؟ لأجل ذلك آثر القللي أن يوظف حيثيات مفهوم «أفق التوقع» فيضع الطاهر لبيب موضع المتلقي. وهذا مدخل منهجي جيد لتقييم دراسة تطبيقية يُشار إليها بالبنان طبقت البنيوية التكوينية على موضوع في صميم الأدب العربي. وتحسن الإشارة في هذا السياق إلى أن القللي حرص على تتبع النسخة الفرنسية لأطروحة لبيب المكتوبة بالفرنسية «سوسيولوجيا الغزل العربي» والمنشورة عام 1974، وأحياناً يستعين ببعض ترجماتها المتعددة.
نهج القللي طريقة انتقائية في نقد دراسة لبيب تعتمد على إبراز مفاصل محددة كان طرح لبيب فيها مثيراً للجدل، أو مفاصل لم يوفق فيها لبيب على الأقل من وجهة نظر القللي، الذي تسلسل في حديثه عن البنيوية التكوينية من التنظير إلى التطبيق، ثم ركز على حيثيات منفصلة وساءلها فأكسب دراسته المنهجية المطلوبة. ومن هذه المفاصل، مدونة الدراسة، إذ تساءل القللي، ما إذا كان لبيب قد تعامل مع المدونة العذرية بوصفها كلاً متماسكاً أم لا؟ فكان تساؤله مقدمة لنفي النظرة الشمولية المتماسكة المنتظرة من لبيب نحو الغزل العذري. ينفي القللي فكرة الدراسة المنهجية المحكمة عن دراسة لبيب، وإن أشاد بها في مواضع عدة، إلا أنها لم تحقق الانتظام المطلوب في مساءلة الشعر لا الشاعر كما وعدت، قائلا: «حاول دون جدوى إضفاء رؤية ذات طابع منهجي تنطلق من الشعر ذاته وهنا يبدو التناقض» بين ما أعلنه وما طبقه. أظهر لبيب توظيفاً جزئياً للمدونة الشعرية العذرية، وأظهر اهتماماً بتاريخ العذريين أكثر من نصوصهم، فجاءت البنية الكلية مرتهنة للفكرة التاريخية أكثر من الشعرية، إذ خلص إلى أن «المعاناة» تمثل البنية الكلية للغزل العذري دون المرور على مفردات البنى الجزئية، كما تنص البنيوية التكوينية. ولا يتردد القللي في دراسته أن يستظهر غياب النص الشعري العذري في معرض تحليل الظواهر العذرية، وهذا يتعارض مع مقولة غولدمان «يجب أن لا نسائل الشاعر بل الشعر».
ومن الإشكاليات التي نبه عليها القللي لجوء لبيب إلى كتب لا تصنف شعرية ولا نقدية في تفسير بعض الظواهر العذرية، وفي ذلك تجاوز لفكرة الانطلاق من الشعر ذاته. أو الاعتماد على انطباعات شخصية بلا مرجعية من التاريخ الاجتماعي. وأحياناً لا يفسر الآيات تفسيراً أصولياً يحقق العمق والربط المطلوبين في تعليل الظاهرة العذرية في سعي مشبوب إلى عزل الأثر الديني في شيوع فكرة العفة عن الشعراء العذريين، دون أن يقدم البديل المقنع.
ومما وقف عنده القللي أيضاً في باب «الشعر الثبات والتكون» أنه لم يستقصِ أبينة الشعر العذري التي تعرض أفكارهم كما نص على ذلك المنهج البنيوي التكويني، وهذه النقطة لم يتعمق فيها القللي كثيراً. فضلا عن بيان مواضع جانب فيها لبيب الصواب في الإحاطة بمصطلحات غولدمان وتوظيفها في مواضعها الصحيحة كمصطلح الأبنية الصغرى.
وفي النقد الاصطلاحي تتبع القللي كيف اختلط مصطلح «الوحدة» بمصطلح «التماسك» لدى لبيب؛ إذ إن التماسك لا يكون إلا عبر فضاء النص أو نظام ترتيب الأفكار الثابت في جميع القصائد، يقول روجيه غارودي في كتابه عن البنيوية مؤكدا على فكرة التماسك: «إن البنية الداخلية للأعمال الفلسفية أو الأدبية أو الفنية العظمى، صادرة عن كون هذه الأعمال تعبر في مستوى يتمتع بانسجام كبير عن مواقف كلية يتخذها الإنسان أمام المشاكل الأساسية التي تطرحها، وقد أكد غولدمان أن العلاقات في ما بين البشر والعلاقات بين هؤلاء وبين الطبيعة» رؤية العالم هي وجهة نظر متماسكة وموحدة، وهذا التماسك والانسجام يجعل رؤية العالم لا تتجاوز حدود الوعي الجمعي. يتتبع القللي استخدام مصطلح «الرفض» و»الوعي الجماعي» للشعراء العذريين لدى لبيب، فهل المقصود رفض العذريين للعفة، أم لمبادئ الإسلام أم لحكم الأمويين؟ ولرد الفكرة استعان بالطريقة التي اشتغل عليها غولدمان في مناقشة فكرة الرفض عندما حلل روايات روب غرييه، وكان قد قدم فكرة رفض المجتمع الرأسمالي. أما عند لبيب فهو رفض يتضمن العفة، وهذا يدل على محدودية لبيب في تعامله مع النص الشعري، ما يعني قبول لبيب لفكرة التأثير المباشر للإسلام في هؤلاء الشعراء، خاصة في موضوع الحياء والعفة. يكشف القللي وقوع لبيب في التناقض عندما رفض لبيب في موضع آخر الربط بين العفة والدين، وفي ذلك نقد لمفهوم «التماثل» كما قدمه لبيب، فالتماثل في الأصل يصف العلاقة بين الأعمال الإبداعية والواقع الاجتماعي التاريخي، والصلة بين هذين الطرفين قائمة على أساس من التماثل الذي ينشأ عن توافق الفرد مع وعي الجماعة في ضوء قانون جدلي، وهذا يختلف عن الانعكاس حتماً.
استعان القللي وحاور آراء نقاد رواد في موضوع الغزل العذري كمحمد بلوحي ويوسف اليوسف ومحمد غنيمي هلال، ووافق لبيب في العديد من طروحاته، لكنه كان يحرص دوما على الإضافة والتعزيز، كونهما ينطلقان من الأساس المنهجي ذاته البنيوية التكوينية. فيناقش فكرة الورع على سبيل المثال التي لاحقت العذريين وقلقهم أمام ما حذرهم منه الله. إذ يضيف القللي فكرة العادات «إن عامل العادات يظل المولد لتلك الظاهرة في الشعر العربي». يدحض القللي فكرة أن الطبيعة الاجتماعية مثلت عاملا مهما في ظهور جماعة العذريين في ظل قانون الورع والعادات. يحرص القللي على العودة إلى طروحات غولدمان ومفاهيمه وتطبيقاته في مظانها الأصلية، لضبط طروحات لبيب ومساءلتها ملمحاً في أكثر من موضع إلى أن لبيب قدم توظيفاً مجتزأً لمنهجية غولدمان، فضلا عن تجاهله لدراسات مهمة عديدة سبقته في هذا الموضوع. وبعد، فإن المكتبة النقدية العربية تحتاج إلى مثل هذه الدراسات التي تضبط إيقاع النقد الأدبي في علاقته مع الآخر، وتتكئ على الأصول الفلسفية والتراثية للظاهرة مجال النقد، وهذا يحتاج إلى تروٍ وصبر لمسته في دراسة القللي التي أعلم أنها حصيلة عمل دام لسنوات عديدة أخرجها في هذا الكتاب بعد تروٍ وانتظار.

ناقد وأكاديمي من الأردن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية