لماذا انسحب السعوديون من صفقة تملك نيوكاسل؟

1 - أغسطس - 2020

تفاجأ الوسط الرياضي في انكلترا، وايضاً في العالم، يوم الخميس الماضي باعلان صندوق الاستثمار السعودي الانسحاب من صفقة تملك نادي نيوكاسل يونايتد، بعد مماطلة رابطة الدوري الانكليزي الممتاز في أخذ قرار على مدى الشهور الأربعة الماضية، واعتبارها مؤخراً أن القرار “معقد” وأن حسمه سيبقى مفتوحا الى “أمد غير معلوم”.

طبعاً قرار الانسحاب في مجمله جاء حكيماً في هذا التوقيت، وربما البعض سيصاب بالدهشة من هذا الوصف بعد الانسحاب من صفقة كلفتهم عناء انتظار شهور طويلة ومبلغ 17 مليون جنيه استرليني كدفعة أولى غير مستردة للمالك الحالي لنيوكاسل مايك آشلي للتأكيد على حسن النية، لكن في الحقيقة كانت الفكرة الأساسية خلف تملك ناد انكليزي في دوري هو الأشهر ومن الأكثر مشاهدة في العالم، هي “تلميع” صورة المملكة و”تجميل” أعمالها والترويج لمصالحها، ولجني دعاية ايجابية، تعزز ما فعلته في الفترة الماضية من استثمارات ونشاطات في المجال الرياضي، في خطوات تضعها في سياق “رؤية 2030” التي أعدها ولي العهد، والتي تهدف أيضاً الى تنويع مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على الإيرادات النفطية، والأهم صرف الانتباه عن الانتهاكات في مجال حقوق الانسان.

ولكن منذ تقديم طلب التملك في ابريل/ نيسان الماضي وحتى الآن، حصل العكس تماماً، عبر جلب كل الدعايات السلبية الممكنة، والتركيز على قضايا حقوق الانسان في المملكة، وحتى فتح ملف مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، التي لطالما حلمت السعودية بطيه ونسيانه، كما نالت انتقادات واسعة بشأن قرصنة المحتوى المملوك لشبكة “بي إن سبورتس” القطرية، التي تتهم الرياض بالوقوف خلف شبكة “بي آوت كيو” المقرصنة. وأصدرت منظمة التجارة العالمية في 16 حزيران/يونيو الماضي، حكما لصالح قطر في خلافها مع السعودية بشأن انتهاك حقوق الملكية الفكرية. ولكن ما دفع السعوديون الى الانسحاب من الصفقة، ان شريحة كبيرة من المهتمين والمتابعين العاديين في انكلترا والعالم، باتوا على دراية بهذه السلبيات، وكثير منهم من عشاق كرة القدم الجاهلين في الشؤون السياسية، حتى أصبح السؤال “لماذا تؤجل رابطة الدوري الممتاز الموافقة على العرض السعودي؟” من الأكثر تداولاً على محرك البحث “غوغل”، أي أن أسوأ كابوس حلم به السعوديون بات حقيقة وواقعاً يومياً، والوتيرة أصبحت تزيد مع الاستمرار في تمديد أخذ قرار لحسم هذه الصفقة، وبالتالي استدرك السعوديون متأخرين هذه الحقيقة، وكان لزاماً عليهم أخذ قرار حاسم، يبدو غريباً الآن، لكنه في الواقع حكيم، كون لو نجحت صفقة التملك فان أنصار الفرق الأخرى المنافسة لنيوكاسل، كانت ستفتح كل هذه المواضيع السلبية كلما التقى فريقها مع الفريق الثري الجديد المملوك سعودياً، أي أن الأمور لن تتوقف، وستزيد حالات التنمر والارهاصات في المدرجات خلال المباريات، والتي ستدخل كل البيوت في العالم عبر نقلها تلفزيونياً، خصوصاً البيوت السعودية، والجميع سيستمع الى الهتافات المسيئة، وكأن السعودية استثمرت مئات الملايين لجلب المزيد من الدعاية السلبية لنفسها.

رغم ان الأمور كانت من الممكن ان تحل سريعا لو احسن السعوديون التعامل مع الأمر منذ البداية، فرغم المعارضات الواسعة من منظمات حقوق الانسان التي تنتقد سجل المملكة في هذا المجال، إضافة الى شكاوى شبكة “بي إن سبورتس”، واعتراض عدد من نواب البرلمان البريطاني والأندية على الصفقة، الا ان التأجيل والتمديد كان من أيادي السعوديين، فريتشارد ماسترز رئيس رابطة الدوري الممتاز كان دائما يؤكد أن قرارا سيصدر “قريباً”، خصوصا بعد تدخل الحكومة البريطانية في أوقات حاسمة لدعم الصفقة، حتى انها ذهبت الى حد الاعلان عن معاقبة 20 سعودياً من المتورطين في قضية مقتل خاشقجي، بحرمانهم من دخول بريطانيا وتجميد أموالهم، في خطوة اعتبرت لاسكات المنتقدين من الحقوقيين، لتبقى الخطوة الأخرى التي يجب ان يفعلها السعوديون، وهي اعلان هوية من سيكون مسؤولاً عن تملك النادي، كي يخضع لاختبار شروط الكفاءة، وأيضاً بانتظار ردود ايجابية بشأن مسألة قرصنة الحقوق، وبعدما صرح ماسترز “ننتظر ردودا ايجابية من الطرف السعودي”، بيومين أعلنت المملكة سحب ترخيص “بي ان سبورتس” في السعودية، وكأنهم يقولون للانكليز: “نريد تملك ناد من عندكم لكن لا نريد مشاهدة دوريكم” على الاقل بصورة قانونية، أو سرقته عبر “بي آوت كيو”، ليعلن بعدها ماسترز أن أخذا القرار علق الى أمد غير معلوم، رغم ان من الواضح نية الحكومة البريطانية ورابطة الدوري الموافقة على الصفقة، لكنهما كانا بحاجة الى بعض الخطوات الايجابية من الجانب السعودي.

جماهير نيوكاسل اليوم “مشوشون” ومحطمون، وكثير منهم نام ليلة الأربعاء على حلم منافسة مانشستر سيتي وليفربول على لقب الدوري، وصحوا صباح الخميس على واقع أليم بالاستمرار في الكفاح من أجل الهروب من الهبوط… مجدداً. 

 

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • حسن حسن

    ربما مقالتك هذه تندرج تحت ما يمكن تسميته “politicosports”، إذا جازت التسمية؛ فمتابعتك التطورات على مستويات مختلفة توضح مدى تداخل الشؤون الرياضية مع الشؤون السياسية، علاوة على الشؤون السياسية ومجالات أُخرى. بالتوفيق الدائم.


  • مسلم

    تلميع الصورة ياتي من خلال وضع حد لمعانات اليمن و العمل على وحدة الصف الليبي و العربي و الاسلامي و مساعدة مصر على ارجاع ريادتها العربية و الاقليمية بعد ان دمرها الانقلابيون
    و ليس انقاذ اندية من الافلاس المالي


  • د. اثير الشيخلي - العراق

    حتى هذه المسائل “البسيطة” نسبياً يفشل السعوديون (اعني السلطة هناك) في إدارتها بحكمة
    و ليس كما وصف المقال ان القرار ب الانسحاب و خسارة ” العربون” الضخم رغم تأخره جاء حكيما من باب انه لم يتأخر اكثر من ذلك
    لكن الفأس وقع في الرأس و خسرت المملكة سمعتها على الجانبين، المادي و الاعلامي!
    .
    هذه التجربة و غيرها تدل دلالة كبيرة على تخبط من يدير الأمور في السعودية و ضعف الإدارة و جهلها لأنها ببساطة بيد مجموعة من الأغرار و التنابلة الصبيان الذي لا يفقهون من الحياة شيئاً سوى متعها التافهة!


    • د. اثير الشيخلي - العراق

      كان الأمر يمكن ادارته بحكمة بالغة و من وراء ستار من خلال مستثمر واجهة (سعودي او غير سعودي) لا يبدو أن له أي ارتباط بالحكومة السعودية، بل يمكن اختياره ممن لا خلفية و اهتمام سياسي له البتة، و يقوم هو من خلال شخصه او مؤسسته بشراء النادي دون اقحام المسؤولين او الحكومة السعودية بالقصة مطلقاً
      .
      هي فقط من تحرك الأمور من خلال ستار
      .
      و في حال فشل النادي مستقبلاً فلن يحسب الفشل عليها
      و في حال تحقيق النجاحات الكبرى، عندها يمكن تسريب دور الحكومة السعودية في الأمر و أنها كانت تديره من خلف ستار، و بالتالي سينسب النجاح لها و ترتفع اسهمها.
      .
      أي الأمر شبيه بدرجة كبيرة لما يفعله ناصر الخليفي و الحكومة القطرية في هذا المجال، الجميع يعلم أن ناصر الخليفي هو مجرد واجهة بخبرة و إدارة متمكنة للحكومة القطرية
      .
      لكن حب الأنا و استعجال النتائج و هي طبيعة طفولية صبيانية هي ما تميز بقوة من يتحكم بالسعودية اليوم!


إشترك في قائمتنا البريدية