مخابز أغلقت وأخرى دمرها القصف… أفران الطين للحصول على الرغيف في غزة المنكوبة

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: العودة إلى الأفران التقليدية بديل لأفران الغاز والكهرباء، استراتيجية بديلة اعتمدتها الحاجة أم جميل، بعد انعدام الكهرباء والغاز بسبب القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، لتتكيف مع الأوضاع الصعبة من أجل الحصول على رغيف عيش في حالة انعدم فيها كل شيء حتى الطحين والأخشاب.
وعلى فرن الطين، تخبز أم جميل في مدينة خانيونس لأبنائها وللجيران، ولأن الحطب بات شحيحا كالغاز، ترسل هذه المرأة صغار الحي طوال النهار للبحث في الشوارع والمدارس والدكاكين، كي يجمعوا لها أوراق الشجر والورق على أنواعه بما فيه الورق المقوى، لتشعل بها فرن الطين البدائي من الصباح الباكر وحتى مغيب الشمس يوميا.
وتقول لـ«القدس العربي»: «أجلس أمام الفرن أكثر من عشر ساعات كاملة، أقوم بطهي الخبز لكل أهالي المنطقة التي تراها وهي منطقة المشروع، وكذلك للناس النازحين دون أي كلل ولا ملل وبلا أي مقابل مادي تضامنا مني معهم في مثل هذه الظروف الصعبة التي نعيشها».
الجارة أم أحمد، قالت إن الكبار يقدرون على تدبير أحوالهم، بينما الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة، فيحتاجون إلى رغيف الخبز. وأوضحت أنها اضطرت لإشعال فرن الطين، خاصتها بعد أن استفحلت أزمة الوقود في القطاع.
وفتحت أم أحمد باب مخبزها للجميع، نظرا لكونه، ورغم اتسامه بالبدائية، لا يتوفر بكل البيوت، فقررت أن تخبز يوما لأهل بيتها وتتركه يوما آخر لغيرها. فالجيران والنازحون والفارون ومن يمر من هنا ترحب بهم ليخبزوا لأنفسهم وصغارهم، وما عليهم إلا تدبير الورق والطحين.
وتقول لـ«القدس العربي»: «أنشأت هذا الفرن منذ خمس سنوات، والآن هو المتنفس الوحيد لنا من أزمة المخابز والخبز، وفي هذا الوضع الصعب لا يقدر هذا الفرن بثمن «.
وتضيف: «لجأ الكثير من المواطنين إلى الفرن لطهي الطعام، وأيضا لإنتاج الخبز، بسبب إغلاق بعض المخابز والتي تعمل بالغاز، فيما تسبب القصف الإسرائيلي في دمار البعض الآخر، أما المخبز الذي مازال يعمل فيشهد طوابير بالمئات، يمتد طولها بطول النهار، ومع دخول الليل ينفد الطحين من المخبز وينفض الواقفون من حوله».
وتقول ريم الكرد 37 عاما التي جاءت لإنتاج الخبز لعائلتها: «الطحين كان متوفرا لكن وبسبب انعدامه فقد أغلق ما تبقى من الأفران التي كانت تعمل بشكل تقليدي. فاعتمد بعض الناس على مجهوداتهم الذاتية».
وبينت لـ«القدس العربي» أن «الأخشاب البسيطة والكرتون وغيرها، وكل ما يمكن أن يضرم به النار داخل هذه الأفران التقليدية، صار هدفا للباحثين عن رغيف الخبز في هذه الاوضاع الاستثنائية».
وزادت: «يتم الحصول على الاخشاب البسيطة والأوراق وتجميعها من الشوارع والأزقة في رحلة بحث شاقة من أجل رغيفات خبز تسد رمق هؤلاء النازحين».
محمود سمور النازح من مدينة غزة إلى خانيونس تبنى الفكرة ذاتها بخبز «الفراشيح» على الصاج، لمساعدة أهله في توفير الخبز وإطعام صغارهم، ومساعدة أهله بهذا المشروع.
وهو «مكره أخاك لا بطل»، فالمشهد في مدينته غزة لا يتصوره أعتى مخرجي هوليوود، ففي النهار ترى منازل تمت تسويتها بالأرض، وأبراجا استحالت تلالا من الركام، وأعمدة دخان تتقاطع مع ذيول أدخنة الصواريخ والقذائف، وخلفية صوتية مصاحبة من القصف المكثف والمتواصل، أما في الليل فلا ترى كفي يديك، إلا في أوقات إطلاق الاحتلال الصواريخ الفسفورية، غير ذلك لا شيء يرى إلا ظلام دامس يزيد وحشة غزة والعالقين بها.
ويؤكد لـ«القدس العربي» أن الكثيرين في قطاع غزة يعانون من الوصول إلى الخبز خلال يومهم ويمتد بهم البحث، ومحاولة معالجة الأزمات المعيشية أيضا في كل يوم. لكن إسرائيل ما تزال ترسل صواريخها ليل نهار ما يربك أي محاولات للتكيف من قبل الأهالي في غزة مع هكذا ظروف.
أما عامر الفرا، فيوضح أن «الغاز والسولار والبنزين والكهرباء هم وقود كل آلة عرفها البشر تقريبا، لذا كان قطعهم عن غزة بمثابة حكم على أهاليها بالنفي إلى الماضي، فالكارو حلت محل السيارة، والدراجة الهوائية حلت محل البخارية، والنار حلت محل الأفران والمصابيح».
وعن رأيه في عودة الحياة البدائية في غزة بسبب الحرب شدد من مدينة خانيونس لـ«القدس العربي»: «حتى وإن عادت غزة للكارو والخيمة وفرن الطين، حتى وإن عاد أهلها للمقايضة بدلا من الشراء والبيع، حتى ولو عكسوا عقارب الساعة بها وقصفوها بسلاح يوم الساعة، حتى وإن أمطروها بالقذائف والقنابل وقلبوا ليلها نهارا ونهارها ليلا، لن يقدروا أبدا على تصفيتها ومحو هويتها واحتلال أرضها».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية