محمد غنيمي هلال: رائد الأدب المقارن

حجم الخط
2

قرأت عديد الدراسات التي كان ينشرها عبد المطلب صالح، في الجرائد والمجلات في ميدان الأدب المقارن، إذ درس عبد المطلب هذا العلم في السوربون الفرنسي، أثناء السنوات 1953 وحتى سنة 1959، على يد أستاذه رونييه إيتامبل ألذي يشيد بعلمه وعلميته كثيراً، وخصه بأكثر من دراسة، حتى ساورني رأي مفاده أن عبد المطلب صالح « الذي كتب رسالة الدكتوراه ولم يناقشها لأسباب خاصة» كما نص على ذلك الباحث الأديب الدكتور جليل كمال الدين (توفي 2008) حسب مقالته مع «الكتب الجديدة.. دراسات أدبية مقارنة» المنشورة في جريدة «الثورة» التي كان يشرف عليها الشاعر جواد الحطاب، يوم التاسع من أيلول/سبتمبر 1994- والأمر ينسحب على الفيلسوف العراقي مدني صالح، الذي كتب بحث الدكتوراه في جامعة كامبريدج، ولم يناقشها لأن أستاذه المشرف المستشرق آربري، طلب منه أمورا ما ارتضاها المدني الصالح الشامخ بعلمه.
خامرني رأي مفاده أن ريادة دراسة هذا اللون من ألوان البحث، تسجل لعبد المطلب صالح، الذي التقيت به مرة واحدة ربيع سنة 1989، كنت قد تسرحت توا من الخدمة العسكرية، بسبب انتهاء الحرب، وأحلت نفسي إلى التقاعد من وظيفة النفط المدنية، التقيت به في مبنى جريدة «العراق» التي أعلنت حاجتها إلى مصححين لغويين، فقبلنا عبد المطلب وأنا، خامرني هذا الرأي حتى طالعت مقالته؛ دراسته الضافية عن محمد غنيمي هلال في كتابه المفيد والغزير العلم والدقة «مباحث في الأدب المقارن» الذي أصدرت طبعته الأولى دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد سنة 1987، عنوان المقال (علم منسي من أعلام الأدب المقارن.. د. محمد غنيمي هلال» الذي جاء فيه «هو محمد غنيمي هلال الذي تخرج في السوربون عام 1952، بعد حصوله على الليسانس منها ثم على شهادة دكتوراه دولة في الأدب المقارن» وأشاد بعلمه وإخلاصه في الدراسة والبحث، مستشهداً بمقولة لزكي مبارك ( ت 1952) «رجال العلم صنفان: رجل يفخر بشهادته، وآخر تفخر شهادته به» ذاكراً عديد كتبه ومنها كتابه الرائد «الأدب المقارن» فتأكدت عندي ريادة محمد غنيمي هلال لهذا اللون من ألوان الكتابة الأدبية ولقد نهج، أو نهج كلاهما؛ هلال وعبد المطلب، نهج المدرسة الفرنسية التي تؤكد الخصائص القومية والوطنية، لكل أدب من آداب الأمم المختلفة، مع تبيان التأثيرات المتبادلة في ما بينهما، وإثبات صلة التأثر والتأثير، على عكس المدرسة الأمريكية، ومن شوامخها الناقد رينييه ويلك جيكي الأصل، التي تخلط بين الأدب المقارن والأدب العام، ولا تولي اهتماماً بتبيان التأثيرات والمؤثرات المتبادلة.
وقد ظلت السيرة الحياتية، فضلا عن السيرة الأكاديمية جد شحيحة لكليهما، حتى أننا لا نعرف سنة وفاة عبد المطلب صالح؛ وهو الباحث الجامعي المعروف، والأمر ينسحب على محمد غنيمي هلال، الذي عاد من السوربون سنة 1952، حاصلاً على الدكتوراه، ليعين أستاذا للنقد والأدب المقارن في كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر سنة 1964، فناوأه بعض الحساد والفاشلين، متهمين إياه بأنه غربي الهوى والتوجه! وهي التهمة التي عاناها المفكر الناقد لويس عوض، ونجيب البهبيتي، فأقصوه من الكلية، فمات هلال هماً وغماً وكمداً.
هذه المعلومات الشحيحة عن هلال، دفعت علي جواد الطاهر (ت 1996) للبحث عن سنة وفاته، إذ نمت إليه يوم كان الطاهر يدرّس في جامعة الرياض، منتصف عقد الستين من القرن العشرين، نمت إليه نهاية هلال على نحو مؤسف، مؤلم، مأساوي لا يشرف واقعنا، وإن الذي كان وراء هذه النهاية المأساوية، هو طه حسين (ت 1973) وأقول ولعله أسهم فيها إن لم يكن هو السبب – ولطه حسين صولات وجولات في هذا الشأن، ومنها مع نجيب البهبيتي- إذ أنكر طه حسين عليه معرفته اللغة الفرنسية! مع أنه كان قد فَقِه الفرنسية والإنكليزية والإسبانية والفارسية، كما استكثر عليه أن يشغل كرسي الأدب المقارن في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة! ولأن الطاهر من الذين يجلّون طه حسين وينزلونه منزلة سامية، فهو لا يريد أن يصدق أن مثل هذا التصرف الجافي القاسي يصدر عنه، قائلا: لا، لا يا أبا مؤنس.
وكما ذكرت آنفا عن شح المعلومات عن الأستاذين الفاضلين؛ هلال وعبد المطلب، فإن الطاهر يظل يبحث عن سنة وفاة هلال، ويستعين بالذاكرة فلا تكاد تسعفه، ويسأل دار النشر التي نشرت كتب هلال، ولا يرد منها جواب، ويعود إلى معجم (الأعلام) لخير الدين الزركلي من غير طائل، حتى يعثر مصادفة على كتاب «ملامح الأدب العربي الحديث» لأنطوان غطاس كرم، الذي أصدرته دار النهار للنشر في بيروت سنة 1980، ليعثر على سنة وفاة محمد غنيمي هلال؛ العلم البارز في دراسة الأدب المقارن على ضوء منهج المدرسة الفرنسية، التي تهتم بالمؤثرات المتبادلة بين آداب الأمم؛ لقد توفي سنة 1968، عن اثنتين وخمسين سنة وهكذا نظل نبخس كفاءاتنا أشياءها، إن لم نضع العراقيل في طريقها، وهذا ما فعله الحساد الشانؤون الفاشلون – ولربما ساهم في ذلك طه حسين – بالرائد محمد غنيمي هلال – يراجع كتاب (استاذتي. ومقالات أخرى) للطاهر ـ دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد. الطبعة الأولى 1987. مقالته (البحث عن وفاة الدكتور محمد غنيمي هلال).
وإذ عثر الطاهر على سنة وفاة هلال، فإنني لم أعثر على سنة ولادة عبد المطلب أو وفاته، ترى أيتحمل الأستاذ مسؤولية ذلك؟ إذ لم يدون أي نبذة مهما كانت مختصرة عن حياته في كتبه المنشورة كلها، وقد رجعت إليها من غير طائل!

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عبد الله العقبة:

    صدقت طه حسين معروف عنه محاربته للكفاآت العلمية المصرية التي تحظى بمكانة معرفية خشية من أن تنافسه على ( مكانته ).خاصة بعدما اصبح وزيرا للمعارف، إذ استغل منصبه ليوقع بعدد من أصحاب الأسماء الكبيرة ويبعدهم عن مناصبهم في الجامعات..ويرفض تعينهم ما يدفعهم للعمل في مهن أخرى..حارب زكي مبارك كما حارب غنيم.

  2. يقول حسين جبار ابراهيم:

    مقال مفيد وفي غاية الروعة. اما مسألة السلوك القاسي لدى طه حسين فهو امر يكاد يكون طبيعيا لدى العباقرة والمتفوقين في مجالاتهم. وقد لاحظت ذلك عند قراءتي لسير بعض كبار الفنانين من رسامين وموسيقيين، والادباء وحتى الفلاسفة الذين ينبغي ان لا تحرك الاحداث مهما كانت جسيمة شعرة واحدة في رؤوسهم.. نستمتع بمقالاتك الغنية استاذنا الاديب والناقد العراقي الكبير شكيب كاظم.

اشترك في قائمتنا البريدية