متى نشاهد فيلماً عن بوضياف؟

حجم الخط
23

أشاهد الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير (أو ما يطلق عليه «الأفلان») وهو يتكلم في التلفزيون مثل تاجر واثق من سلعته. يسأله الصحافي: «ما رأيك في الذين يطالبون حزبكم بالانسحاب من الحياة السياسية؟». يرد عليه أمين الأفلان الأسبق: «هذا كلام خصومنا وهم فئة صغيرة». من يسمع هذا الكلام، يظن أن الناس يظلمون الأفلان، والحق أن أمين هذا الحزب لا يقرأ التاريخ. لأن أول من طالب بإحالة الأفلان إلى التقاعد هو محمد بوضياف (1919-1992). وهو الرجل الذي أسس الأفلان عام 1954، وقد سبق له أن صرح بالحرف الواحد: «لا يوجد حزب يولد تحت ظل بندقية». في نظره أن ذلك الحزب أنهى مهمته باستقلال البلاد، وكان من الأريح له الانسحاب، حفاظاً على سمعته التاريخية. وعندما وصل محمد بوضياف إلى الحكم، في شتاء 1992، وصار رابع رئيس للبلاد، عزم على إنشاء حزب بديل للأفلان، حزب وطني جامع آخر. هذه الفكرة سوف تتجسد عام 1997، والحزب البديل سوف يصير اسمه: «التجمع الوطني الديمقراطي».
إذن، مشكلة جبهة التحرير الوطني ليست مع خصومها، بل إن مؤسسها لم ير جدوى من بقائها، وهذا الموقف الصريح والصدامي من محمد بوضياف سيجعل منه شخصاً محل نقد ـ في الأزمنة الحالية ـ بحكم أن حزب الأفلان يحوز قاعدة شعبية واسعة، وله مقاعد في البرلمان، ولا واحد من أعضائه يرضيه أن يسمع كلام محمد بوضياف مرة أخرى. لذلك يبدو محمد بوضياف شخصاً غير مرغوب فيه، على الأقل في السينما، من يجرؤ على تصوير فيلم عن حياته وينقل على لسانه أقواله؟ أو يعود إلى مواقفه الأخرى، عقب الاستقلال، التي لا تزال محل جدال؟ هذه الأشياء وأخرى (سوف نأتي على ذكرها) تمنع بوضياف من الظهور على الشاشة. على الرغم من أن شخصيات أخرى رافقت الرجل ونالت حظها من الفن السابع، ظهرت في أفلام من تمويل الحكومة، بينما شخصية بوضياف لا تزال في انتظار دورها.

مجاهد وبندقية

من بين المشاريع التي أصر عليها عبد العزيز بوتفليقة، في السنوات الأخيرة من حكمه، هي إطلاق سلسلة أفلام سينمائية تدور حول شخصيات من حرب التحرير. وتوالت الإنتاجات عن شخصيات معروفة: مصطفى بن بولعيد، كريم بلقاسم، أحمد زبانة، إلخ، وصولا إلى فيلم «العربي بن مهيدي» هذا العام، في انتظار فيلم آخر عن زيغوت يوسف. وهي أفلام لاقت دعماً سخياً، لكنها لم تحقق المردود المرجو منها. ظهورها كان باهتاً في المهرجانات، وعروضها في الداخل كذلك لم تحقق إجماعاً. إذن رحل بوتفليقة، لكن المشروع لا يزال مستمراً. فهناك تركيز على الأفلام التي تستعيد شخصيات من التاريخ. والغالب أن التركيز يدور حول الأسماء التي لم تثر جدلاً، ولا خصومات بشأنها، بينما شخصيات أخرى كان لها دور حاسم في الوصول إلى الاستقلال، وكانت لها مواقف سياسية صريحة، فقد جرى استبعادها، من بين هؤلاء، محمد بوضياف.

سيرة من التقلبات

في أكتوبر/تشرين الأول 1956، اختطف الاستعمار طائرة يركبها محمد بوضياف، برفقة أربعة زعماء آخرين، من شخصيات الواجهة في حرب التحرير. وجاء في تقرير الأمن الفرنسي (المحفوظ في مركز الأرشيف «أكس أون بروفانس» فرنسا) أن بوضياف هو الشخصية الأهم من بين زملائه الآخرين. فقد انخرط في العمل السياسي مبكراً، في صفوف حزب الشعب، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، انضم كذلك إلى (المنظمة الخاصة) وهي جناح عسكري وتلقى تكوينه على يد مصالي الحاج، ثم انفصل عنه وكان من مؤسسي جبهة التحرير الوطني. سجنه الاستعمار ست سنوات، وصار وزيراً في الحكومة الجزائرية المؤقتة. عقب الاستقلال، اختلف مع أحمد بن بلة فوجد نفسه في سجن في الصحراء، ثم أطلق سراحه، ونفي ما يقرب من ثلاثة عقود، ثم عاد رئيساً للبلاد عام 1992، قبل أن ينتقل إلى جوار ربه، بطلقات نار، وهو يلقي خطاباً في مدينة عنابة (شرق البلاد). وكانت وفاته بداية الحرب الأهلية، التي ستدوم عشر سنوات، إثر تزايد العمليات الإرهابية للجماعات المتطرفة. حياة من الصراعات قضاها محمد بوضياف، ما جلب له خصوماً، مما يعسر التفكير في فيلم عنه. بالتالي، فإن مشروع الأفلام التاريخية، الذي صار الحدث الأبرز في الجزائر، في السنين الأخيرة، يراد منه مداهنة التاريخ لا مناقشته. يراد منه فرض تاريخ واحد، من غير الخوض في تفاصيل، ومن غير حل الجدال المتعلق بشخصيات من حرب التحرير.
الأصل في فيلم تاريخي أن يتيح للمشاهد نظرة مغايرة إزاء حدث ماضوي. إذا كان هذا الفيلم يتطابق مع ما جاء في كتب مدرسية عن التاريخ، فما هي الفائدة منه؟ لماذا تصرف عليه أموال بحكم أن المضمون متاح سلفاً؟ وتلك هي الحالة في الجزائر. غالبية الأفلام التي جرى تصويرها وعرضها، عن شخصيات تاريخية، إنما هي تكرار لما هو متداول ومتفق عليه. لا تعرض شيئاً جديداً. الغرض الآخر من فيلم تاريخ، هو أن يعرض حكايات جانبية. هذه الحكايات سوف تتكاثف وتحيل إلى التاريخ العام للشخصية. الفيلم التاريخي يتيح نظرة للمسكوت عنه في حياة الشخصية التاريخية التي يصورها. وهذا كذلك عنصر غائب عن الأفلام في الجزائر، حيث إن السيناريو يبدو محتشماً، لا يقول كل شيء، مكتفياً بالخطوط العريضة من حياة الشخصية التاريخية، دون مغامرة في تفاصيلها الحميمة. وإذا تفادينا الجدل في شأن محمد بوضياف، وصدقنا أن العودة إلى حياته في فيلم، سوف تفتح باب الجدل، فإن الأفلام التاريخية لها وظيفة أخرى، هي تصوير حيوات أشخاص غير معروفين، أو أشخاص نسيهم الناس، وإعادة وضعهم في سياق مشاركتهم في الحدث. وهذا موضوع يبدو أن القائمين على السينما لم يفكروا فيه. المخرجون يفكرون فقط في الشخصيات المعروفة، كأن تلك الشخصيات وحدها من صنعت التاريخ، ونتجاهل من نسيتهم كتب التاريخ. كما يجري تناسي الأجانب الذين شاركوا في حرب التحرير. وذلك موضوع آخر، من الصعب التفكير في فيلم جزائري مطول، بدعم حكومي (إذا استثنينا فرانز فانون) تدور وقائعه عن فرنسي شارك في الحرب ضد الاستعمار (مثل فرنان إيفتون أو موريس أودان).

كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل.
    لماذا قبل (بكسر الباء) بوضياف مباركة توقيف المسار الانتخابي !!!؟؟؟
    جاء في المقال ما نصه:
    “فهناك تركيز على الأفلام التي تستعيد شخصيات من التاريخ. والغالب أن التركيز يدور حول الأسماء التي لم تثر جدلاً، ولا خصومات بشأنها” انتهى الاقتباس
    كأن مصطفى بن بولعيد، كريم بلقاسم، أحمد زبانة، العربي بن مهيدي و زيغود يوسف لم يكن لهم دور حاسم في الوصول إلى الاستقلال، ولا يستحقون أن تخلد دوارهم بأفلام سينمائيه.
    بوضياف، اختار المنفى الطوعي بعد الاستقلال بعدما عجز عن الحصول على المنصب الذي كان يجري ورآه، وبعد وفاة بومدين وشاهد جنازته، وحب وتقدير واحترام الجزائريين له، استفاق أنه كان يعارض شعب وليس شخص (بومدين). وحصل عن الجواب لعنوان كتابه “الجزائر إلى أين”، وأدرك أن الجزائر تسير في الطريق الصحيح. فحل حزبه وتفرغ للتجارة.
    ولما التوق إلى المسؤولية مازال دفين أحلامه وأفكاره، سهَّل على “حزب فرنسا” التغرير به، وأتوا به إلى الجزائر التي يتصارع فيها طرفان على نفس المنصب.
    …/…يتبع

    1. يقول عبد الرحيم المغربي.:

      الشهيد بوضياف أو السي الطيب الوطني..كان أبرز القادة الستة..وتولى مهمة جلب وتمرير السلاح للمقاومة انطلاقا من المغرب مع شريكه محمد بن الخضير الحموتي المغربي…وذاق سجن الإستعمار والتنكيل..ولم يتنازل عن مبادئه..وبعد الاستفتاء وانقلاب جيش الحدود الذي كان متواجدا في وجدة ولم يطلق رصاصة ضد فرنسا…تم اختطاف الشهيد بوضياف بسبب رفضه للانقلاب…وبعدها حكم عليه بالاعدام…وكان من المنتظر أن يلقى مصير الشهيد شعباني..لولا أن قرر ابن بيلا إطلاق سراحه ففضل الذهاب إلى المغرب..وعقب إنقلاب بومدين على إبن بيلا..عرض عليه ترأس حكومة انتقالية بسلطات موسعة فرفض..وقال.لم نحارب الإستعمار من أجل الكراسي…ولم يتغير موقف الشهيد من الوضع السياسي في بلاده..ولكنه قلص من نشاطه السياسي لاعتبارات شخصية…وكانت تلبيته لطلب تولي منصب الرئاسة حسب تصريحه مباشرة بعد نزوله في المطار..للمساهمة في منع الحرب الأهلية..وقال.. الأهم أن لايسيل الدم الجزائري…وكانت النقطة التي عجلت باغتياله هي فتح ملفات الفساد

    2. يقول غزاوي:

      …/…تتمة
      مجرد تساؤل.
      لماذا قبل (بكسر الباء) بوضياف مباركة توقيف المسار الانتخابي !!!؟؟؟
      كثيرون نصحوا بوضياف برفض الهدية المسمومة، منهم زوجته فخالفهم ، وقبِل أن يُبارك توقيف المسار الانتخابي، ويستولي على إرادة شعب بأكمله، وتُقمع الديمقراطية الوليدة ويُجمد قانون اللغة العربية باسمه، واشترط أن لا يكون ربع رئيس بل رئيس بكل الصلاحيات، كأن ذلك سيشفع له ويزيد من مصداقيته، فلقي مصرعه، بل جزأه أمام العالم كله.
      بوضياف وضع نفسه في يد حزب فرنسا ممثلا في خالد نزار والعربي بلخير وعلي هارون، ليكون واجهتهم ويستغلونه لتنفيذ مأربهم. وهذا دليل أنه ليس أهلا للمنصب الذي اغتصبه غيره باسمه.
      منفاه في المغرب جعل أفكاره حبيسة 1962، ومشبعة بالرؤية المغربية لنزاع الصحراء الغربية.
      لا أبخس الرجل نضاله من أجل الجزائر، وفضله عليها، وعلى الله أجره إن كانت تلك نيته. وربما أعظم ما قدمه للجزائر، أنه جعل الحسن الثاني يُفرط في أهم ورقة لديه ضد الجزائر ، قفي مسعى لدعم بوضياف واستمالته، سارع على المصادقة على اتفاقية الحدود بين البلدين يوم:24/06/1992، أي أقل من أسبوع من اغتياله.
      فمليون ونصف مليون رحمة عليك أيها المناضل، طويت موضوع الحدود مع المغرب، كان يسعى الحسن الثاني ليجعله ورقة أبدية يبتز بها الجزائر.

    3. يقول غزاوي:

      إلى الأخ عبد الرحيم المغربي
      مجرد تساؤل.
      ما هي طبيعة الدعم المغربي الرسمي للثورة الجزائري !!!؟؟؟
      عندما يريد المغربيون الطعن في ثورة الجزائر وشهدائها يقولون أن الجزائر صنيعة فرنسا واستقلالها هبة من ديغول. وعندما يريدون أن يمنون عليها يقولون لو دعم المغرب ما استقلت.
      أما الحقيقة فإن دعم المغرب الرسمي للجزائر، يشبه تماما دعمه لفلسطين. التحالف مع عدوهما فرنسا والكيان في جميع المجالات واتفاقيات أمنية وعسكرية تمنعه من تقديم أي دعم مادي، ما عدا التصريحات الدبلوماسية الخالية من الفعالية.
      وإليك أخي عبد الرحيم الدليل من اتفاقيتين دوليتين ومن شهادة مغربيين، ضابط عسكري ودكتور وكاتب مدني.
      …/….يتبع

    4. يقول غزاوي:

      …/…تتمة
      1- بموجب اتفاقية طنجة (10/09/1844) واتفاقية للا مغنية (18/03/1845)، ألتزم المغرب بعدم تقديم أي دعم للجزائريين، واعتبار الأمير عبد القادر مجرم يستوجب مطاردته والقبض عليه حيا أو ميتا.
      2- ومن خلال برنامج “شاهد على العص ر” شَهِدَ الطيار الصالح حشاد أنه كانوا وزملاؤه يتدربون على قصف الجزائريين خلال الثورة.
      وشهادته موثقة ابتداء من الدقيقة 15 في فيديو منشور على اليوتوب تحت عنوان:” شاهد على العصر صالح حشاد النشأة والطفولة التدريب على قيادة أحدث الطائرات”.
      3- في مقال نشرته “رأي اليوم”، يوم:13/06/2024، تحت عنوان:”د. تدمري عبد الوهاب (المغربي):المغرب والجزائر بين الانحباس الداخلي والتخبط الاستراتيجي”، جاء فيه ما نصه:
      “كون الوثيقة (اتفاقية إيكس ليبان) تمنح المغرب استقلالا شكليا هدفه الحفاظ على المصالح الفرنسية…مع قطع الطريق على الدعم الذي كانت تقدمه للمقاومة الجزائرية انطلاقا من المناطق الشرقية….في حين أن استقلال الجزائر جاء عبر ثورة مسلحة مدعومة من طرف قوى التحرر العالمية ، أجبرت الاستعمار الفرنسي على الجلاء دون شروط” انتهى الاقتباس.
      مع التشديد على عبارة :” مع قطع الطريق على الدعم الذي كانت تقدمه للمقاومة الجزائرية انطلاقا من المناطق الشرقية “

    5. يقول عبد الرحيم المغربي.:

      التاريخ لايستمد من اسقاطات تكتب بدون استناد حقيقي لمصادر تاريخية معتمدة…ومراجع موثقة..واتفاقية طنجة هي خرافة اسقطها البعض في موسوعة ويكيبيديا التي ادرجتها تحت ملاحظة..أن هذه المعلومة تفتقد إلى التوثيق.. وأما معاهدة مغنية فهي معاهدة حرب لم تتضمن أي شرط يتعلق بكيان سياسي إسمه الجزائر لأنه لم يكن موجودا حينها…ويكفي الرجوع إلى وثيقة التسمية للجنرال شنايدر… والى خطاب الجنرال ديغول سنة 1959. وبعد استقباله هناك استقبال الفاتحين كما جرى مع ساركوزي وهولاند وماكرون…؛

  2. يقول عبداللطيف:

    بودياف مناضل كبير كان له الدور الحاسم في اجتماع مجموعة 22، و لعب دور كبير في اندلاع الثورة، ولكن لم يكن له فيالق كبيرةمن المجاهدين مثل كريم بلقاسم (600 مجاهد) اوبن بولعيد (500)مجاهد ،مكث سنتين في القاهرة والباقي في السجن، حتى الاستقلال، اما في ما يخص جبهة التحرير، فهي لم تصبح جبهة حقيقية الا بعد انخراط الأحزاب السياسية الأخرى مثل المركزيين و جمعية العلماء وحزب فرحات عباس، و هذا كله فيمؤتمر الصومام، بقيادة عبان رمضان المناضل الكبير الذي اغتيل كذالك غدرا في المغرب

  3. يقول عبداللطيف:

    بودياف مناضل كبير كان له الدور الحاسم في اجتماع مجموعة 22، و لعب دور كبير في اندلاع الثورة، ولكن لم يكن له فيالق كبيرةمن المجاهدين مثل كريم بلقاسم (600 مجاهد) اوبن بولعيد (500)مجاهد ،مكث سنتين في القاهرة والباقي في السجن، حتى الاستقلال، اما في ما يخص جبهة التحرير، فهي لم تصبح جبهة حقيقية الا بعد انخراط الأحزاب السياسية الأخرى مثل المركزيين و جمعية العلماء وحزب فرحات عباس، و هذا كله في مؤتمر الصومام(1956) ، بقيادة عبان رمضان المناضل الكبير الذي اغتيل كذالك غدرا في المغرب

    1. يقول جمال:

      لا يوجد تحرر او استقلال وطن الا بالقضاء على كل منشق عن مبادئ الثورة.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية