ليبيا تخسر720 مليون دولار سنويًا جراء تهريب الوقود إلى بلدان الجوار

حجم الخط
0

رشيد خشانة

استطاعت ليبيا، في الأسابيع الأخيرة، إحياء علاقات التعاون الثنائي مع ثلاثة بلدان كانت لها قدم ثابتة في البلد، قبل الانتفاضة التي أطاحت بالنظام السابق في 2011. وعلى الرغم من التحديات الأمنية وضعف وسائل استقطاب الاستثمار الخارجي، جراء ضعف الدولة وسطوة الجماعات المسلحة، أحيت الاجتماعات التي أجرتها غرف الصناعة والتجارة علاقات ظلت مقطوعة طوال السنوات الأخيرة.
ففي المغرب عقد رئيسا غرفتي الصناعة والتجارة بكل من الرباط والدار البيضاء/سطاط، وجمعية المصدرين المغاربة، اجتماعات مع نظرائهما في غرفة الصناعة والتجارة ببنغازي. وكان المحور الأساسي في زيارة الوفد الليبي للمغرب مُتمثلا بدرس فرص تعزيز التبادل التجاري وتيسير إجراءات الاستثمار في ليبيا، بالإضافة لتبادل الزيارات بين رجال الأعمال والمجموعات التجارية والصناعية في البلدين، وإقامة معارض تجارية. وفي إيطاليا شارك أربعون من رجال الأعمال الليبيين أخيرا في “المنتدى الاقتصادي الايطالي الليبي” في روما. أما في تونس فأعلن مركز تنمية الصادرات أنه سيطلق قريبا بوابة إلكترونية، لتسهيل المبادلات التجارية بين رجال الأعمال في تونس وليبيا. وزار وفد ليبي من غرفة الصناعة والتجارة ببنغازي، تونس مطلع الأسبوع الماضي. وأجرى الوفد الليبي لقاءات مع ممثّلين عن غرفة التجارة والصناعة بتونس، وُصفت بـ”المثمرة”.

ملف إعادة الاعمار

غير أن محللين يؤكدون أن في مقدم الثروات التي تستقطب المستثمرين الأجانب إلى ليبيا مناجمُ المعادن الثمينة، وخاصة مناجم الذهب في الجنوب. ويُعتبر مجال إعادة الإعمار من أكثر القطاعات اجتذابا للمستثمرين، فمنذ نهاية الهجوم الذي شنته قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة طرابلس ونجاح قوات الحكومة المعترف بها دوليا في صده، حلت بطرابلس وبنغازي وفود عديدة لرجال أعمال ومجموعات استثمارية من روسيا وتركيا ومصر وتونس. وسعت تلك الوفود إلى الاستفادة من الاستثمار في قطاع المقاولات المُقدر بـ120 مليار دولار. وعلى سبيل المثال يُقدر الأتراك قيمة المشاريع التي كانوا بصدد تنفيذها قبل اندلاع انتفاضة شباط/فبراير 2011 بما لا يقل عن 19 مليار دولار. أما الأموال المستحقة حاليا لشركات ومقاولات تركية فتُقدر بأربعة مليارات دولار حسب رئيس مجلس العلاقات التركية الليبية مرتضى قرنفل. وهي تشمل المبالغ المستحقة بسبب الخسائر الناجمة عن الحرب، بما فيها التأمين والآلات والمعدات. وتسعى تركيا إلى الاستحواذ على حصة الصين، التي تمثل حوالي 13 في المئة من صفقات إعادة الإعمار الإجمالية في ليبيا. واعتبر قرنفل أن في وسع الأتراك تحويل حصة الصين والدول الأفريقية لصالحهم “باستخدام ميزات موقعنا الجغرافي والسياسي” على ما قال.

قبلة استشفائية

أما مع تونس فتعددت اللقاءات التي عقدها مستثمرون ورجال أعمال، في إطار استئناف المشاريع الاستثمارية السابقة في ليبيا، والتي تشمل قطاع الصناعة والزراعة والتجارة والمؤسسات الاستشفائية. وتعتبر تونس القبلة الاستشفائية الأولى لليبيين، بحكم الجغرافيا وكفاءة الكادر الطبي المحلي. وحض الليبيون المقاولات التونسية على الاتجاه شرقا، أي إلى المناطق التي يسيطر عليها اللواء المتقاعد خليفة حفتر. كما أبدى التونسيون رغبتهم بمنحهم  إعفاء كليا من الالتزامات المالية والضريبية، أسوة بالاعفاءات التي مُنحت للمستثمرين الأجانب في ليبيا.
ولفت السياسي والأكاديمي جمعة القماطي إلى أن الاقتصاد الليبي يتمتع بصحة أفضل من صحة اقتصادات الجيران، على الرغم من ثلاث سنوات من الصراع الدامي والنمو الاقتصادي السلبي. وأكد القماطي، الذي يترأس “حزب التغيير” أن تسجيل أي تحسُن في اقتصاد البلد، سيشجع المواطنين الليبيين على المشاركة الفعالة في الانتخابات المقبلة. وحسب القماطي فإن أساسات الاقتصاد الليبي متينة، وقدرتُه على النمو السريع كبيرة، مُستدلا بأن ليبيا ليست مدينة لأي صندوق من الصناديق العالمية، بينما تنوء بلدان الجوار بمديونية خارجية عالية، أسوة بمصر (67 مليار دولار) والمغرب (47 مليار دولار) وتونس (28 مليار دولار).

أموال سيادية

بالمقابل تملك ليبيا 67 مليار دولار (54 مليار يورو) من الأموال السيادية موزعة على مناطق وبلدان مختلفة من العالم، إلا أنها ما زالت مُجمدة منذ العام 2011 بموجب عقوبات أممية. كما تملك ليبيا احتياطات ضخمة من النفط والغاز هي الأولى في أفريقيا، وتقدر بـ48 مليار برميل، وهي تأتي في الرتبة التاسعة عالميا. وتتبوأ ليبيا الرتبة الخامسة عالميا، على صعيد الاحتياطات من غاز الشيست، والتي تُقدر بـ26 مليار برميل. غير أن ثرواتها من المعادن مازالت غير مستثمرة استثمارا تجاريا حتى الآن.
أكثر من ذلك، يعتقد غالبية الليبيين أن تلك الثروات كانت وبالا عليهم، فهي نقمة وليست نعمة، لأنها ظلت، على مدى عقود مصدرا للخلافات، التي تحولت إلى حرب أهلية، شلت مؤسسات الدولة، وبددت أموالها في شراء السلاح وصرف رواتب عناصر الميليشيات وأمرائها. وتُعزى تلك الخلافات إلى النزاع بين عدة فُرقاء على التحكم في القرار السياسي ومن ثم السيطرة على الثروات واستثمارها. وفي ظل اقتصاد ريعي تُعتبر الدولة المصدر الرئيس للدخل والثروة. وفي غياب عقد اجتماعي، يُرسي منظومة متوازنة وعادلة لتقاسم الثروات، لجأ الفرقاء إلى العنف وحملوا السلاح، خصوصا في السنوات الأخيرة، لفرض إرادة الأقوى، لكن لم يتسن حسم الصراع بسبب تعادل القوى. مع ذلك يتقدم الاقتصاد  الليبي اقتصاد الجارتين تونس ومصر، جراء تعثرهما تحت وطأة المديونية الخارجية المتفاقمة، وتزايد أعداد العاطلين عن العمل، فضلا عن ضآلة ثرواتهما الطبيعية.

استشراء الفساد في المفاصل

ويرى خبراء اقتصاديون أن من أسوء الظواهر التي تنخر الاقتصاد الليبي الفساد المستشري في جميع مفاصل الاقتصاد، والذي يُؤثر في الموازنات التي تقرر الحكومة تنفيذها. ويُعزى ذلك إلى قلة الشفافية، معطوفة على العجز عن إيجاد آليات للحوكمة والشفافية. من هنا جاء السعي الذي أبدته عدة دول ومجموعات أجنبية للاستيلاء على بعض الثروات الليبية وتقاسمها. وفي أكثر من مناسبة انهار إنتاج البلد من النفط والغاز إلى ما يقارب 200 ألف برميل في اليوم فقط، على خلفية الصراع من أجل التحكم في الموانئ النفطية (في 2014-2015 مثلا) بعدما ارتفع إلى 1.5 مليون برميل في اليوم قبل ذلك. وترتبت على ذلك زيادة التضخم وتراجع سعر الدينار بقوة، قياسا على العملات الأجنبية، وارتفاع الأسعار وشح العملات في المصارف، ما جعل الليبيين يمرون بفترة صعبة اقتصاديا واجتماعيا.
تُضاف إلى تلك المُعوقات التي تعطل الاقتصاد الليبي، ظاهرة التهريب المُستشرية بحجم غير مسبوق برا وبحرا. وتنتشر هذه الظاهرة في محافظات الجنوب التونسي، حيث تُهرب جماعات من التجار المحترفين، كميات كبيرة من البنزين والديزل إلى المدن الحدودية التونسية. والطريف أن البنزين المُهرب يوضع على قارعة الطريق في أواني بلاستيكية، على مرأى من رجال الشرطة ومفتشي الجمارك. ويقدر الرئيس السابق لمؤسسة النفط الليبية مصطفى صنع الله، حجم الكميات المهربة بـ40 في المئة من الاستهلاك الإجمالي للبلد.

خطر الانقسام

من نتائج الصراعات المحتدمة في السنوات الأخيرة، وصول الخلاف إلى مؤسسات قومية، باتت مهددة بالانقسام، وهي التي كانت ترمز إلى سيادة البلد ووحدته، وهي المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي وسلطة الاستثمار الليبية. وفي حين تكرس الانقسام في المصرف المركزي، بعد افتتاح مقر ثان له في بنغازي (شرق) إلى جانب مقره الرسمي في العاصمة طرابلس، تفادت مؤسسة النفط التقسيم في اللحظة الأخيرة، واستُبدل رئيسُها مصطفى صُنع الله بفرحات بن قدارة، المقرب من معسكر اللواء حفتر. كما أن صادرات البلد من المحروقات، تضاعفت في السنوات الأخيرة، أكثر من ست مرات، من 200 ألف برميل في اليوم إلى 1.3 مليون برميل في الفترة نفسها. وفي ظل الاستقرار الأمني، بعد إخفاق حفتر في الاستحواذ على طرابلس، بدأت المجموعات النفطية تعود تدريجا إلى العمل في الحقول التي سبق أن كانت تستثمرها، ومنها مجموعة “شال” و”بي بي” BP كما باشرت تلك الشركات التوقيع على عقود سنوية لشراء الخام الليبي، للمرة الأولى منذ سنوات.
وساهمت زيادة أسعار النفط  ونمو الايرادات من الصادرات النفطية في  التخفيف من الضغط على المصرف المركزي. وتعزز هذا المسار بضخ المصرف أموالا إضافية للمستوردين، ما ساهم في الحد من ارتفاع الأسعار والتحكم بالتضخم.

بدل روسيا؟

ويُتوقع استقطاب استثمارات جديدة، إذ تتجه مجموعة “إيني” الغيطالية، على سبيل المثال، إلى الاستثمار في الطاقة بأفريقيا، وخاصة ليبيا، للتقليل من الاعتماد على روسيا. وسبق أن أعلن ديسكالزي رئيس مجموعة “إيني” أن الحكومة الإيطالية برئاسة، جورجيا ميلوني، وضعت خططا لتحويل إيطاليا إلى بوابة للطاقة بين أوروبا وأفريقيا، من خلال البناء على احتياجات البلدان الأفريقية للطاقة، والرغبة في الحد من التعويل على الغاز الروسي. وربما تسعى روما، التي ترأس مجموعة الدول الصناعية السبع العام المقبل، إلى إشراك بعض أعضاء المجموعة، في مشاريعها بالقارة الأفريقية، مثلما سبق أن فعلت في مناطق أخرى من العالم.
ولم يكشف سوى القليل من تفاصيل الخطة الإيطالية، ولكن من الممكن إعلان بعض المبادرات الملموسة التي تخص أفريقيا في العام المقبل، عندما تتولى إيطاليا رئاسة مجموعة السبع. وأفاد ديسكالزي في تصريحات صحفية، أن قيمة خطة الاستثمارات الإيطالية، متعددة السنوات، تزيد على سبعة مليارات دولار مع مصر وحدها. كما وقع ديسكالزي اتفاقات مماثلة لتجديد البنية التحتية العتيقة لقطاع النفط والغاز الليبيين مع نظيره الليبي مصطفى صنع الله قبل تنحيته.
والأرجح أن إيطاليا، التي تسعى للتخفيف من اعتمادها على الغاز الروسي وزيادة استثماراتها في القارة الأفريقية، ستعتمد وإن جزئيا على الغاز الليبي حيث حافظ العملاق الإيطالي على مواطئ قدم مهمة. ومع تراجع إمدادات الغاز الروسي العام الماضي، قامت “إيني” المملوكة للدولة الإيطالية، بشحن كميات متزايدة من الغاز من أفريقيا. ويُعتبر المُعطل الوحيد لاعتماد الأوروبيين على الغاز الليبي ضآلة الانتاج حاليأ، بسبب تقادم البنية الأساسية للقطاع.

تهريب الوقود

ويُواجه الاقتصاد الليبي مشكلة عويصة هي في مثابة شوكة في قدمه، وتتمثل في ظاهرة تهريب الوقود إلى بلدان الجوار، فعلى الرغم من المساعي الحثيثة التي تبذلها “المؤسسة الوطنية للنفط” لزيادة الإنتاج، إلا أن تهريب الوقود إلى الجوار يتفاقم ويستنزف إمكانات ليبيا. وتفيد الإحصاءات أن التهريب من الأنشطة غير المشروعة الآخذة في الصعود، وزاد بوتيرة سريعة خلال العامين الماضيين، حسب تحقيق استقصائي أجرته منظمة “ذا سنتري”. وأظهر التقرير أن الكلفة المالية الإجمالية لتهريب الوقود من ليبيا تبلغ 720 مليون دولار سنويًا.
كما أظهر التحقيق انتعاش أنشطة التهريب بشكل خاص من شرق ليبيا، إذ باتت مدينة بنغازي مركزًا لأنشطة التهريب بشكل كبير، قياسا على السنوات الماضية، مع استمرار التهريب في الغرب أيضا.
ورصد تقرير فريق الخبراء، التابع للجنة الجزاءات الدولية المعنية بليبيا، والمكلفة من مجلس الأمن الدولي، الصادر في أيلول/سبتمبر الماضي، زيادة في وتيرة تهريب المنتجات النفطية من بنغازي، وحدد ثلاثة أساليب تستخدمها شبكات التهريب، وتعتمد على إخفاء تحركات الناقلات النفطية، التي تحمل الخام وتنقله إلى الخارج. وسيكون من الصعب السيطرة على تلك الشبكات، لأنها تتداخل مع شبكات أخرى متخصصة بنهب المعادن، وخاصة الذهب من الجنوب، وأيضا مع شبكات الاتجار بالسلاح والمخدرات. وربما يكون من الصعب ضرب تلك الشبكات، إن لم تُفض الانتخابات، إذا ما تمت، إلى تكوين حكومة تحظى بالشرعية الكاملة، وتقضي على الأجسام الدخيلة، التي تستنزف حاليا إمكانات البلد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية