محمد علي ومؤتمر الشباب: كرة الثلج وكرة الغضب

حجم الخط
6

في المؤتمر الدولي الـ30 للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الذي افتتح في 15 سبتمبر 2019 تحت عنوان يتسق مع الأوضاع والخطاب الرسمي وهو «فقه بناء الدول.. رؤية فقهية»، قال وزير الأوقاف المصري «رجل فقير في دولة غنية خير من رجل غني في دولة فقيرة ضعيفة». أما المبرر من وجهة نظره فيتمثل في أن «الأول له دوله تحمله وتحميه، والثاني لا ظهر له».
لا يحدد لنا الوزير مؤهلات حديثه عن بناء الدول، ولا أفضليات أوضاع المواطن خارج فكرة العدل والمساواة والرحمة والكرامة، وغيرها من القيم الأساسية التي يمكن أن تتسق مع روح الدين، ولا أفضلية حالة الفقر أيا ما كان شكل الدولة، أو كيف تكون الدولة غنية بدون أن تحارب الفقر، وهو أصل الشرور. لا يتحدث الوزير أيضا عن حال المواطن الذي يعيش في دولة فقيرة وفقا للخطاب الرسمي وهو فقير، بما يعني أنه لا ظهر ولا حماية، ولكنه فقر مضاعف يزيد منه سوء استخدام السلطة والتخصيص غير الرشيد للموارد، ناهيك من غياب المسؤولية والمحاسبة المفترضة، في ما يتعلق بالمال العام عندما يقترن الفقر الرسمي المعلن والفقر الحقيقي المعاش، مع أوجه إنفاق غير ضرورية تولد الظلم، ولكن يتجاوز عنها من أجل تبرير حالة التناقض التي تجمع بين فقر العامة وقصور الحكام.
لا يحدد الوزير تلك المؤهلات، ولا ما يفترض أن يقع في نطاق حديثه الديني، وهو يخلط بين ما يفترض أنه ثراء الدولة ومكانتها، فالدولة الغنية ليست دولة قوية بالضرورة، والثراء الذي لا يترجم في صورة تحسين الأوضاع المعيشية، لا يضمن حماية المواطن، ووجود ظهر أو قيمة لوجوده من الأساس. وإن كان ثراء الأقلية لا يعبر عن أن الدولة قوية أو غنية، فالأمر لا يختلف في التعامل مع ثراء الحكام، أو مظاهر الثراء الشكلية، التي لا تتحول إلى قوة أو مكانة للدولة أو للشعب، تتجاوز مقولة الوزير، التي تصدرت الأخبار، إن مكانة الدول لا تقاس بحجم القصور الرئاسية، ولا السجاد الأحمر والاحتفالات التي تكلف الملايين، في واقع تزداد فيه المعاناة ويقر الحاكم بأنه لا تعليم جيد، ولا خدمات صحية جيدة، ولا إسكان جيد، ورغم هذا هناك قصور ومدن ومظاهر ثراء، وأسوار تتوالد ولا تتوقف عن الظهور، على حساب الفقراء التي تؤكد الإحصاءات الرسمية أن عددهم يزداد، وتؤكد المؤشرات القائمة أن أعدادهم ومعاناتهم مؤهلة للتزايد.
جاء حديث الوزير ضمن سلسلة من التعليقات الغريبة والبعيدة عن الرد على اتهامات الممثل ورجل الأعمال محمد علي، رغم أنها صدرت للتعامل معها، ولكنها بدلا من ذلك ركزت على حصر القضية في دائرة الأخلاق والدين من الناحية الشكلية، وعلى أرض الواقع وظفت كل هذا من أجل تجميل القبح وإخفاء الحقيقة، التي تستمر في النمو، وكأن المقولات التي تحاول الإلقاء بالحدث وتفاصيله في مقابر الذاكرة، مجرد مياه ومغذيات تُزيد نمو الأسئلة والتعليقات الساخرة، وتُراكم الغضب وتُضخم كرة الثلج في تربة، تَصوّر عدد كبير، خاصة في السلطة، أنها جفت وقبلت التضحية بالحقوق والحريات في اللحظة والمستقبل. وفي الوقت الذي تحدث علي عن اتهامات يؤيدها الواقع في العديد من المشاريع التي تنفذ بشكل لا يتناسب مع الرشادة المطلوبة والفقر القائم، خرج محافظ القليوبية بدون مناسبة واضحة، غير انعقاد المجلس التنفيذي للمحافظة في اليوم نفسه مؤكدا على أهمية دعم الرئيس «لاستكمال مسيرة التنمية المستدامة، لوضع مصر على الطريق الصحيح»، وربما يحتاج الأمر أيضا أن يعرف المحافظ، ما الذي يقصده بالتنمية المستدامة، وكل ما يتم القيام به عبارة عن قيود في الحاضر والمستقبل، ممثلة في الديون وفوائدها، والقصور التي لا يسكنها الشعب، والأراضي التي يتم التنازل عنها أو تخصيصها لمشروعات تخص الأغنياء، ومظاهر ثراء لا تنطلق من حماية حق الأجيال الحالية والمستقبلية في موارد الدولة، والقيام بمشاريع متجددة قابلة للاستدامة، وليست قروضا متجددة قابلة للزيادة ومعها المعاناة والفقر للأغلبية.
تؤكد تلك النماذج مع غيرها من الوسائل التقليدية المتبعة في المواقف المشابهة، التي تركز على استهداف الشخص وأخلاقه، أو التأكيد على نزاهة غيره، بدون الاقتراب من أصل الاتهامات المعلنة وتفنيدها، أو الاعتراف بها بدون الإقرار بالخطأ، على حجم الأزمة التي يواجهها النظام بكل النبيذ القديم والزجاجات القديمة والجديدة والمؤتمرات المعلبة، بدون ان يستطيع إيقاف كرة الثلج، التي لم تتوقف عند علي، ولكن امتدت إلى المستثمر محمد إبراهيم، وحديث الفساد في محافظة بورسعيد، ومسعد أبو فجر، الكاتب وممثل سيناء في لجنة الخمسين لتعديل الدستور، وحديثه عن فزاعة الحرب على الإرهاب في سيناء، التي جاءت بعد يوم من المؤتمر الوطني الثامن للشباب، الذي عقد في 14 سبتمبر. ومن شأن تضخم كرة الغضب الشعبي ضد السلطة والتأييد لخطابات الكشف عن كيفية إدارة الدولة تضخيم كرة الثلج، ودخول أطراف جديدة في حالة الكشف عن الأسرار، بما يؤدي إلى إحداث تنوع في الاتهامات والمصداقية وأسباب الإعلان، بما يضعف من إمكانية الاعتماد على الأساليب القائمة، ويفرض التعامل بشكل مباشر مع تلك الاتهامات، وهو أمر لا ترغب السلطة في حدوثه.
يتم دعم حديث علي عن القصور الرئاسية والمدن والإنشاءات الجديدة، والأسباب الشخصية وغير الرشيدة التي تقف خلفها، وما تسببه من خسائر للدولة والمواطن، عبر حديث إبراهيم عن فساد تأجير قرية سياحية ببورسعيد بثمن بخس، وأقل مما عرضه، لأن المستثمر المختار مدعوم من المخابرات، مع طرح تساؤلات منطقية عن مسؤولية محافظ بورسعيد، وغياب تفعيل القانون في ظل سيطرة الشخص وغيرها من النقاط المهمة والغائبة عن المحاسبة، ولكن لا يتوقف مسار كرة الثلج عند دعم القصص القائمة بما تحمله من اتهامات عن تخصيص الموارد، حيث مثل دخول أبو فجر نقطة أخرى جوهرية مع تركيزه على ما جاء في حديث الرئيس عن الحرب على الإرهاب في سيناء خلال مؤتمر الشباب. وإن كان الرئيس ركز في المؤتمر على أن خيارات الشعب هي الإرهاب، أو السلطوية بكل ما تحمله من ثنائية القصور والفقر، فإن حديث أبو الفجر أكد على محدودية تأثير آليات السلطة ودورها في في تضخيم كرة المكاشفة القائمة، مؤكدا عبر اتهام علني ومباشر أن معركة الجيش ليست مع الإرهاب، ولكن مع أهل سيناء من أجل تطبيق «صفقة القرن»، وحماية مصالح مالية تخص الرئيس وعائلته، بما يقدم الحرب في سيناء بكل الأثمان البشرية والمادية، بوصفها عملية مقصودة، وهي اتهامات شديدة الخطورة لأنها تستهدف أسس ضرورة بقاء النظام الذي يقدم نفسه بوصفه البديل الوحيد عن الإرهاب، ويقدم الإرهاب والمعركة ضده بوصفها معركة مفتوحة.
المؤتمر الذي أعد بشكل مفاجئ، رغم كل التكلفة التي تتحملها الدولة من أجل الرد على اتهام سوء إدارة الموارد، أكد انعقاده على سوء الإدارة وليس العكس، ولم يخرج عن الوصفة المكررة منذ سنوات بصور مختلفة، فهناك تفويض مفتوح، يتصور معه الرئيس ومن معه، أن الشعب تنازل عن حقه في المحاسبة في اللحظة والمستقبل، وتنازل عن حقه في موارد الدولة، والمفترض كما قال الرئيس منذ سنوات أن يفكر بدون أن يعبر، وأن يعيش مع ثلاجة خالية بدون أن يعترض، وأن يقبل بالمعاناة من أجل المنقذ، ولكن بدلا من حديث المنقذ الفرد، يؤكد الرئيس أن المخاطرة شملت أسرته حتى الأحفاد، ويصبح على الشعب الإعلان عن الوفاء، عبر تفويض ممتد إلى الأحفاد. وإن كانت الدولة الحديثة في نظر الرئيس هي القصور وعدد المدن الجديدة المعلبة، التي تدشن وفقا لخطابه يوتوبيا وبشكل رسمي بوصفها دولة جديدة، وليس مجرد عاصمة، وأن تلك الإنشاءات لا تتناقض مع حالة «فقرا قوي» ولا «مش قادر أديك» ولا خطاب الصبر والحزام من أجل مصر، ولكنها على العكس من ذلك تؤكد وفقا له أن مصر دولة حديثة، فإن تلك الدولة الحديثة المعلبة تفترض تفويضا مفتوحا لأحفاد الرئيس وفقرا مضمونا لأحفاد الشعب.
يعترض الرئيس على أن تكون القصور القائمة من أيام محمد علي باشا باني مصر الحديثة، بما يرتب غيره، تفرض بناء قصور حديثة هي المقصودة بفكرة الاستدامة، وحليفتها الاستدانة على ما يبدو، وبدلا من أن يشاهد فقراء المستقبل قصور محمد علي باشا فقط، يكون لديهم الحق أيضا في مشاهدة قصور فترة السيسي، عبر الشاشات في ظل الأسوار العالية التي تجعل خطاب أن تلك القصور ملك مصر، مجرد بداية لتعليقات كثيرة ساخرة ومطالبات شعبية بقضاء عدة أيام في تلك القصور، أو زيارتها بوصفها ملكية الوطن وحق المواطن. يقدم هذا التصور بدوره طريقة أخرى قد تكون ساخرة لقراءة الواقع، فإن كانت القصور هي قصور محمد علي باشا، والأهرامات هي أهرامات الفراعنة، والسد هو سد ناصر، والحرب هي حرب السادات.. وإن كان المطلوب هو تقديم دولة موازية يمثل فيها السيسي خلاصة كل هؤلاء، يصبح من الطبيعي أن نبدأ بقناة السويس الجديدة التي تحولت من وعود الثراء إلى ترس في عجلة الروح المعنوية، وأن تتحول القصور الجديدة إلى نواة بلد هي يوتوبيا لها نهرها الخاص ومتاحفها وحدودها، ويصبح من الطبيعي أن لا يحاسب النظام على الأحوال في مصر القديمة خارج يوتوبيا، لأنها غير مستهدفة بصناعة صورة البطل العابر للتاريخ والدولة النموذج، إلا في إطار مقارنتها بيوتوبيا الحداثة المخترعة وفقا لتفسيرات رسمية عرفت من قبل محاربة الإرهاب، بأنه حق من حقوق الإنسان قبل أن تركز على تعريف الإنسان وقيمته وحقه في الحياة والقانون والعدالة.
تكشف الأحداث الكثير عن إدارة الدولة، وعلى الأقل تطرح الفكرة للنقاش والتساؤل والسخرية، وتنقل حالة الجهل الصامت التي لا يعرف المواطن فيها كيفية اختيار المشاريع وتحديد الأولويات، ولا يستطيع أن يحدد قيمة ما ينفق على مشروع دون آخر، وطبيعة البنود التي يتم الإنفاق عليها إلى واجهة النقاش بشكل لا تفضله السلطة. وبدلا من تقديم كشف حساب وحقائق تفند الاتهامات، تعترف السلطة وتؤكد للمواطن أنه قد فوض وأنه ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن، لأن الفقر في ظل دولة فيها قصور ومدن معلبة أفضل من عالم يتم استبدال القصور بالبيوت والمصانع والمستشفيات والمدارس، وأن العاصمة الصيفية والدولة الموازية أفضل من تقليص القروض والتركيز على تحسين حياة الإنسان، ومن أجل كل هذا علينا حقا أن ننتظر عقودا مقبلة ليس في انتظار الإصلاح، كما قال خطاب مقرب من السلطة، ولكن في انتظار تربية المواطن العسكري الذي يطيع ولا يناقش ويقبل بأن التفويض ممتد لكل الحقوق والحريات من أجل حداثة هشة تحميها الأسوار.
*كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامح//الاردن:

    *هذا المقاول الشاب(محمد علي)
    عرى (السيسي) وحاشيته الفاسدين والمفسدين من ورقة التوت واصبحوا مسخرة وأضحوكة امام الجميع.

    1. يقول محمد على مصرى وافتخر:

      يا أستاذ سامح
      مع احترامى لكم
      محمد على المقاول الذى يظهر كل يوم سكران ونشر مقاطع فيديوا له وهو يرقص ويغنى فى الملاهى الليلية
      مع فتيات وهو متزوج ولها أولاد فى اسبانيا
      ويقوم بعد استيقاظه من نومه بنشر مقاطع مصورة
      يقول فيها كلام بدون دليل
      هل هو ذالك الذى سوف يكون مدشن الثورة فى مصر
      كما يقول ويقول خلفه بعض المصريين الهاربين من مصر
      لمختلف الأسباب
      هو الشعب المصرى شعب عايش فى الغابة ولا يدرك
      الأحوال حوليه
      الشعب المصرى شعب عريق ويعرف أين مصلحته
      مع تحياتى

  2. يقول احمد - مصر:

    فرج الله قريب .. للخلاص من هذا الدكتاتور السفاح سارق السلطة .. وبفضل الفنان الشاب ، المقاول محمد على ..الذى بعث الأمل من جديد بفضح هذا النظام وإشتعال الثورة من جديد ، ولأنه بصراحة قد فاض الكيل . وشكرا لكاتبة المقال .

    1. يقول محمد على مصرى وافتخر:

      الأخ احمد مصر
      المقاول اللى كل يوم يطلع فى مقاطع مصورة وهو سكران وفى احضان بنات شبه عرايا وبيغنى ويرقص رغم انه متزوج وله بنات وزوجة يشاهدون هذه المسخرة
      هو اللى بعث الأمل لك ?
      اى أمل هذا ؟
      مع تحياتى

  3. يقول S.S.Abdullah:

    من حق المصرية (عبير ياسين) نشرت عنوان (محمد علي ومؤتمر الشباب: كرة الثلج وكرة الغضب) في جريدة القدس العربي لمقالة تناقش فيها عنوان مؤتمر الشباب يوم 15/9/2019 («فقه بناء الدول.. رؤية فقهية»، قال وزير الأوقاف المصري «رجل فقير في دولة غنية خير من رجل غني في دولة فقيرة ضعيفة»)، ومن حقي أن أنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى،

    الرئيس عبدالفتاح السيسي، بسبب خلفية دراسته ووظيفته في المخابرات، ضد الشفافية، وضد اللا مركزية، ومع التسلسل الهرمي الفرعوني، وإضافها بشكل واضح في الدستور الجديد، بدل دستور الرئيس محمد مرسي.

    الآن الشعب الذي وافق على ذلك، هل يحق له الاعتراض؟!

    الفنان/المقاول/رجل الأعمال (محمد علي)، لم يعترض إلا بعد أن تم التجاوز على حقوقه، بعد ما قام به من خدمات تنفيذ مقاولات، الرئاسة المصرية، في تنفيذ قصور فراعنة (نخب آل البيت).

    السؤال لماذا يحق لرب الدولة تأميم/سرقة حقوق وأملاك الإنسان والأسرة والشركة المُنتجة للمُنتجات الإنسانية في دولة الحداثة؟!

    العولمة والإقتصاد الإليكتروني/الرقمي عرّت عيوب النظام البيروقراطي، في مفهوم القدوة (السوبرمان) لكل موظف طالما هو في وظيفته رغم الفساد/الرشوة/التقصير في توفير أبسط الخدمات بجودة غير مغشوشة.??
    ??????

  4. يقول Adam:

    الى “محمد على مصرى وافتخر ” صحيح ورد فى الأثر قول بليغ وحكمة سديدة برهن علي صحتها الزمن وهو ” اللى اختشوا ماتوا”. ونحن نتوجه لله بالشكر والحمد إنك مازلت حيا ترزق وندعوا لك بمزيد من طول الأمد. مع عظيم تحياتى.

اشترك في قائمتنا البريدية