كتاب «حياة تتهدد»: البحث عن نوع أدبي جديد

صدر عن دار شهريار في البصرة الكتاب المشترك «حياة تتهدد: محاورات ويوميات كورونا) 2020 للشاعر عبد الزهرة زكي، والسارد لؤي حمزة عباس، وهو محاولة جادة لصوغ خطاب عاش في موازاة جائحة كوفيد 19، وفي ظلها، وهي تفتك بالملايين، حاملة رسالة صدمت العالم بما فيها من خطر هدد الجميع، فتفشى المرض، وكانت ردة فعل الإنسان بمشورة الطب، اختيار العزلة حلا قد يمكن الإفلات من قبضة الموت الذي أحاق بالعالم، وهكذا قدر لمليارات من البشر أن يمارسوا العزلة طلبا لحياة ينشدها الجميع، فأضحت العزلة نفسها طريقا إلى نجاة سلكه من كان على وعي بطبيعة الحياة، وما تريد.
بدءا لا بد من تأكيد الطبيعة النثرية للكتاب، لكنها نثرية تبدو جديدة على الأدب العراقي الحديث، فقد تشبعت بروح السرد، وتقاناته، وهما يتمازجان في تشكيل رؤية للحياة أمام مشهد تلويح الموت الذي تحكم في بوصلة النجاة، وطرائق العيش، ولا بد من الإشارة إلى أن البحث في الطبيعة النثرية يقتضي الإحاطة بتأريخ النوع الأدبي، وهي تستدعي استرجاع الطبيعة الأولى لأصول النثر، وتحديد أبرز تشكلاته النصية، والاختلافية، والمهادية، وصولا إلى تجاوز المشكلة الأساسية التي تقابل الباحثين، والدارسين في حقل الأجناس الأدبية؛ تلك التي تتمثل في معرفة الكيفية التي تتشكل فيها الأنواع الأدبية، والأشكال، والأنماط، فضلا عن معرفة الحدود الفاصلة بين نوع وآخر، ومدى قوتها وضعفها.
إذا كان عنوان الكتاب يشي بافتقار دلالي شأنه شأن أغلب العناوين، فإن العنوان الموازي له (محاورات ويوميات كورونا) تولى فك مغاليق الافتقار بالشرح الذي أحال على الطبيعة المضمونية للكتاب، وهو ما دفعني لأن أسأل ما الأنواعية الخاصة بكتاب «حياة تتهدد»؟
أعود إلى العنوان الموازي بهدف المساعدة في تحديد طبيعة الكتاب النوعية، بعد أن تبينت لنا طبيعته الأجناسية ممهورة بمهر النثر، فقد انفتح على مصطلحين مهمين (المحاورات) و(اليوميات) كانت المحاورات، قد نصت المقدمة على طبيعتها – وقد كُتبت بمشاركة المؤلفين – ورأت أن الأيديولوجيات لم تسمح بولادة أدبيات الحوار بوصفها (نوعا) أدبيا استمد فاعليته من كونه موطن تجلية الأسرار، فضلا عن كونه باب المعرفة، والاكتشاف، دون أن ينسى – المؤلفان- أنهما يعيشان داخل عمل روائي مفترض، بعيدا عن الخضوع لقوانين الرواية، في إشارة إلى طبيعة حياتهما المكتنزة بالحوار، والأحداث، وحضور الزمن وتقاناته، والشخصيات، ووجود البطل المتفرد في سرد وقائع الموت أعني: كوفيد 19، بمشاركة المؤلفين، وهما يدركان متعة سرد الجمال، وكبح القبح في فضاء النص الروائي المفترض.
والحوارية التي قرأتُ تفاصيلها في متن الكتاب؛ هي (حوارية) الفضاء الافتراضي: النت، وليست الحوارات التقليدية، التي تدور بين شخصين يتبادلان الحديث تحت سقف محدد وزمان، ولا حوارية باختين المنفتحة على طبيعة التعبير اللغوي الروائي؛ هي )حوارية( تحاور من مكانين مختلفين: بغداد، والبصرة بوساطة أجهزة الاتصال التي صارت تقليدية في عالم (الميديا) الآن، وهي في حقيقة أمرها (محاورات) لا (حوارات) فقد أضفى عليها الشكل التفاعلي طابع الـ(مفاعلات) التي أسهمت في إيجاد جوهر التفاعل النصي الافتراضي، من خلال وجود شخصين يستعملان (النت) لينجزا مهمة التحاور على أتم وجه.
كانت مقدمة الكتاب التي لم يُنص على كونها مقدمة، لكن عنوانها (الحوار: اليوميات، الفيروس) فضلا عن طبيعة مضمونها، ووجود اسم المؤلفين في نهايتها أحال على شكلها الثقافي المعلن، قد اختصرت بوصفها العتبة المائزة التي تحمل أكثر من إشارة دالة على أهمية المتن، وهدف تأليفه، ومشكلة البوح فيه، هوية الكتاب، ودلالة مضمونه، فقد أشارت إلى الطبيعة النوعية له كونه كتاب تحاور في الأساس يتطلع إلى الخوض في حقل لم تعتد الثقافة العراقية اختباره إلا نادرا، وقد شعر المؤلفان بثقل الخسارة التي تتكبدها الثقافة في ظل غياب المحاورة تحت ظروف القسوة، وتهديد المصائر، لم تكن محاورة المؤلفين لبعضهما ميسورة حسب خطابهما فقد تشعبت، وصار لها أغصان، وفيض، في إشارة كنائية إلى تعدد مناحي التحاور، وولوجه أنساقا مختلفة غطت المشكلة التي هما بصدد التحاور من أجلها، ناهيك عن رغبتهما في التحاور الثقافي بعيدا عن فكرة التدوين التأريخي، فالتحاور عندهما تأمل، ومراقبة، ونقد، وسماع الآخر، وهذا ما جعل نصوص الكتاب مكتنزة بروح الثقافة، وجوهر خطابها، بعيدا عن التسجيل المحض، فهي سياحة في شجون الثقافة التي ترتبط بالأفكار، والعادات، والتقاليد، والسلوكيات في زمن الوباء الأكبر، بوصفه واقعة تكررت أنساقها، ودلالاتها، حتى صارت ظاهرة لها شكلها المميز الداخل في متون السرد الثقافي؛ المصطلح الذي عُرف في دراسات ما بعد الحداثة، وهو يحيل على سرديات مختلفة، ابتكرها صناعٌ مهرةٌ من ذوي الألسن الغائرة في المعنى المعلن، والمخفي من كتاب الحياة، ولي أن أعد كتاب «حياة تتهدد» في وجه آخر من وجوه سردية تحاورية ثقافية هدفها مقاومة الموت بوساطة تبني نزعة البناء الثقافي للوجود.

لقد عاش العالم بأسره عزلة مقيتة؛ هي عزلة الإنسان الذي واجه قدره بقدوم (فيروس) قاتل دفعه لأنْ يتخلى عن مجمل تقاليده، وهواياته، وممارساته المعتادة، فكانت العزلة حَجْرا اختاره كي يكون على مبعدة من موت يتربص به، وكان العالم كله يعيش أجواء تلك العزلة ببروتوكولها الذي فرض نظاما سيئ السمعة.

اليوميات

أعود إلى الجزء الثاني من العنوان الموازي (اليوميات) لأقف عند المصطلح، وأقارب بينه وبين متن الكتاب لأجد أنه لم يكن متن يوميات مستقلة عن أسلوب التحاور، الذي غطى الكتاب، إنما كان يحيل على يوميات التحاور نفسه؛ بمعنى أن اليوميات الوجه الآخر للتحاور، لكنها تنظر بعين التأمل إلى الحوادث والتجارب، ولاسيما الشخصية منها، أو تلك التي تتصل بالآخر، وكان أثر الخيال فيها محدودا؛ بسبب نزوعها إلى فكرة التحليل، والتفكيك للظواهر الثقافية، وتأثيرها في الحياة المهددة بالزوال، وإذا ما دققنا النظر في متن الكتاب، فسنجد اليوميات حاضرة فيه بعدها تصورات مكملة للتحاور، مثلت وجهة النظر الخاصة بالمؤلفين، وهي تراقب الأحداث من مرصدها المطل على فضاء مدينتين لهما شأن كبير في الثقافة العربية.
انفتح متن الكتاب على خمسة وأربعين نصا لم يسمهما المؤلفان رسالة، أو فصلا، أو جزءا، وقد أطلقتُ عليها (محاورات) عملا بما قدمتُ من رؤية سابقة عن المحاورة، وهي عندهما جملة ثيمات شكلت مع بعضها متن الكتاب الكبير، وهو ينفتح على مراقبة الذات، والأشياء الصغيرة، والليل، وخطابات دوائر الصحة المحلية والعالمية، ومراقبة الآخر القريب، والبعيد، وسفينة نوح، وفلسفة أبعاد حضورها المعاصر، والبحث في مراقبة مصائر البشر في ظل المحنة الخانقة، والاسترجاع، وعرضِ سؤالات الحياة، والحديث عن روح العزلة، وضحايا الوباء، ومغازلة الطبيعة، والخبز غير الحافي، وعولمة الحلول الخاصة بتجاوز الأزمة، فضلا عن المحاورات الخاصة بضرورة تنظيم الحياة، والقتال بلا أسلحة خوفا عليها، وجمال بشارة الحياة.
أقف الآن عند المحاورتين الأخيرتين للكتاب بعدهما خاتمة، أو خاتمتان له، فأجد خاتمة الشاعر عبد الزهرة زكي (الحياة على قمة بركانية) أشارتْ إلى تلقائية العمل في متن الكتاب بلا مقصديات مسبقة، بهدف مقاومة الانغلاق من داخله؛ بمعنى قتله والتخلص منه، وعنده أن الكتابة محاولة لتحدي الانغلاق بصيغ الرسائل المتبادلة التي تنفتح على ما هو محلي، وعالمي، وجوهري في متن المؤلفين وهما يقيمان بعيدين عن بعضهما، طلبا للنجاة من البؤس، والفاقة الثقافية، وثقة بالحياة التي يعرفان كيف يحرسان حدودها، أما خاتمة السارد لؤي حمزة عباس (الطرق تصنعها الخطوات) فقد انشغلت بسؤال التحاور بين المؤلفين، الذي أفضى إلى أسئلة أخرى قامت على استرجاع الخطوة الأولى للتحاور، الذي كان أساسه التدوين تحت سلطة الحَجْر الذي ملأ الحياة كسلا، لكنه عند المؤلفين صار نوعا من التنظيم، والبلورة لما حمل من تصورات، وأفكار بموازاة انطفاء العالم، وتقرفصه على نفسه، وخفوت شعلة الإبداع إلا في حالات، وقد ذكر أن هدف الكتاب الأسمى كونه ثمرة من ثمرات الثقة بالحياة، والخوف عليها، وليس منها.

عزلة الإنسان

لقد عاش العالم بأسره عزلة مقيتة؛ هي عزلة الإنسان الذي واجه قدره بقدوم (فيروس) قاتل دفعه لأنْ يتخلى عن مجمل تقاليده، وهواياته، وممارساته المعتادة، فكانت العزلة حَجْرا اختاره كي يكون على مبعدة من موت يتربص به، وكان العالم كله يعيش أجواء تلك العزلة ببروتوكولها الذي فرض نظاما سيئ السمعة، سِمَتُه: العزلة؛ تلك التي تمنع الإنسان عن ممارسة الحياة بشكلها الطبيعي، وكان من الواضح أن الحياة شهدت نمطا آخر من العزلة، كان أبطاله جمعا من الفنانين، والأدباء، والصحافين، والأكاديميين، والمشتغلين في حقول الفكر والرأي والثقافة المختلفة أعني: العزلة المنتجة التي يعنيني في هذا المقال الإشارة الدالة إلى عزلة الشاعر، والسارد هنا توافقا مع عنوان المقالة، وتفريقا للعزلات الأخرى التي سلكها الناس وجلين.
وبعدُ: فلي أن أسأل عن الجذر النوعي لهذا الكتاب، فأقول إن مقدمة الكتاب كانت صادقة جدا مع نفسها حين عدت الكتاب على لسان الشاعر، أو المؤلف الأول ينتمي إلى حقل لم تعتد الثقافة العراقية اختباره إلا نادرا، فهل الندرة التي عناها المؤلف تحيل على كتب المناظرات المعروفة في تراثنا الأدبي، أو كتب الرسائل المتبادلة بين الأدباء في العصر الحديث، أو إلى نوع آخر من الكتابة لم تدركه هذه المقالة؟

إن سبر أغوار الكتاب يتصل اتصالا شكليا مع الكتاب المشترك الذي أنجزه الأديب البغدادي أبو حيان التوحيدي، مع المؤرخ والأديب مسكويه، وكان اسمه «الهوامل والشوامل» الذي حققه كل من أحمد أمين، وأحمد صقر، وصدر عن مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ـ القاهرة1951؛ والهوامل هي الإبل الهائمة التي ترعى، والشوامل؛ الحيوانات التي تضبط الإبل وتجمعها، مع فارق واضح في طريقة بناء الكتابين، فقد استعار أبو حيان كلمة الهوامل لأسئلته التي وجهها إلى مسكويه، وأطلق الأخير الشوامل على الإجابات التي خص بها أسئلة صديقه، فكان الحوار بينهما متنا كشف عن طبيعة التواصل بين مثقفين عملت الثقافة بمفهومها السلس على إشغال فكرهما في موضوعات تخص الثقافة، والحضارة، والأخلاق، والحياة، وغيرها، الأول كان في العراق، والآخر من بلاد فارس، فكان كتابهما خير ما مثل الثقافة العربية خارج سلطة المركز في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، عاكسا جمال الحياة حين ارتبطت بجذر الثقافة، والتحاور، على الرغم من بعد المسافة، وضيق ذات اليد.
إن الكتابين يكشفان عن الطبيعة الأنواعية للنثر العربي، على الرغم من الفوارق الخاصة بكل واحد منهما؛ تلك التي تواجه متلقيهما، وهي تتعلق بتصنيف النثر العربي الحديث الذي يُستنزل من جنس أعلى هو(النثر) ليقيم عند تشكيلة إبداعية تنفتح في عصرنا الراهن على الأنواع الأدبية المعروفة: الرواية، والقصة، والخطبة، والمقالة، والمقامة، والمسرحية، والسيرة، والمذكرات، وغيرها من المتون الأدبية التي تتقدم الآن واجهة النثر بوصفها (أنواعا) أدبية مهيمنة، وقد خرج من هذه التشكيلة المعروفة التي لا تعرف الثبات في تزامنها الخاص مع جائحة كوفيد 19 نوعٌ جديدٌ فرضه التطور الأدبي المعتاد، وحاجة المجتمع، بما دفع إلى إيجاد نص أدبي مفارق؛ أي نوع أدبي لبى متطلبات القراءة المتجددة التي لها صلة بثقافة العصر، وطبيعة التحولات فيه، فكان نص المحاورات.

أكاديمي وناقد من العراق

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية