مجموعة «جزء من النص مفقود»: هل نجحت في الاختبار الدرامي؟

حجم الخط
1

جميل التقاط أحداث الحياة اليومية بشخوصها وزمانها ومكانها، ومعالجتها سردياً وتقديمها للقارئ بقالب درامي فكاهي.. هذا ما تحاول فعله المجموعة القصصية «جزء من النص مفقود» الصادرة مؤخراً عن دار موزاييك للكاتب عماد كركص.
عبر ثلاث عشرة قصة قصيرة تدور أحداثها في «الضحيكة» وهي اسم متخيل اختاره الكاتب للمدينة التي تدور فيها الأحداث، التي تبدأ من تسعينيات القرن الماضي، وتنتهي بُعيد الثورة السورية بقليل، وأبطال أغلب القصص هم ذاتهم مع تغيّر بسيط في بعض الأحيان، ما يعني أن هناك وحدة زمانية ومكانية في السرد الحكائي، تجعل من العمل أقرب للرواية منه للقصص القصيرة.
المتن السردي في القصص الثلاث عشرة ينتقل بين العامية والفصحى، خصوصاً الحوارات التي تدور بين أبطال العمل، وإن كانت هناك زيادة نسبية باستعمال اللهجة العامية، في أماكن يمكن بكل سهولة استخدام الفصحى فيها، لأن كثيراً من هذه الحوارات لا تحمل بين طياتها مفردات ذات خصوصية محلية، إلا أن الكاتب استخدم العديد من المفردات ذات الحمولة التي تنطبق على البيئة المكانية المعنية بالحدث، وتم توظيفها بشكل جيد لغوياً، لتعبر عن الصفة أو الفعل بما يناسب موقفه، وهذا يتضح تماماً في عنوان القصة الأولى «أبو قيلة» كمفردة ذات دلالة محلية، لا يمكن لمن هو خارج البيئة أن يفهمها، غير أن التوظيف اللغوي الصحيح يثير فضول القارئ لفهمها، حيث جاء شرحها متأخراً قليلاً، لكنه أضاف عبرها مفردة جديدة لقاموس المتلقي.
ولأن القصة فن سردي له توظيفات سياسية، ستجد في هذه المجموعة الكثير من الإسقاطات، أوليس النظام الأمني السوري وطريقة تعاطيه مع الأهالي منذ سيطرة البعث على سوريا عام 1963 هو السبب في كل ما حل ويحل بالبلاد من خراب وويلات، طالما أن المقدمات تؤدي إلى النتائج، في قنابل موقوتة» يقول مدرس التاريخ جلال الطابوري لصديقه الضابط الشريف، الذي جاءه يزوره بعد سنوات طويلة من انتهاء الخدمة العسكرية الإجبارية، في محله الذي يبيع فيه، كون راتب الموظف لا يسد الرمق «إنه بعد انتهاء جلال من الخدمة أصبح قنبلة موقوتة، على الوطن وقائد الوطن» ما جعل الضابط الضيف يهرب بسرعة، رغم أنه في الأساس مظلوم ومهدورة حقوقه لصالح ضباط من فئة معينة.. هنا يتساءل الكاتب لماذا لم تنفجر هذه القنبلة الموقوتة، هل لأن عامل الزمن والرطوبة قد أفقدا هذه القنبلة قدرتها على الانفجار؟
البعثيون بانتهازيتهم ولصوصيتهم، ورفض المجتمع لهم، موجودون بقوة في أكثر من قصة، فهم الذين يزاودون على الجميع بالوطن والوطنية، لكن إذا علموا أن هناك منفعة ما فإنهم سيبيعون الوطن، لا بل الأمة العربية من المحيط الثائر إلى الخليج الهادر، وهذا ما تقوله القصة المعنونة «أبو شاهين سجل اسمي» وبعد انطلاق الثورة تخلى عنهم النظام بطريقة مخزية، كما في «طقم مبهبط».
ستتوقف كثيراً أمام بعض قصص هذه المجموعة لأن بعض أبطالها قد مرّ معك في حياتك في سوريا، أو بعضاً من صفاتهم على الأقل، فـ«سطام الدوس» الذي يخترع القصص عن لقاءاته بالمسؤولين وعلية القوم وتنقله بين البلدان، دون أن يشعر بأنه يكذب، كنوع من الكذب القهري، وكي يملأ المساحة الفارغة في دماغه ويشبع أناه المتضخمة مَرَضياً، المضحك أن سطام هذا قد ادعى أنه وأثناء تواري صدام حسين عن الأعين بعيد الاحتلال الأمريكي، وسريان الشائعات عن انتقاله إلى سوريا، استُقبل من قبل سطام في بيته الذي لجأ إليه عبر الجب، رغم أن بيته ليس فيه جب، فانتشرت القصة في « الضحيكة» كانتشار الغازات السامة في الهواء، حتى وصلت للقيادة، فتم استدعاء سطام لمفرزة الأمن، حيث عوقب أشد العقوبات، وأعلن توبته عن اقتراف أكاذيب كهذه، فقال له رئيس المفرزة الأمنية مهيوب الجلّي الحاضر في أغلب القصص:
«قابلت شيراك ما حكينا شي.. علقت مع رئيس الوزراء تبعنا وخليتو يعتذر منك، كمان بلعناها.. يا أخي قابلت رئيس الجمهورية، قلنا الزلمة مشتهي يشوف الرئيس.. بس انو يا ابن الحرام تجيب هذا الزلمة (صدام حسين) لعندنا على البلد وتضيفو كمان.. لك هاي الكذبة بتطيرني من منصبي، وبتلعن أبوي على أبوك.. قوم انقلع من خلقتي».
رئيس المفرزة المساعد أول ميهوب الجلّي في القصة الأخيرة «جزء من النص مفقود» الذي يتفنن بكيفية مصادرة أموال الأهالي، كي يجمع أكبر قدر من الأموال قبل إحالته للتقاعد، عبر تلفيق التهم لأبنائهم، خصوصاً إذا كان الأهل من ميسوري الحال، فلا تستغرب حينها أن يُزج بالابن الأمّي في السجن بدعوى انتمائه لتنظيم يساري، رغم أنه لا يميز بين يده اليمين ويده اليسار، وجشع «الجلّي» كما كل المسؤولين الأمنيين في سوريا الأسد، جعل الناس تنتفض ضده، وربما كانت بداية الثورة في « الضحيكة» كأنها إسقاط على ما جرى في درعا، وتصرفات عاطف نجيب الرعناء، التي كانت السبب في اندلاع الثورة السورية.
هذه المجموعة هي باكورة أعمال الكاتب الشاب عماد كركص، يمكن بسهولة اكتشاف أن قصصها تصلح كلوحات درامية ساخرة، إذا تمت معالجتها درامياً بشكل صحيح، وكُتب لها سيناريو يناسبها مع مخرج يمتلك أدوات وتقنيات العمل الكوميدي، فعندما يستطيع الكاتب جعل القارئ يضحك على الورق، فهذا يعني أنه نجح في الاختبار الدرامي، وهذا ما فعلته بي المجموعة القصصية هذه.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول حسن المعراوي:

    هذه القراءة شجعتني على قراءة المجموعة القصصية.. ولكن اين هي دار موزاييك وكيف يمكنني الحصول على اصداراتها في اوروبا ؟
    تحياتي

اشترك في قائمتنا البريدية