مجلس التعاون وغياب المشترك

حجم الخط
0

مجلس التعاون وغياب المشترك

د. علي محمد فخرومجلس التعاون وغياب المشترك عبر السنين تحدٌّث الكثيرون عن ضرورة قيام نظام قضائي مشترك ليحكم فيما بين الدول وفيما بين مؤسسات الدول وعلي الأخص الإقتصادية منها. لكن مرت السنون دون اكتراث لتنفيذ ذلك بالرغم من تواجد خلافات حدودية فيما بين البعض وازدياد عدد الشكاوي التجارية والمؤسساتية بشأن تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية.لكن المشترك يجب أن لايقف عند تلك الحدود المتواضعة. فإذا كان الإتحاد الأوروبي، الذي لايتحدث نظامه عن وصول دوله الي الوحدة الكاملة كما يفعل النظام الأساسي لمجلس التعاون، قد أقام مؤسسات بحثية مشتركة عديدة وأقام مؤسسات تنظيمية مشتركة في العديد من الحقول، من مثل المواصلات وأمور الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، فإن مجلس التعاون يرتكب خطأً فادحاً بإهمال قيام مؤسسات مشتركة تابعة للأمانة العامة أو لمجالس خليجية إشرافية. فهل يُعقل أنه بعد خمس وعشرين سنة لم تقم مؤسسة بحثية مشتركة في حقول الطاقة في منطقة تعيش من عائدات بيع أحد أهم مصادر الطاقة في العالم؟ هل يعقل أن علوم وتكنولوجيا الطاقة تتطور وتتقدُّم في بلدان أخري تملك مخزوناً لأية طاقة كانت، بينما نقف نحن متفرجين ومكتفين باستنزاف وبيع مخزون الطاقة من تحت أرضنا؟ ثم، ألا نقلق علي مستقبل كل مانبنيه اليوم عندما تنتهي الطاقة عندنا ودون أن نبني قاعدة علمية ـ تكنولوجية بشرية لطاقة بديلة قادرة علي دعم استمرارية التنمية في هذه المنطقة بعد انتهاء حقبة البترول الحالية؟ وبالطبع، ومن ضمن هذه البدائل، هناك حاجة لجهد مشترك في أبحاث الطاقة والاستعمالات الذريُّة. فهذا الحقل قد تطوُّر كثيراً وأصبح أحد خيارات المستقبل في الكثير من البلاد، فلم نقف أمامه طائعين خاضعين للتوجيهات الأميركية المعروفة؟ وماذا عن الطاقة الشمسية والهيدروجينية التي قد تكون خيار المستقبل في العالم؟ فهل تستطيع أية دولة خليجية أن تقوم بذلك لوحدها ؟ الجواب هو حتماً بالنفي. وفي بلاد صحراوية جافة قليلة المياه والتربة الزراعية ألا يكون هناك محل لقيام مؤسسات بحثية وتنظيمية مشتركة لمواجهة هذه الإشكالية التي ستنفجر في وجوهنا في المستقبل والأمر نفسه ينطبق علي الحاجة لمؤسسات مشتركة في حقول المعلومات والتواصل والفضاء والبحار والبيوتكنولوجية وفي حقول الدراسات الاجتماعية والاقتصادية التي تتغيُّر بسرعة مذهلة.إن ذلك سيعني تخصيص نسبة معُّينة من دخل دول مجلس التعاون للقيام بمثل هذه النشاطات المشتركة، وهذا هو مربط الفرس الذي تهرب منه حكوماتنا. فكما هو الحال مع مؤسساتنا العربية القومية السياسية كالجامعة العربية أو التربوية كالمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة أو منظمة العمل العربية أو غيرها الكثير يراد أن تكون حصص الدول عبارة عن فتات لايكفي بالكاد إلاًُ لبضع من الموظفين ولعدد محدود من الاجتماعات، بينما المنطق الوحدوي أو التضامني يفرض أن تكون ميزانية مؤسسات مجلس التعاون بعشرات الملايين من الدنانير لتقيم مؤسسات كثيرة في فلك مجلس التعاون لتدفعه دفعاً مستمراً نحو الإلتحام والتوحيد والتطور والقدرة علي مواجهة تعقيدات الحاضر وعلي الإعداد للمستقبل.إن إشكالية المشترك وإشكالية تخصيص المبالغ اللازمة لجعل هذا المجلس أكثر من أمانة عامة ومن اجتماع لجان، هي في صلب آلية المجلس التي تحدثنا عنها سابقاً. إن الإتحاد الأوروبي لا يعيش ويتقدم من خلال تنسيق السياسات والأنشطة فقط، بل يفعل ذلك أيضاً وبشكل يؤكد إرادة الإندماج عندهم من خلال ميزانية للإتحاد تصل إلي مليارات اليورو وتتعاظم في كل سنة. إن مهزلة التعامل البليد البخيل، في كل أرض العرب وفي الخليج أيضاً، مع المؤسسات التي تهدف إلي توحيد جهود ونشاطات أقطار الوطن كله أو بعض أقاليمه، تحتاج أن تتوقف. فإذا كانت الدول العربية أو الخليجية تريد أن تبني دون مقابل مادي ومعنوي فإنها تمارس أحلام اليقظة التي يجب أن تستفيق منها.9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية