لماذا لم ترد إسرائيل بقوة؟

حجم الخط
13

كان الرأي السائد هو بحث إسرائيل عن فرصة لشن الحرب ضد إيران، غير أن التطورات ال*أخيرة ومنها الرد المحتشم وغير المعلن عنه على الهجوم الإيراني، يؤكد تلاشي هذه الأطروحة، ويبقى السبب الحقيقي هو تراجع مخزون مضادات الطيران في سيناريو شبيه لما يحدث في أوكرانيا، وعجز القبة الحديدية عن مواجهة فعالة للصواريخ الإيرانية واستحالة صمود إسرائيل من دون دعم أمريكي.
وكانت إيران قد شنت هجوما بمئات المسيرات والصواريخ الباليستية والمجنحة ضد إسرائيل ليلة السبت/الأحد 14 أبريل انتقاما من تعرض قنصليتها في دمشق للتدمير يوم الفاتح من أبريل، وردّت إسرائيل ليلة الجمعة 19 أبريل. ويوجد فرق شاسع بين الهجومين، فقد تبنت إيران الهجوم، وأعلنت عن استهداف مراكز عسكرية حساسة مثل قاعدة نيفاتيم، في المقابل، لم تتبنَ إسرائيل الهجوم بثلاث طائرات مسيرة صغيرة ضد مصنع حربي في أصفهان، وتبقى الفرضية الرئيسية هي لجوء إسرائيل الى خلية نائمة من الجواسيس داخل إيران، لضرب أصفهان وليس تنفيذ هجوم من خارج الحدود، وبعد الرد والرد المضاد، بدأت تتضح معطيات عسكرية دالة للغاية وأبرزها:

لو‭ ‬كانت‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬تضمنان‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬عسكرية‭ ‬قاسية‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬دون‭ ‬رد‭ ‬قاس‭ ‬من‭ ‬طهران،‭ ‬لكانت‭ ‬المقاتلات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬والغربية‭ ‬تدك‭ ‬المدن‭ ‬الإيرانية

*لا تستطيع إسرائيل لوحدها صد هجوم إيراني واسع، فقد شاركت في صد هجوم ليلة 14 أبريل أكثر من عشر سفن حربية غربية مرابطة في البحر الأحمر وشرق المتوسط، وعشرات الطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والأردنية. وتنقل المواقع العسكرية الأمريكية مثل «المعهد الأمريكي للبحرية الحربية» اعتراض القوات الأمريكية لأكثر من 80 طائرة مسيرة وصواريخ باليستية ومجنحة، أي الثلث. وعليه، لو لم تكن المشاركة الغربية المباشرة لكان أكثر من نصف الطائرات المسيرة والصواريخ قد ضربت الأهداف المسطرة. لنستحضر كيف كذبت إسرائيل بأنها اعترضت 99% من الهجمات، واعترفت لاحقا فقط بـ84% ومن دون شك ستعترف غدا بنسبة أعلى.
*لا تمتلك إسرائيل صواريخ أنظمة دفاع جوي قادرة على اعتراض أحدث الصواريخ الباليستية والمجنحة الإيرانية، رغم عدم استعمال إيران الصواريخ الحديثة في ترسانتها. ولعل المعطى العسكري المهم جدا في ليلة 14 أبريل أن الذي اعترض الصواريخ الباليستية الإيرانية ليس إسرائيل بقبتها الحديدية الشهيرة، بل الولايات المتحدة بفضل نظام الدرع الصاروخي مستعملة صواريخ اعتراضية من نوع إس إم 3. ونقل البنتاغون بارجتي «يو إس إس كارني» وكذلك «أرلي بيرك» من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط بعد ضرب إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق، تحسبا لرد إيراني. وارتباطا بهذا، لأول مرة تستعمل الولايات المتحدة صواريخ الدرع الصاروخي لاعتراض صواريخ هجومية، وفي هذه الحالة صواريخ إيرانية. وتتراوح قيمة كل صاروخ من نوع إس إم 3 ما بين تسعة ملايين دولار إلى ثلاثين مليون دولار. ويرفض البنتاغون تقديم معلومات كافية حول استعمال الدرع الصاروخي يوم 14 أبريل الجاري. ويعرف الدرع الصاروخي ببرنامج حرب النجوم الذي كان قد طرحه الرئيس رونالد ريغان في الثمانينيات، ودخل حيز التنفيذ خلال مرحلة الرئيس باراك أوباما.
*تضغط الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على إسرائيل لتهدئة التوتر مع إيران خوفا من تكرار إيران هجوما جديدا واسعا، لأن هذا البلد يمتلك من المسيرات والصواريخ لشن هجمات كبيرة طيلة شهور. ويمكن للقوات الغربية وإسرائيل صد الهجوم الإيراني الثاني والثالث، ولكن ابتداء من الرابع ستكون عملية صد الهجوم صعبة للغاية، نظرا لتراجع مخزون أنظمة الدفاع الجوي. وسيتكرر سيناريو أوكرانيا، إذ أن القوات الأوكرانية ترصد مسيرات الشاهد الإيرانية التي تستعملها روسيا، لكنها عاجزة عن اعتراضها لنقص في مضادات الطيران والصواريخ. وينبه القادة العسكريون الأمريكيون أن استعمال مضادات الطيران والقذائف في أوكرانيا وفلسطين والبحر الأحمر يتجاوز الإنتاج بكثير، ما يترتب عنه خلل في الدفاع. وكانت جريدة «ديفانس وان» قد نقلت عن مسؤولين في البنتاغون التفكير في استعمال سلاح الليزر لإسقاط الصواريخ والمسيرات التي يطلقها الحوثيون للحفاظ على مخزون مضادات الطيران مثل باتريوت.
هذه التطورات العسكرية هي التي تفسر لماذا يلح بعض الخبراء العسكريين، ومنهم إسرائيليون على القول بأن إسرائيل فقدت الردع الاستراتيجي يوم 14 أبريل، لأن القبة الحديدية بقيت محدودة المفعول أمام بعض الصواريخ الباليستية والمجنحة الإيرانية، التي لولا الدرع الصاروخي الأمريكي، لكانت قد أحدثت دمارا كبيرا. ويعتبر هجوم 14 أبريل القفزة النوعية الثالثة للسلاح الإيراني، وكان الأول خلال نوفمبر 2019 عندما أسقطت إيران طائرة التجسس الشهيرة «أركيو 4 غلوبال هوك» ثم دور الدرون الشاهد في الحرب الروسية – الأوكرانية، وأخيرا استعمال البنتاغون صواريخ الدرع الصاروخي أو حرب النجوم لاعتراض بعض الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي لا تعتبر الأحدث في الترسانة الإيرانية. ينكب الخبراء العسكريون في الغرب على تقييم مدى تطور السلاح الإيراني وخطورة ذلك على النفوذ الغربي في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، بل إلى مستوى اعتماد روسيا على مسيرات الشاهد ورغبة الصين شراء الآلاف منها، وتركز وكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية DIA على دراسة مدى تطابق آخر درون إيراني الشاهد 149 مع الدرون الأمريكي المتطور MQ-9 Reaper ، يذهب سياسيون وإعلاميون في العالم العربي إلى الحديث عن مسرحية الهجوم الإيراني على إسرائيل، والتزموا الصمت حول الهجوم الإسرائيلي الذي لا تستطيع تل أبيب الإعلان عنه رسميا خوفا من رد إيراني. لو كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تضمنان توجيه ضربات عسكرية قاسية ضد إيران من دون رد قاس من طهران، لكانت المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية والغربية تدك المدن الإيرانية.
بعيدا عن الاستقطاب المذهبي، السؤال المستفز هو: لماذا نجحت إيران في بناء مشروع عسكري متطور يضمن أمنها القومي، وبدأت في تصدير السلاح إلى قوى كبرى مثل الصين وروسيا وفشل العرب رغم الميزانيات العسكرية الباهظة في تصنيع ولو طائرة مسيرة للاستطلاع؟
كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Sekkaoui chaabane algerie:

    سؤال وجيه لماذا فشلت الانظمة العربية في بناء نظام عسكري يقابل ذلك النظام الذي شبده الغرب و ايران و أعتقد ان السبب في نفس الانظمة الحاكمة التي لا تفكر الا في البقاء في الحكم و ان الغرب هو الحامي و الوريث في آن واحد.

  2. يقول فريد:

    مقال وازن يضع النقاط على الحروف، يقدم معلومات ويفسرها في سياقها العسكري.

  3. يقول علي حسين أبو طالب:

    الأستاذ حسين مجدوبي .. إلى الأمام و نحن معك
    و الله يحرسك و يرعاك , أنت تنطق باسم كل حر في
    مواجهة العدو الصهيوني و أعوانه و أنصاره من
    الأبعدين و الأقربين .

  4. يقول El Ouaraini:

    مقالاتك ممتازة.
    زادك الله علما وحكمة.

    1. يقول فصل الخطاب:

      صدقت والله 😃👍

  5. يقول نزار:

    نسمع كل فترة وأخرى عن صفقات سلاح بين دول الخليج والغرب بمليارات الدولارات وان كانت هذه الصفقات صحيحة فأعتقد أن كل ما جمع من أسلحة في مخازن هذه الدول يستخدم لتلميعه فقط والتباهي الكاذب، أما إذا لم تكن هذه الصفقات صحيحة فإن دفع تلك المليارات باسم الصفقات ما هي الا (إتاوات) تدفعها دول الخليج لدول الغرب لحمايتها وحماية مصالحها. ونحن الشعوب على يقين أنه حين يأتي وقت الجد لن يرف لهم رمش، لان دول الغرب تتنصل من تعهداتها.

  6. يقول سالم العوني:

    ترسانة حزب الله الصاروخية هي أنموذج مصغّر
    لترسانة ايران الصاروخية ولا يحتاج حزب الله لصواريخ بعيدة المدى فيكفيه صواريخ مداها
    مئتا كيلو متر كي يضرب ويدمّر لكنّ حزب الله بحاجة إلى صواريخ عالية الدقّة .
    من الناجع أن يبقى القتال مع إسرائيل متعدد
    الجهات مع الصبر لإنهاك إسرائيل جيشاً ومستوطنين واقتصاداً وعلى العيدين السياسي
    والأخلاقي لأن إسرائيل مجرد واجهة معرض
    ضخمة وبراقة وما أن تتحطّم الواجهة يتلاشى
    كل شيء فليس في إسرائيل من يقدس الأرض
    وحين يصبح الخطر محدقاً بالجميع يتخلى
    الجميع عن السفينة بحثاً عن خلاص فردي في
    دولةٍ ما وما أكثر تلك الدول .

  7. يقول جابر الاهوازی:

    عاملین علا عدم رد الکیان الصیونی
    الاول. اسرائیل تخاف من رد الایرانی المزلزل و کسر شوکتها مرتا ثانیه
    الثانی. یمکن کانت مسرحیه

  8. يقول عبدالقادر:

    بعيد عنك لانهم شربو و اكلو الذلة يا استاذ . لانهم ميتوت والله .الميت الذي لا يعرف دفع الضر عن اخية

  9. يقول ابن الوليد. المانيا. (على تويتر ibn_al_walid_1@):

    تحليل منطقي لتسلسل الاحداث يعطينا استنتاجا أن عدم الرد بقوة ليس بسبب الخوف.. بل بقرار ارادي..
    .
    ~ تحت ضغط امريكا التي تريد تاجيل موضوع ايران الى ما بعد الانتخابات
    .
    ~ لان ضربة ايران كانت لارسال معلومة انها يمكنها ان تصل الى اماكن معينة.. كانت محسوبة بدون اصبات ممكنة
    .
    ~ ردت اسرائيل باستهداف هدف واحد محدد لارسال نفس الرسالة.

    تبادلت ايران واسرائيل الرسائل.. لكن يبقى الرد على الهجوم على قنصلية ايرانية بدون رد..
    .
    واثفق الجميع على الوقوف في هذه النقطة.. فلم تعتبر ايران ان هناك هجوما اصلا.. كي لا تكون مطالبة بالرد..
    اعتبرته عملا امنيا داخليا.. واسرائيل لم تقدم الادلة على انه هجوم حقيقي.. حفظا لماء وجه ايران.. صمتت اسرائيل..
    .
    النتيجة المهمة جدا والتي حصل عليها الغرب هي انه انتهى زمان الاختباء وراء ادرعها لايران.. لذلك ستبحث ايران
    على حل لاستخدام ادرعها.. وربما حتى لاعارتهم من اجل مصالح غربية.. فالكل على حساب العرب..
    .
    لمن يريد اتهام هذا التعليق انه مع اسرائيل.. اقول له اقرأ جيدا التعليق..
    .
    في النهاية الاثفاق رغم العداء بين اسراءيل وايران بخصوص مصالحهم في الدول العربية لا يزال قائما..

    1. يقول منصف:

      ورغم التطبيع فلا زالت مصالح صهيونة قائمة!

    2. يقول ابن الوليد. المانيا. (على تويتر ibn_al_walid_1@):

      نشاز.. خارج النص.

  10. يقول أين الملايين:

    للإجابة على سؤالك “لماذا فشل العرب في إنشاء صناعة عسكرية حقيقية” ينشغل العرب بإنفاق أموالهم في الليالي الساخنة في الملاهي والنوادي الليلية في دبي وأوروبا. ولهم أولويات أخرى غير دفع الأمة العربية إلى الأمام. لقد أصبحنا أضحوكة العالم، وإلا فكيف نفسر أن إخواننا الفلسطينيين يذبحون أمام أعيننا ولا تجرؤ أي دولة عربية على أن تقول أوقفوا هذه الإبادة الجماعية. وبصرف النظر عن عدد قليل من الدول مثل الجزائر التي تحاول المقاومة، فإن دولًا أخرى متواطئة في هذه الإبادة الجماعية وهي مسؤولة عن تزويد إسرائيل بالأسلحة والدعم اللوجستي. نحن نسير على رؤوسنا!

اشترك في قائمتنا البريدية