ليبيا: قطاع النفط يحتاج إلى تجديد شامل للبنية الأساسية

رشيد خشانة
حجم الخط
0

يتوقع مسؤولون في «المؤسسة الوطنية للنفط» أن يرتفع إنتاج ليبيا من النفط إلى 1.3 مليون برميل في اليوم، أواخر العام الجاري، وهذا يعني أن الإنتاج سيكون مطابقا للخطط، التي تتبعها المجموعة لزيادة الإنتاج. مع ذلك ما زالت المؤسسة تجابه صعوبات تعود إلى سببين هما تقادم البنية الأساسية لقطاع النفط وفقدان 70 في المئة من قدرته التخزينية، جراء الحروب، التي شهدتها ليبيا طيلة السنوات الأخيرة. كما تعذر بسبب تلك الحروب تجديد البنية الأساسية، وشراء أنابيب جديدة بشكل يوقف التسرُبات التي تنهك حقول النفط. وحسب رئيس «المؤسسة الوطنية للنفط» فرحات بن قدارة، تنفق المؤسسة ما بين 3 و3.5 مليار دولار سنويا على تجديد البنية التحتية للإنتاج والنقل، من خلال 45 مشروعا يجري تنفيذها حاليا. ووعد بن قدارة في حوار مع بوابة «الوسط» الليبية بالترفيع من الإنتاج إلى مليوني برميل في اليوم، بعد استكمال تنفيذ المشاريع الجاري العمل فيها حاليا.

الفساد حجر عثرة

إلا أن الخبراء الاقتصاديين متفقون على أن الفساد يشكل أحد العوائق الرئيسية في طريق العودة إلى مستوى إنتاج 2011 والذي بلغ 1.6 مليون برميل في اليوم. وحذر تقرير فرنسي صدر أخيرا تحت عنوان «اتفاق الفساد بين النخب الليبية يوفر هدوءا وهميا» من خطر التفاهمات بين الحيتان الكبيرة، بما يضُرُ القطاع الاستراتيجي. ومع استشراء هذه الظاهرة لوحظ اندلاع حركات احتجاجية، خصوصا في المناطق المنتجة للنفط، داعية إلى مراجعة حجم الموازنات الممنوحة لكل إقليم. وتقدر ميزانية «المؤسسة الوطنية للنفط» بـ34 مليار دينار، وهي الأعلى في تاريخ المؤسسة. لكن الديون تراكمت على المؤسسة، نتيجة التأخير في إطلاق الاصلاحات الكبرى للقطاع.
كما أظهر تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية صادر عن منظمة «ذي سنتري» الأمريكية غير الحكومية، التنامي المتسارع للاقتصاد غير المشروع، وتأثيره السلبي على الاستقرار الداخلي، في دولة ريعية. وقد أماط التقرير اللثام عن حجم التهديد، الذي يشكله الاقتصاد غير المشروع على الاستقرار الداخلي. ومن الواضح أن الدول الغربية تغض الطرف، عن فساد بعض الزعماء الليبيين، وهو أمرٌ يمكن أن يشكل مبررا للاضطراب الاجتماعي وزعزعة الاستقرار، في الأمد الوسط. لكن يبدو أن الدول الأوروبية، الشريكة لليبيا في المجال النفطي، تهتم في الدرجة الأولى بتأمين الأمن والاستقرار، في ضوء مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، ولا تكترث كثيرا بالفساد. بل إن ما يشغل بال عواصم تلك الدول هما أمران الارهاب والهجرة غير النظامية من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى الضفة الشمالية.

من يدفع الرواتب؟

في هذا الاطار كان من المهم أن تُحافظ مؤسسات استراتيجية، مثل مؤسسة النفط والمصرف المركزي، على وحدتها، وتنأى بنفسها عن التجاذبات والصراعات السياسية، علما أن مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، هو الذي يدفع رواتب المسؤولين السياسيين والعسكريين في المنطقة الشرقية، بمن فيهم خليفة حفتر وقواته وأبنائه.
ومنذ التوقيع على اتفاق وقف النار في 23 تشرين الأول/اكتوبر 2020 بدأت الحقول والموانئ النفطية تستعيد عافيتها وتحسن من إنتاجها بغية العودة إلى مستوى الإنتاج الذي وصلت إليه قبل الحرب. وفي السياق يجري العمل على إقامة منظومة للطاقة الشمسية، وقد أصبحت ضرورة حيوية بحكم تزايد الطلب على مصادر الطاقة، والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، لمدة 72 ساعة أحيانا. وفي ميدان النقل، ومع تدهور البنية التحتية، التي لا تحظى بالصيانة الدورية اللازمة، تم وضع «استراتيجيا النقل الشامل» لمجابهة الطلب المتزايد على الطاقة، وإعادة تشغيل المشاريع والمنشآت، التي توقف العمل فيها منذ 2011. وهناك اتجاه نحو إقامة شراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال النقل، كلما ثبت أن هناك جدوى اقتصادية من وراء مثل تلك الشراكات. ويأتي في صدارة المشاريع، التي يجري تنفيذها حاليا، في قطاع النقل، استكمال الأعمال الإنشائية في مطار طرابلس العالمي جنوب العاصمة. وأشعر وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، بميقات افتتاح المطار الدولي وهو منتصف العام المقبل.

مطار بديل

ويستخدم الليبيون حاليا مطار معيتيقة العسكري، القريب من العاصمة، في تنقلاتهم إلى الخارج. وقال الوزير الشهوبي إن العمل يسير وفق الخطة المعتمدة من جهاز تنفيذ مشروعات المواصلات. وكان المطار الدولي تعرض إلى أضرار كبيرة، نتيجة المعارك التي دارت بين الميليشيات في داخله وفي محيطه أثناء الحرب الأهلية الأولى العام 2014. وكان الهجوم العسكري على طرابلس، بقيادة اللواء خليفة حفتر، معقل المؤسسات المعترف بها دوليًا، قد انتهى في تشرين الأول/اكتوبر 2020 بوقف إطلاق النار، الذي جرى احترامه، بصورة عامة، منذ ذلك الحين. وفي قطاع النقل البري تحديدا يُرجحُ استكمال إنجاز الطريق السريعة رأس جدير/ مساعد (400 كيلومتر) التي تربط بين تونس وليبيا، لكن توقف العمل فيها منذ 2011. وفي مجال النقل الجوي، ما زال إنجاز المشاريع معطلا، ومنها ثماني مطارات خارج الخدمة حاليا. وعلى الصعيد الزراعي ما زال القطاع يتعثر ما يهدد الليبيين في قوتهم والبلد في أمنه الغذائي. وكان لابد من أن تحدد الدولة ما هي المنتوجات الاستراتيجية للتحفيز على إنتاجها. ويتطلب ذلك استثمارا أكبر في القطاع، إذ أن منتوجات الزراعة والصيد البحري لا تتجاوز حاليا 2 في المئة فقط من الاقتصاد المحلي، بينما يستقطب القطاع 22 في المئة من الأيدي العاملة. كما أن من أسباب ضعف القطاع تفتت الملكية الزراعية وغياب التخطيط، إذ يعود وضع آخر خطة للتنمية الزراعية إلى 1981- 1985 وقد ألغيت بعد ذلك الوزارة نفسها. ويؤكد خبراء زراعيون أنه يمكن بنفس المساحات الحالية ونفس الكميات من المياه، الحصول على ثمار أفضل وأوفر. ولا يتطلب ذلك سوى استخدام القليل من الأسمدة واعتماد وسائل الإنتاج العصرية، ما يمكن من ترفيع الإنتاج من 133 طنا في الهكتار الواحد إلى 166 طنا في المساحة نفسها.

الأغنياء الجدد

لكن الاقتصاد الليبي، وفوق كل تلك المعوقات والصعوبات، يعاني من انتشار التهريب عبر الحدود وتغوُل الاقتصاد غير المشروع. ويجوز القول إن أحد العوامل التي سهلت نمو الاقتصاد غير المشروع هو الحرب الأهلية، التي قادت من خلال تكريس التقسيم بين الشرق والغرب، إلى ظهور نظام مصرفي مزدوج، أدى بدوره إلى تفاقم السوق الموازية، ولم يتم التخلص منه، نسبيا، إلا أخيرا.
وكان فرع المصرف المركزي في بنغازي انشق عن المركزي، الذي يوجد مقره الرسمي في طرابلس، محاولا إنشاء مصرف مركزي مواز، إلا أن الضغوط الخارجية والداخلية فرضت على المنشقين الرضا بإعادة توحيده. ومع انخفاض قيمة الدينار الليبي، بسبب الركود الاقتصادي، كان ظهور سوق العملة السوداء، مصدرًا كبيرًا لإثراء العديد من الجهات الفاعلة، ذات العلاقات الجيدة مع السلطة. وكان الأسلوب الأكثر استخدامًا هو أسلوب «خطابات الاعتماد» التي تسمح بشراء الدولار بسعر رسمي، منخفض إلى حد ما، لإعادة بيعه بسعر غير رسمي يصل إلى 6 أضعاف، وهو ما قاد إلى ظهور طبقة من الأغنياء الجدد. وفي سياق متصل، انتشر تهريب الوقود والبنزين، وهي ممارسة أخرى غير مشروعة واسعة النطاق. ويجري الحصول على هذه المنتجات النفطية بسعر مدعوم من الدولة، ثم يعاد بيعها بسعر أعلى بكثير في الخارج، في دول مثل تشاد والسودان وتونس وألبانيا وتركيا. وحققت هذه السوق حوالي 750 مليون دولار من الإيرادات الاحتيالية في العام 2018 وفقا لمصدر رسمي. واتجه الأغنياء الجدد، في السنوات الأخيرة، إلى توسيع دائرة «أعمالهم» إلى تصدير الخردة المعدنية المعاد تدويرها.

معبرٌ للمخدرات

ومن أخطر ما في هذه العمليات، أنها تقوم على تجريد البنى التحتية العامة، وتصدير محتواها المعدني إلى تركيا. أما في شرق البلاد، فتشارك هيئة الاستثمار العسكرية، وهي الذراع الاقتصادية لجيش حفتر، بشكل خاص في هذا الإتجار، حسبما يقول التقرير، الذي نقلت فحواه بوابة «الوسط» الليبية. ومن جهة أخرى، انتشر أخيرًا نقل المخدرات، فمع وصول الحشيش من المغرب، والكوكايين من أمريكا اللاتينية، والكبتاغون من سوريا، أصبحت ليبيا نقطة عبور لشحنات المخدرات.
ويواصل التقرير قوله، في برقة وطرابلس أيضًا، تشارك الميليشيات المتحالفة مع القادة السياسيين في شبكات الإتجار بالبشر، إذ يُعتقل المهاجرون الساعون إلى عبور البحر الأبيض المتوسط صوب أوروبا، ويُسجنون ويُبتزون تحت التعذيب، ثم يطلقون. وما زال الأوروبيون، بقيادة الإيطاليين، يرغبون في إبرام اتفاقات مع السلطات الليبية، بما في ذلك تأمين التمويل، على أمل وقف ضغط الهجرة على سواحلهم. وبعدما عملوا في 2017-2018 مع المجموعات المسلحة في طرابلس، وهي منطقة عبور تقليدية، حاولوا في العام الجاري تأمين تعاون حفتر في شرق ليبيا، وهي منطقة هامشية حتى الآن في التدفقات، ولكن عدد الذين ينطلقون منها، نحو جزيرتي صقلية ولامبيدوزا، في تزايد مستمر. ويقول التقرير إن مثل هذه المحاولات تدل على التوجه الأوروبي تجاه ليبيا، حيث يُطلب من القادة المحليين تقديم خدمات استراتيجية، تتعلق بالهجرة والإرهاب، بينما هُم أنفسهم متورطون في شبكات إجرامية.
ويخلص تقرير «ذي سنتري» إلى أنه يتعين على صنَّاع السياسات، الذين يسعون إلى تفادي حدوث المزيد من عدم الاستقرار في ليبيا، أن يتعاملوا بشكل عاجل مع تمدُد الفساد الحكومي، باعتباره لا يضر بالسكان فحسب، بل يهدد أيضا الدول المجاورة، ويمكن أن يؤثر في أوروبا والولايات المتحدة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية