مستقبل العراق في ظل التغير المقبل في إيران

4 - أغسطس - 2020

لا شك في أن تزامن وصول مصطفى الكاظمي لهرم السلطة في هذه المرحلة المليئة بالتعقيدات الإقليمية والدولية، مع الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، واحتدام صراع المجابهة بين طهران وواشنطن، غداة مقتل قاسم سليماني، راعي مخطط نفوذ طهران الإقليمي في العراق، وما تشهده إيران في هذه الفترة من انفجارات وتدمير لعدة منشآت ومواقع عسكرية أساسية، تدخل ضمن مشروع برنامجها النووي والصاروخي، يدفعنا لمعرفة طبيعة الأسباب التي هيأت، ودفعت لاختيار مصطفى الكاظمي لرئاسة الوزراء، ومن ثم فهم الإشكالية الناتجة من ازدواجية افعاله وأقواله، في ما يتعلق بحرصه على علاقة العراق المستقبلية مع إيران، وسعيه في الوقت نفسه لإنهاء دور الميليشيات التابعة لها.
لا شك في أن لتطور الصراع بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، ووصوله لهذا المستوى الخطير، الأثر الكبير في وضوح رؤية المشهد العراقي، في ما يتعلق بمصير هذا البلد العريق بشعبه وتاريخه وهويته، الذي لم يتأثر ولم يندثر على الرغم من حجم التأثير المذهبي، الذي فُرض على المجتمع العراقي، مستغلا غياب الدولة، التي اسقطها الأمريكيون وسرقها الإيرانيون وعملاؤهم، من خلال شبكات علي خامنئي وحسن نصر الله وعملائهم في العراق.

نهاية المشروع القومي الإيراني لا يعني خروج العراق من محنته.. والحفاظ على وحدته هو تحدي القوى الوطنية المقبل

في المقابل يبدو واضحا أن طبيعة المساحة الفعلية التي يتمتع بها رئيس الوزراء الجديد، أكثر وضوحا وقربا من الأهداف الأمريكية، الرافضة لاستيلاء إيران على العراق، مقارنة بالنوايا والإملاءات التي نفذها عادل عبد المهدي، ومن جاء قبله. حيث يعتقد الكثير من المحللين في الشأن الإقليمي، أن زيارة مصطفى الكاظمي الأخيرة لإيران تدخل ضمن نطاق ملف الخلاف الأمريكي ـ الإيراني، على الرغم من الإصرار على إعطائها صبغة رسمية عراقية. فعلى الرغم من حالة الإفلاس التي تعاني منها الدولة، نتيجة للفساد وسيطرة الأحزاب وميليشياتها على العديد من المصادر الاقتصادية، يرى العديد من الدراسات الدولية، احتمال مرور العراق في حالة من الفوضى، نتيجة لخروج الميليشيات من دائرة سيطرة سلطة الدولة، وانتقالها إلى دائرة سلطة المرجعيات المذهبية، وهذا يعني احتمال رفض أي تغيير في شكل الدولة ونظامها السياسي، الذي فرضه جورج بوش الابن وأيده نوري المالكي، من خلال عبارته الخطيرة «بعد ما ننطيها»، وهذا ما سيشجع الكرد والعرب السنة على المضي في مشروع التقسيم وانهيار البلاد. في المقابل، وباختلاف رأي الشارع العراقي في نظرته للمستقبل، يتفق أغلبية المحللين في معاهد الدراسات الدولية، على أن انهيار العراق ليس سوى مسألة وقت، استناداً إلى مجموعة من العوامل والمعطيات التي تعزز هذا التوجه، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية أو حتى اجتماعية.
قد يختلف العراقيون حول الاحتمالات والفرضيات التي ستؤدي إلى انهيار، أو بقاء العراق، فما بين التفاؤل في أن لا خوف من المستقبل بوجود مصطفى الكاظمي، ومن يقرأ ويرى ما بين سطور الأحداث ويتساءل.. ما الذي باستطاعته أن يغير، إذا بقي هذا النظام الذي تديره هذه الأحزاب ولم يتغير؟ ولكن قد يتفق المعنيون بالشأن العراقي على أن عجز الحكومة عن تأمين ميزانيتها، في ظل غياب الأمن واستمرار الاغتيالات في بغـداد، هو نتيجة طبيعية لغياب الدولة، وسيطرة الأحزاب الطائفية وميليشياتها على مؤسسات العراق الاقتصادية والأمنية. وهنا تكمن إشكالية مصطفى الكاظمي في سعيه لإرجاع سيطرة الدولة من الأحزاب التي كان لها الدور الكبير في اختياره رئيسا للوزراء. ثمة من يرى أن سعي مصطفى الكاظمي لاستعادة مؤسسات الدولة من هيمنة الأحزاب ليس له معنى، لأن النظام العراقي قائم على نظام برلماني تمثله هذه الأحزاب الفاسدة. يبقى السؤال، ممن يستمد الكاظمي اذن قوته لمحاربة من جاء به للسلطة؟ وثمة من يرى، ان مصطفى الكاظمي يثق بالدعم الأمريكي لتغيير النظام السياسي في العراق، من خلال مشروع أمريكي بطموحات شخصية، يضمن له الوصول إلى زعامة نظام رئاسي لمستقبل العراق في ظل التغير المقبل في إيران، في الوقت الذي لا يزال استمرار نفوذ الميليشيات وتجاوزها الواضح على نفوذ مؤسسات الحكومة العراقية، على الرغم من قرب نهاية النظام الثيوقراطي، نتيجة للصعوبات الاقتصادية والعسكرية، فضلا عن النفوذ الخطير لتلك القوى على المؤسسة العسكرية، من خلال الضباط الذين أدخلوا للمؤسسات في إطار عملية دمج الميليشيات في أغلب المراكز القيادية الحساسة في الأجهزة الأمنية، بحيث أصبح من الصعوبة بعد أكثر من سبعة عشر عاما من الولاء للمشروع الإيراني، ضمان ولائهم للعراق، حتى بعد غياب لدعم إيراني قد تفرضه المرحلة المقبلة.
لا شك في أن ضعف القدرة الفعلية لرئيس الوزراء الجديد في تغيير المعادلة السياسية، التي يعيشها العراقيون، هو نتيجة لسيطرة الأحزاب الطائفية على المشهد السياسي العراقي، سواء من خلال عملية التزوير التي أوصلتهم لقبة البرلمان، أو نتيجة لفرض الأمر الواقع بالقوة والسلاح، عن طريق الميليشيات المسلحة. لقد ترجمت جرائم القتل والخطف الخطيرة ضد شباب انتفاضة تشرين، وعجز حكومة الكاظمي في حفظ الأمن وحصر السلاح بيد الدولة، عن مدى خطورة المشهد السياسي المقبل، نتيجة لتعدد مراكز القرار الأمني والاقتصادي وتحول العراق إلى مناطق وأقاليم محمية من الميليشيات والمجاميع العسكرية، التي بدورها لا تخضع لسيطرة المركز نتيجة لغياب الدولة وانحلالها وفقدانها للسيطرة على زمام الأمور، بعد اتساع الفجوة بين المكونات والأطياف العراقية طيلة سبعة عشر عاما، من عمر نظام المحاصصة الذي تم عن طريقة وضع حجر الأساس لمشروع تقسيم العراق بين المكونات الثلاث، والذي قد يتحول في النهاية إلى أداة لتقطيع البلاد، إذا أخذنا بعين الاهتمام الاستقلالية الاقتصادية والعسكرية التي تتمتع بها الميليشيات وقوات البيشمركة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة العراقية.
من هنا يبدو واضحا أن الفترة التي يعيشها العراق في ظل النظام السياسي الحالي، وفي خضم سياقات الصراع الأمريكي ـ الإيراني من جهة، وصراع الأحزاب الهادف إلى الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي توفرها ثروات العراق الهائلة، ويضمنها التقسيم الطائفي من خلال حدود الطائفة والشرعية المزيفة لحكم البلد، الذي يتباكى عليه البعض بدموع التماسيح، للرجوع إلى فترة الصراعات القبلية التي قد تؤدي لا محالة لانهيار البلاد وتقسيم المجتمع العراقي العابر للقوميات والأديان. لا شك في أن ما يحدث في إيران هو بداية تحول كبير ليس للإيرانيين فحسب، وإنما للشعب العراقي ونظامه السياسي، الذي سيتأثر لا محالة بما يحصل سلبا أو إيجابا. إن نهاية المشروع القومي الإيراني لا يعني خروج العراق من محنته. بناء العراق الجديد والحفاظ على وحدته هو تحدي القوى الوطنية المقبل.
كاتب عراقي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الكروي داود النرويج

    ” بناء العراق الجديد والحفاظ على وحدته هو تحدي القوى الوطنية المقبل.”
    أين هي القوى الوطنية وما تأثيرها؟ هل هي موجودة بالبرلمان؟ ولا حول ولا قوة الا بالله


    • أحمد طراونة - لندن.

      مسموعات السيد الكاظمي تشير الى هذا الانتماء؛ نتمنى لة التوفيق. العراق و مصر؛ ركنين أساسيين لنهضة العرب؛ بغيابهما لن يقوم للعرب قائمة…


  • أحمد طراونة - لندن.

    يأخي عجيب أمر إيران… ألا يمكن إقامة علاقات مع بلدٍ ما دون أن يكون لك مليشيات داخل هذا البلد…؟ يبدو أن هذا ما سعى لة الربع منذ أيام ثورة الخميني ببدايتها لا بل قبل بداياتها…كان العراق منطقة نفوذ فارسية رغم شعبة العربي ولا بد أن يبقى كذلك مشان عيون الملالي ذوى الاحلام السابورية الكسروية الكورشية..


إشترك في قائمتنا البريدية