ماذا‭ ‬تعني‭ ‬سخرية‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬السيسي‭ ‬ووصفه‭ ‬بالقاتل؟

12 - سبتمبر - 2018

0
حجم الخط

قدّم‭ ‬الصحافي‭ ‬الاستقصائي‭ ‬الشهير‭ ‬بوب‭ ‬وودوورد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬الخوف‮»‬‭ ‬وقائع‭ ‬مثيرة‭ ‬وجديدة‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بأعضاء‭ ‬إدارته،‭ ‬وبنظرته‭ ‬للقضايا‭ ‬الأمريكية‭ ‬والعالمية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬وفّر‭ ‬للجمهور‭ ‬العربيّ‭ ‬بعض‭ ‬المعلومات‭ ‬المفيدة‭ ‬حول‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ينظر‭ ‬فيها‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬الزعماء‭ ‬العرب،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬المعتبرون‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬الموالين‭ ‬له،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬طبعا‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬السيسي‭.‬

معلوم‭ ‬طبعاً‭ ‬تودّد‭ ‬السيسي‭ ‬الشديد‭ ‬لترامب‭ ‬قبل‭ ‬فوزه‭ ‬بمنصب‭ ‬الرئاسة،‭ ‬ومراهنته‭ ‬عليه،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬مناصرته‭ ‬بتجريم‭ ‬‮«‬الإخوان‭ ‬المسلمين‮»‬،‭ ‬وإسباغ‭ ‬شرعيّة‭ ‬على‭ ‬المذبحة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬أشرف‭ ‬عليها‭ ‬للقضاء‭ ‬عليهم،‭ ‬ورغم‭ ‬التحسّن‭ ‬النسبيّ‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬ومصر‭ ‬لاحقاً،‭ ‬لكنّ‭ ‬لغة‭ ‬الجسد‭ ‬بين‭ ‬الزعيمين‭ ‬خلال‭ ‬لقاءاتهما،‭ ‬كانت‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬الازدراء‭ ‬الذي‭ ‬يكنّه‭ ‬ترامب‭ ‬لنظيره‭ ‬المصريّ،‭ ‬وقد‭ ‬بادل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفاق‭ ‬السيسي‭ ‬له‭ ‬حينها‭ ‬بسخرية‭ ‬ظاهرة‭ ‬حين‭ ‬رد‭ ‬عليه‭ ‬بالتحدث‭ ‬عن‭ ‬حذاء‭ ‬السيسي‭ ‬الجميل‭!‬

تقدّم‭ ‬رواية‭ ‬وودوورد‭ ‬الجديدة‭ ‬تأكيداً‭ ‬لأجواء‭ ‬العلاقة‭ ‬تلك‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬جرى‭ ‬بين‭ ‬ترامب‭ ‬ومستشار‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬القانوني‭ ‬جون‭ ‬داود‭ ‬حول‭ ‬محادثات‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬السيسي‭ ‬لإطلاق‭ ‬سراح‭ ‬الناشطة‭ ‬آية‭ ‬حجازي‭ ‬التي‭ ‬سجنتها‭ ‬السلطات‭ ‬المصرية‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬وحسب‭ ‬القصة‭ ‬فإن‭ ‬ترامب‭ ‬وصف‭ ‬السيسي‭ ‬بـ«القاتل‮»‬‭ ‬مرفقاً‭ ‬النعت‭ ‬بكلمة‭ ‬بذيئة،‭ ‬متبعاً‭ ‬ذلك‭ ‬بتقليد‭ ‬حديث‭ ‬للسيسي‭ ‬معه‭ ‬يبدي‭ ‬فيه‭ ‬الأخير‭ ‬قلقه‭ ‬من‭ ‬تحقيقات‭ ‬روبرت‭ ‬مولر‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأمريكية‭ ‬سائلا‭ ‬ترامب‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬سيبقى‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬لأنه‭ ‬يحتاج‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭ ‬منه‭!‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬نقرّ‭ ‬بداية‭ ‬بإمكانية‭ ‬وجود‭ ‬موقف‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬له‭ ‬جذور‭ ‬في‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬الغربية،‭ ‬وفي‭ ‬الاتجاه‭ ‬السياسيّ‭ ‬العامّ‭ ‬لليمين‭ ‬المحافظ‭ ‬الأمريكي‭ ‬نحو‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين،‭ ‬وهذا‭ ‬الموقف‭ ‬يمكن‭ ‬توسيعه‭ ‬افتراضياً‭ ‬ليتضمّن‭ ‬تعالياً‭ ‬أمريكيا‭ ‬على‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬و«نخبها‮»‬‭ ‬من‭ ‬ملوك‭ ‬ورؤساء،‭ ‬لكن‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نقرّ‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬احتقار‭ ‬الزعماء‭ ‬العرب‭ ‬لحقوق‭ ‬شعوبهم‭ ‬وطغيانهم‭ ‬وفسادهم‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إعطاء‭ ‬مصداقية‭ ‬للتعالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬عليهم،‭ ‬ولذلك‭ ‬فمن‭ ‬الواضح،‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يخصّ‭ ‬بعض‭ ‬الزعماء‭ ‬العرب،‭ ‬كالرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«الحيوان‮»‬،‭ ‬والرئيس‭ ‬المصري‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬السيسي،‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«القاتل‮»‬،‭ ‬بوضعيّة‭ ‬خاصة،‭ ‬فكلا‭ ‬الرئيسين‭ ‬خاضا‭ ‬في‭ ‬دماء‭ ‬شعبيهما،‭ ‬ويملكان‭ ‬سجلين‭ ‬مخزيين‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬والوحشيّة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬يتعاملان‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬البشر‭ ‬وحقوقهم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والسياسية‭.‬

لا‭ ‬يعفينا‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬سياسات‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭ ‬فتحت‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬باندورا‮»‬‭ ‬الشهير‭ ‬في‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬اليونانية‭ ‬الذي‭ ‬تخرج‭ ‬منه‭ ‬الشرور‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬توحي‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬تصرفاته‭ ‬وأقواله‭ ‬من‭ ‬تأثره‭ ‬بالسياسات‭ ‬الليبرالية‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب،‭ ‬فإنه‭ ‬مسؤول‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬عن‭ ‬سياسات‭ ‬عنصريّة‭ ‬ضد‭ ‬المسلمين‭ ‬والأقليات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬والشعوب‭ ‬خارجها،‭ ‬وهو‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬الطغيان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الخطير‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وعن‭ ‬دعم‭ ‬سياسات‭ ‬ضد‭ ‬البيئة‭ ‬والمناخ‭ ‬العالميّ،‭ ‬وعن‭ ‬استفحال‭ ‬خطر‭ ‬الحركات‭ ‬العنصرية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وهو‭ ‬يعبّر‭ ‬بدون‭ ‬هوادة‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التقارب‭ ‬مع‭ ‬الطغاة،‭ ‬كالرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭.‬

تقدّم‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬مفاتيح‭ ‬لفهم‭ ‬الشخصيتين‭ ‬موضوع‭ ‬الرواية،‭ ‬فالرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬قدّم‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬المحادثة‭ ‬المزعومة‭ ‬مع‭ ‬السيسي‭ ‬بعام‭ ‬‮«‬تهانيه‭ ‬المخلصة‮»‬‭ ‬للسيسي‭ ‬على‭ ‬فوزه‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬بنسبة‭ ‬97٪،‭ ‬كما‭ ‬أنه،‭ ‬في‭ ‬تغريدة‭ ‬أخيرة‭ ‬له‭ ‬قبل‭ ‬أسبوعين‭ ‬عن‭ ‬الأسد‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«الرئيس‮»‬،‭ ‬والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬دكتاتور‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬كيم‭ ‬جونغ‭ ‬أون،‭ ‬الذي‭ ‬تبادل‭ ‬معه‭ ‬الشتائم‭ ‬ثم‭ ‬التقاه‭ ‬وامتدحه‭.‬

تعبّر‭ ‬شخصية‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬التناقضات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬نخب‭ ‬العالم‭ ‬الغربيّ‭ ‬حاليّاً،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التناقضات‭ ‬الفرديّة‭ ‬التي‭ ‬يمثّلها‭ ‬شخصياً،‭ ‬ولكن‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التناقضات‭ ‬فإن‭ ‬سخريته‭ ‬من‭ ‬السيسي‭ ‬ووصفه‭ ‬له‭ ‬بالقاتل‭ ‬يكشفان‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬رؤية‭ ‬ترامب،‭ ‬والنخب‭ ‬التي‭ ‬يمثلها،‭ ‬لزعماء‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬نفاقهم‭ ‬لزعيم‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ (‬وأمثاله‭ ‬من‭ ‬زعماء‭ ‬العالم‭) ‬ليس‭ ‬وصفة‭ ‬كافية‭ ‬لإعفائهم‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ارتكبوها‭ ‬بحق‭ ‬شعوبهم‭.‬

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية