قمع التضامن مع غزة

حجم الخط
3

لطالما كانت الجامعات في الولايات المتحدة ساحات تخاض فيها الصراعات الأيديولوجية، داخل قاعات المحاضرات، وخارجها أيضاً، حيث يحتدم الجدل، فهي، أي الجامعات، في أفضل حالاتها ومواسمها، أرض خصبة لرفض السائد ثقافياً وسياسيا، والتشكيك بهما، وللوقوف بوجه تمثّلات وتمظهرات الأبوية السياسية والسلطوية الفكرية والاجتماعية ولتكوين وإنضاج وعي نقدي. وهذا يجعلها هدفاً مفضّلاً لليمين والمحافظين الذين يشوهون صورتها، خصوصاً حين تتمرد، فيتهمونها بالتطرّف وتشجيع العنف والتخريب، ولعل ذلك يتجلّى في أزمنة الحروب والأزمات الكبرى التي تعصف بالعالم فتوحّد وتقسم شرائح المجتمع. هناك تاريخ عريق للحراك الطلابي في الولايات المتحدة، يعود إلى سنين مناهضة حرب فيتنام، وبعدها موجة النضال ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا، الذي كانت الولايات المتحدة من داعميه الرئيسيين، والمطالبة بسحب الاستثمارات من اقتصاده. ويمكننا أن نضيف الحراك ضد حروب أفغانستان والعراق في بدايات الألفية، وبعدها موجة «حياة السود مهمة» ضد العنصرية المؤسساتية وعنف الشرطة ضد الأقليّات في السنين الأخيرة.
منذ بدء الحرب على غزة أظهرت ليندا ملز رئيسة جامعة نيويورك، مثل غيرها من رئيسات ورؤساء كبرى جامعات الولايات المتحدة، انحيازها الواضح ودعمها الصريح لإسرائيل، قولاً وفعلاً، وبينما سارعت رئيسة جامعتنا للتنديد بهجوم السابع من أكتوبر، وصنفته في خانة الإرهاب في الرسائل التي وجهتها إلى الطلاب والأساتذة، وطالبت بإطلاق الأسرى الإسرائيليين، فإنها لم تندد ولا مرة بحرب الإبادة الإسرائيلية والقصف الوحشي المستمر. ولم ترد مفردة «الإبادة» أو «غزة» أو «الفلسطينيين» في أي من بيانات رئيسة الجامعة ورسائلها، التي تتميّز بلغة هلامية تتحدث عن «الحرب في الشرق الأوسط» و «الأوضاع الصعبة» وما شابه.
ولم تحرك الرئيسة، ولا مَن حولها ساكناً، حتى بعد تدمير كل جامعات غزّة واغتيال مئات الأساتذة وحرمان عشرات الآلاف من الطلاب من سنة دراسية، بل سنوات من مستقبلهم. وحرصت إدارة الجامعة وعمادات الكليات على توبيخ ومعاقبة الطلبة، وعدد من الأساتذة، لأنهم عبروا عن تضامنهم مع غزة، بتوجيه الإنذارات، أو حتى الفصل من الجامعة، لأنهم نزعوا أو مزقوا صور الأسرى الإسرائيليين التي تم وضعها من قبل جهات صهيونية من خارج الجامعة، أو توجيه تنبيه لطلاب وأساتذة لقراءة أشعار من فلسطين في باحة المكتبة! كما غيّرت الجامعة القوانين أكثر من مرّة، فخرجت بقانون جديد يمنع وضع أي ملصقات على الجدران داخل البنايات، أو خارجها، وفعلت ذلك مباشرة بعد أن بدأ الطلاب يعلقون شعارات تتضامن مع غزة وتندد بالإبادة. وبعد أن رفع عدد من الطلاب الصهاينة بتشجيع من ذويهم دعوى ضد الجامعة تتهمها بعدم توفير الحماية الكافية للطلاب اليهود، أعلنت رئيسة الجامعة تأسيس مركز لدراسة المعاداة للسامية، ونظم أول نشاطاته قبل أسبوعين. كما أوقعت عقوبات قاسية بحق طلاب وأساتذة وتم فصلهم من الجامعة، من أجل أن تستخدم هذه كأدلة على نواياها ولإثبات موقفها الحازم وإسقاط الدعوى.

هناك تاريخ عريق للحراك الطلابي في الولايات المتحدة، يعود إلى سنين مناهضة حرب فيتنام، والنضال ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا، والحراك ضد حروب أفغانستان والعراق في بدايات الألفية

اختار أعضاء «طلاب من أجل العدالة في فلسطين» ورفاقهم باحة «غولد» أمام بناية كلية الأعمال المطلة على أحد الشوارع التي يمر منها الطلاب من وإلى محاضراتهم ليقيموا مخيّم غزة. نصبوا خيمهم في الرابعة من صباح الإثنين الثاني والعشرين من أبريل، واختاروا ذلك التوقيت المبكر بالذات لوجود أقل عدد من أفراد ومسؤولي الأمن الجامعي، الذين يسارعون منذ بداية الحرب على غزة إلى التضييق على أي فعالية، ومنع الطلاب من ممارسة حقهم في حرية التعبير والتظاهر السلمي، فقد أغلقت الجامعة مدرجا في إحدى البنايات الكبيرة، كان الطلاب يستخدمونه دائماً للفعاليات السياسية والنشاطات وللتظاهر ووضع الملصقات. وحين استخدم الطلاب باحة بناية أخرى، وهي حيّز عام قانونياً، حسب العقد الذي وقعته الجامعة مع مدينة نيويورك قبل إنشاء البناية، أصدرت إدارة الجامعة تعليماتها بالتضييق على الطلاب. واستدعت شرطة مدينة نيويورك قبل كل فعالية لمراقبة الطلاب. حين اكتشف نائب رئيسة الجامعة المسؤول عن الأمن المخيم في الصباح الباكر طالب بإزالته حالاً. وحين سُئِل عن السبب ادّعى أن الموقع «ملكية خاصة»، وكأن الطلاب قدموا من مكان آخر وليسوا في حرم جامعتهم، بدأ أفراد أمن الجامعة بالتضييق على المخيم والاعتصام مبكراً، فوضعوا حواجز حديدية حول الساحة لمنع المزيد من الطلاب والأساتذة من الانضمام بعد انتهاء محاضراتهم، ولم يسمحوا لأي شخص بالدخول إلا إذا خرج آخر ليحل محله. لم أتمكّن من الدخول إلا حين تركت واحدة من زميلاتي. وبحلول الظهر تجمع عدد كبير من الطلاب المؤيدين والراغبين بالانضمام على الرصيف المجاور للساحة. وأشهروا هوياتهم مطالبين بالدخول، لكن أفراد الأمن كانوا يمنعونهم، ثم عبر حوالي عشرين منهم الحواجز الحديدية وانضموا إلى الاعتصام دون أن يوقفهم أحد. ادّعت رئيسة الجامعة في ما بعد في بيان أصدرته أن ذلك كان «اقتحاماً» أدى إلى دخول «عناصر» أخرى. حين أخبَرَنا مسؤول الأمن بهذا الادعاء، اقترحنا عليه أن يقوم الأساتذة، الذين يراقبون الاعتصام والذين جاءوا، كالعادة، لدعم الطلبة، بتدقيق هويات الطلاب للتأكد من أنهم جميعا من طلاب جامعتنا، لكنه رفض. قيل لنا بعدها بساعة إن رئيسة الجامعة ستأتي إلى الساحة للتفاوض مع الأساتذة والطلاب، لكنها لم تظهر. الذي ظهر في سماء الجامعة هو طائرة مسيرة تابعة لشرطة نيويورك تراقب المشهد. في الرابعة طلبت الجامعة من الطلاب إخلاء الساحة، ولكنهم رفضوا.
كان الاعتصام سلمياً والأجواء حماسية، لكن بلا أي توتّر أو عنف، أما الهتافات والشعارات فكانت ذاتها التي يرددها المتظاهرون هذه الأيام في كل مكان.. هتافات تنادي بالتضامن مع أهل غزة وتدعو لوقف إطلاق النار، وتندد بالإبادة الوحشية وباشتراك الولايات المتحدة بالجريمة، ولافتات تنادي بتحرير فلسطين وإنهاء الاحتلال. أما المطالب الخاصة بالجامعة، وهي ليست وليدة الساعة، بل تعود لسنوات خلت عند تأسيس حركة المقاطعة الأكاديمية، فتطالب بالشفافية بخصوص استثمارات الجامعة، كما تطالب بسحب الاستثمارات من الشركات الإسرائيلية، وتلك المساهمة بالاحتلال، وإغلاق فرع جامعة نيويورك في تل أبيب ومقاطعة الجامعات الإسرائيلية. وقرأت واحدة من زميلاتنا وهي مؤرخة، رسالة كان قد كتبها عدد من الأساتذة اليهود ووجهوها إلى إدارة الجامعة، نددوا فيها بالتضييق والقمع وباستخدام تهمة العداء للسامية لإسكات وتجريم كل من ينتقد إسرائيل، ويندد بحرب الإبادة التي تشنها، كما نددوا بالخلط المتعمد بين معاداة الصهيونية والعداء للسامية. احتفل الطلاب اليهود المشتركين في الاعتصام بعيد الفصح، وصلى الطلبة المسلمون المغرب بعدها. أذكر كل هذا لتفنيد ما ذكرته رئيسة الجامعة ورددته وسائل الإعلام الأمريكية. قبيل المغرب كانت عربات الشرطة وعشرات رجال الشرطة قد طوقوا المنطقة، وصدر أمر من أمن الجامعة يمنع الطلاب من الخروج أو الدخول إلى أي بناية. وبدا واضحاً أنهم يستعدون للتحرك. استدعت الجامعة وحدة خاصة من شرطة نيويورك، هي «مجموعة الرد الاستراتيجي» التي تأسست عام 2015 خصيصاً لمواجهة الإرهاب والمعارضة السياسية. وكانت قد انتُقدت مراراً لاستخدامها أساليب عسكرية شديدة العنف ضد تظاهرات حركة «حياة السود مهمة»، حتى إن منظمة «هيومان رايتس ووتش» أصدرت تقريرا في 2020 يتهم هذه الوحدة بخروقات لحقوق الإنسان والحقوق الدستورية.
حين علمنا باستعداد الشرطة لاقتحام المخيم والقبض على الطلاب، وقف الأساتذة مشكّلين حاجزاً بشرياً من صفّين لحماية الطلبة. لكن رجال الشرطة قبضوا علينا وعلى عشرات الطلبة وقيدوا معاصمنا واقتادونا إلى عربة الشرطة التي أخذتنا إلى مركز الشرطة الرئيسي. بعد أخذ معلوماتنا وصورنا، وضعونا في زنازين مع زملائنا وطلابنا لساعات، ثم أطلقوا سراحنا بعد تحديد موعد للمثول أمام المحكمة الشهر المقبل بتهمة «التجاوز». أرسلت رئيسة الجامعة في اليوم التالي رسالة مليئة بالأكاذيب تدّعي حدوث شغب وفوضى تخللتها أقوال معادية للسامية لتبرير قرارها. وقد أغضب هذا الكثير من الأساتذة والطلاب الذين استهجنوا قيام الإدارة باستدعاء الشرطة إلى الحرم الجامعي لقمع اعتصام سلمي واعتقال الأساتذة والطلاب. في اليوم التالي، تم وضع حاجز عال حول الساحة يمنع الدخول إليها. وبعد ساعات بدأ الطلاب يكتبون شعارات منددة بالحرب وبقمع حرية التعبير على الجدار. وفي اليوم التالي كانت هناك مظاهرة أمام الجدار وأخرى أمام مسكن الرئيسة. وهناك خطط لإقامة المخيم من جديد في مكان آخر في الجامعة. وهناك رسائل من عدد من الأقسام وحملة لجمع التواقيع للتصويت على سحب الثقة من رئيسة الجامعة والمطالبة باستقالتها. وهناك اليوم عشرات المخيمات وموجة احتجاجات تجتاح الجامعات.
كاتب عراقي وأستاذ في جامعة نيويورك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عماد منصور:

    “ بالأمس كنا نفتقد الحرية.. اليوم نفتقد المحبة.. أنا خائف من غد.. لأننا سنفتقد الإنسانية”
    *محمود درويش
    الحياة مواقف يا عزيزي سنان ، مُمْتَنّ لكَ لأنك لازلت انساناً
    .

  2. يقول سنان أنطون:

    شكراً عزيزي عماد.

  3. يقول دكتور مهند التميمي:

    أحسنت النشر سيد سنان

اشترك في قائمتنا البريدية