«مؤنس الملك» لماحي بينبين: تراجيديا التصالح

«التراجيديا لا تهدف إلى التصالح، التراجيديا تصطدم بالمنطق والمقبول، تجرّ اللاوعي قسراً إلى المجال العام. يظل المتفرج، بعد الكرنفال، وبعد رفع الأقنعة، هو نفسه بلا تغيير، كما كان من قبل. لكن بعد انتهاء التراجيديا، لا يصبح المتفرج متأكداً ممّن هو»، يكتب هوارد باركر في «تعليقات على المسرح التراجيدي» بثقة لا تسمح بمكان للمصالحة في المأساة، لكن ماذا لو كان التصالح هو الذروة، أو القاع المقلوب رأسا على عقب للتراجيديا؟ وماذا لو كان القبول أكثر مأساوية من الصدام، والمصالحة دافعا للحيرة أكثر من التمزق؟
على الغلاف الخلفي لروايته «مؤنس الملك»، يخبرنا الروائي والفنان التشكيلي المغربي، ماحي بينبين، وفي الجملة الأولى، بالتراجيديا الشخصية ذات النكهة المسرحية، التي على القارئ الولوج إليها: «ولدت في عائلة شكسبيرية بين والد عاش طوال أربعين عاما في خدمة الملك. وشقيق أبعد إلى سجن من سجونه». يتتبع بينبين في روايته الصادرة بالفرنسية، ومن ترجمة أدونيس سالم، خيوط المأساة التي مزقت أسرته، الأخ الذي قضى 18 عاما في سجن «تازمامارت»، بعد مشاركته في انقلاب «الصخيرات» ضد الملك الحسن الثاني عام 1971، والأب، محمد الذي كان مؤنسا للملك ومقربا منه، ولاحقا تخلى عن ابنه وأنكره. لكن «مؤنس الملك» ليست معنية بتراجيديا اللحظة الدامية التي يرتكب فيها الأخ المدجج بالسلاح مذبحه في القصر، فيما والده مختبئ في قبوه جنبا إلى جنب مع الملك. ففي ما سعي بينبين وهو يكتب روايته للتصالح مع والده، ومنحه صوت الراوي بعد سنوات طويلة، ليسرد قصته بنفسه، كان قد سمح لنا بالاطلاع على المأساة المخفية تحت السطح. فكيف للسلطة أن تصبح قيدا للمتحلقين حولها؟ وأن تدفع أصحابها «إلى اتخاذ قرارات رهيبة يمليها عليهم منطق أكبر منهم»؟ وكيف «أن الدخول إلى قصر ملكي قد يفقد أي شخص ثقته بنفسه؟» ويصبح المرء في الطريق إلى الترقي داخله «كحشرة يجتذبها الضوء»، وأن يتحول القرب الشديد من الملك لعنة، أو كما يقول الراوي على لسانه أمه «حين يريد الله أن يعاقب نملة، يعطيها جناحين»؟

تصالح بينبين مع تاريخه الشخصي بالكتابة، وفي الخلفية وبنعومة خافتة يسرد لنا ضمنا تاريخ موجز لوطنه، المغرب، بآلامه واضطرابه وتصالحه مع ماضيه، تصالح يسلمنا إلى خليط من التوقير والحيرة والشفقة، كأي تراجيديا محكمة.

تصف لنا «مؤنس الملك» عن قرب عالم القصر المغلق، حيث الدخول إليه «يكون كاملا، ومطلقا ولا عودة منه»، ولا يترك للداخل إليه «حين يركب قطار النخبة المذهبة» إلا أن يغادره «في محطات قصيرة ونادرة، يرى صورة الحياة تمر أمامه كمتفرج يجلس بعيدا عنها». يجد الفقيه محمد بن محمد، نفسه أمام الاختيار الصعب، الخروج وإغلاق الباب خلفه، «النزول مجددا إلى أرض الواقع، وتعلم السير من جديد مع البشر العاديين»، لكن من يجرؤ على التخلي عن «المجد وانحناءات صغار القوم والغرور الشديد الذي يرافق الحياة بين النجوم؟» فكيف للمرء بعد أن تذوق طعم حياة السلطة والرخاء أن يهجرها!
لا تتعرض الرواية لأحداث السياسة، إلا كخلفية لسرديتها، مجرد عبور هادئ وموجز لواقعتي «انقلاب الصخيرات» و«المسيرة الخضراء»، لا أكثر، مكتفيه بالتركيز على تفاصيل الحياة اليومية للقصر وسكانه، ومعاركهم الصغيرة والمجهدة والمهينة، من أجل البقاء والاحتفاظ بالحظوة. يتركنا ذلك أحيانا بتفاصيل تبدو وكأنها تسربت من صفحات «ألف ليلة وليلة»، عن قصور تسكنها الحريم والسحرة ومفسرو الأحلام والأقزام، أو كما يصفها الكاتب نفسه «حكاية تفيض بسحر الحكايات الغابرة»، لكن إن كانت تلك النكهة «الإيكزوتيكية» مؤرقة للقراءة ومنغصة في أحيان، إلا أن يعوضها هو الاختيار الفذ لذروة المأساة، أو بشكل أدق قاعها. يتجاوز بينبين كل الاختيارات الجاهزة والممكنة، والقوية بدون جهد، في قصته الحقيقية التي يرويها، يتجاوز نقاط الصدام العنيفة والمكثفة، ولحظات الحيرة الكبرى التي يقف أمامها أبطاله، فتلك كلها خيارات سهلة يترفع عنها، ليقودنا إلى ذروته المعكوسة، لحظة التصالح، كعقدة تتجمع عندها خيوط السردية جميعا وتنفك في الآن نفسه.
«المسامحة دواء عجائبي يا أمي، من بين المعتقلين الثلاثين… لم يبق منا على قيد الحياة سوى أربعة، لأننا تعلمنا أن نلفظ من قلوبنا سم الكراهية». يبكي الأب والابن معا، أخيرا. وأمام الملك المحتضر، يقف الفقيه محمد، الذي لطالما قبض أجرا، «لتزيين الأوهام بأشرطة حمراء» ليخبره بالحقيقة العارية. تنتهي بنا «مؤنس الملك» إلى تبين عالم لا يوجد فيه شر مطلق ولا خير مطلق، بل «مسألة بقاء، هذا كل شيء»، وفيها نرى في أكثر لحظات الخيانة قدرا من الوفاء، وفي الوفاء أيضا خيانة مضمرة. يتصالح بينبين مع تاريخه الشخصي بالكتابة، وفي الخلفية وبنعومة خافتة يسرد لنا ضمنا تاريخ موجز لوطنه، المغرب، بآلامه واضطرابه وتصالحه مع ماضيه، تصالح يسلمنا إلى خليط من التوقير والحيرة والشفقة، كأي تراجيديا محكمة.

٭ كاتب من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية