مظفر النواب: شاعر التحريض والثورةِ والحرية

ذهب الذين نحبهم، ودائما يذهب الذين نحبهم، وما أقسى أن يذهب الذين نحبهم، وها هو واحد من أكثر الذين نحبهم يذهب أيضا، نعم لقد ذهب مظفر النواب، ولم يكن يوم رحيله في العشرين من الشهر الجاري وتشييعه في بغداد في اليوم التالي يوما اعتياديا أبدا، فقد بكت عليه القلوب والشوارع والعصافير، وشيعه الناس والرافدان وشط العرب، وَرَثَتْه العيون بدموعها والحناجر بنحيبها والقصائد بكلماتها، وبغداد التي احتضنت أشعاره وهو بعيد عنها، شيعت رفاته وهو في قلبها في تشييع مهيب يستحقه، بغداد التي قال لها:
«بقيتُ أُقلبُ أَيامي
بغدادُ…على رِقةِ أقدامِكِ
تَزهو جنةُ أَحلامي»
بغداد التي يعرفها ويعشقها، وولد وعاش وترعرع فيها، ودرس في مدارسها وجامعتها، ترى ماذا يقول لها وقد وصلها محمولا على آلة حدباء، إنه يقول:
«أَقولُ: صباحُ الخيرِ لقدْ طلعَ الفجرُ
وبغدادُ تقومُ الآنَ مِنَ الحُلْمِ دونِ ثيابٍ
تمسحُ بالطل وزرقةِ قَبْلَ الفجرِ مفاتنَها
تدخلُ عندَ اللهِ
وتخرجُ بالشمسِ
وبالشايِ البصري الموجَعِ بالنعناعِ»
وودع العراق، بعد ان كان يرسل سلامه لأهله الكرام:
«يا حاملَ وحيِ الغسقِ الغامضِ في الشرقِ
على ظُلمةِ أيامي
احملْ لبلادي
حينَ ينامُ الناسُ سَلامي»
ولا بد أن مظفر النواب قد ودع القدس التي هي (عروس عروبتنا) و(قبتها أم القباب) والتي مكانها القلب والعين، ودافع عنها شعرا، فقد رضع حب القدس:
«لقد أُرضِعتُ حب القدسِ وائتلقَتْ
منائرُها بقلبي قبلَ أَنْ تبكي التي قدْ
أَرضعِتْني وهيَ تحكي كيفَ يَنتزعُ
الترابَ الرب مِنْ شعبٍ ويَحتملُ»
وأخيرا أصبح مظفر النواب جارا لإمام المتقين وأمير البلغاء علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) فقد دُفن في مقبرة النجف الأشرف، وهي المقبرة التي سبق أن دُفن فيها والداه وسلم عليهما قائلا:
«سلامٌ على والدي
ينامانِ في رحمةِ اللهِ ممزوجةً بترابِ عَلِي»
وتراب علي هو ذلك التراب الذي يقال عنه: «وبعضُ الترابِ سماءٌ تضيءُ العقولْ».
نعم أصبح جارا للإمام الذي قال عنه:
«ماذا يقدحُ في أُفقِ الغيبِ
أسيفُ عليٍ؟
قتلتْنا الردةُ يا مولايَ
كما قتلَتْكَ بجرحٍ في الغُرةْ»
ذهب مظفر النواب، المحب الكبير، ذو الروح العربية:
«يا حاملَ مشكاةِ الغيظِ بظُلمةِ عينَيْكَ
ترنمْ مِنْ لغةِ القرآنِ
فروحي عربيةْ»
ذهب المُحرض، الذي كان يقول: «أَما جمرةٌ تحتَ هذا الرمادِ؟» و»وا قِلتاهُ، أَما مِنْ أَخو أُختِهِ؟» «هلْ عربٌ أنتمْ؟ هلْ عربٌ أَنتمْ؟ هلْ عربٌ أَنتمْ؟».
سلام على مظفر النواب كلما أشرقت شمس وتلألأت نجوم وأزهرت أشجار، سلام عليه من كل قلب وكل دار.
كتبه الشعرية
صدرت لمظفر النواب مجموعتان شعريتان شعبيتان فقط هما:
1. «للريل وحمد» دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1969، وأعادت دار المدى، دمشق، طبع هذه المجموعة عام 2008، وقد أجرى مظفر النواب بعض التغييرات على قصائد الطبعة السابقة.
2 . «حَجام البُريِس» قصيدة شعبية طويلة، دار ابن سينا، 1971.
3. المجموعتان الشعريتان الشعبيتان منشورتان على الإنترنت ويمكن تحميلهما.
وصدرت له مجموعتان شعريتان باللغة الفصحى هما:
1 . «وتريات ليلية».
2 . «المساورة أمام الباب الثاني».
وهنا نشير إلى أن النواب سافر إلى فرنسا بهدف الدراسة في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وسجل رسالة لنيل شهادة الماجستير من جامعة فانسان تدور حول موضوع القوى الخفية (الباراسايكولوجي) لدى الأستاذ فرانسوا شاتيليه، لكنه لم يتمكن من إكمال دراسته بسبب ظروفه، وتمكن خلال فترة إقامته في فرنسا أن يطبع مجموعتين شعريتين له هما: «وتريات ليلية» و»المساورة أمام الباب الثاني» وهما باللغة الفصحى.
ومن المهم هنا الإشارة إلى ما جاء في كتاب «مظفر النواب، الظاهرة الاستثنائية) لكاظم غيلان، الذي صدرت طبعته الثانية عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع عام 2015، فقد سأل مؤلف الكتاب كاظم غيلان في حوار له مع مظفر النواب السؤال التالي: «أرى في سوق الكتاب العراقي إصدارات عديدة من أشعارك، وأشك في مصادرها الطباعية» فأجاب مظفر النواب قائـلاً: «ليس لي في المطبوع الشعري سوى (للريل وحمد) و(حجام البُريس) بالعامية، وفي الفصحى (وتريات ليلية) و(المساورة أمام الباب الثاني) أما ما تبقى فهي إصدارات مشوهة ومن غير استئذاني ولا حتى الأخذ برأيي».
وفي رسالة ماجستير جاءت تحت عنوان (مظفر النواب، التلقي النقدي واختلاف الطبعات، دراسة نقدية تكوينية، مؤيد عبدالرؤوف محمود عودة، بإشراف عادل الأسطة، جامعة النجاح، نابلس، فلسطين، 2016) جاء ذكر المجموعات الشعرية الأربع التي صدرت في فلسطين، وهي:
ـ «وتريات ليلية» الحركة الأولى والثانية، مطبعة الديار 1975، وأُعيد طبعها: دار صلاح الدين ـ القدس 1977.
ـ «أربع قصائد» منشورات دار العامل 1987.
ـ «سفينة الحزن» منشورات الفنار ـ عكا 1982.
ـ «عرس الانتفاضة» ـ مؤسسة حطين للثقافة والإعلام 1989.

الأعمال الشعرية الكاملة

فوجئ الوسط الثقافي في عام 1996م بانتشار كتاب جاء تحت عنوان (الأعمال الشعرية الكاملة لمظفر النواب، الشاعر العربي المناضل مظفر النواب، دار قنبر، لندن، 1996) وهي أول نسخة من الأعمال الكاملة لمظفر النواب، وتبين أن هذه الدار لا وجود لها (وهمية) ، وقال مظفر النواب في حوار صحافي أُجري معه عام 2002، رداً على سؤال يتعلَق بأسباب عدم جمع قصائده في مجموعات مطبوعة: «يوجد حاليا في مكتبات القاهرة وكندا وأمريكا وغيرها، ما يُسمى بالمجموعة الكاملة لمظفر النواب، وليس لي أي صلة بطبع هذا الكتاب لأنَه صادر عن دار نشر وهمية، لم أجد لها أي أثر، ويُباع بثمن غال جداً، ووجدته هنا أيضاً في مكتبات لندن، والكتاب سيئ لكونه مليئاً بالأخطاء اللغويَة فضلاً عن طباعته الرديئة» وتحدث مظفر النواب عن وجود إعلان بصدد الأعمال الشعرية المسجلة، فيقول: «أيضا هناك صحيفة تصدر في شيكاغو نشرت إعلاناً تزعم فيه أن من يريد الأعمال الشعرية المسجلة لمظفر النواب أو محمود درويش، فعليه أن يدفع (57) دولاراً للحصول عليها، ودون أن أعرف كيف حصلوا على هذا التخويل» والحوار الصحافي هذا، أجراه في لندن: كرم نعمة، تحت عنوان: مظفر النواب الهادر، ونُشر في موقع إيلاف على الإنترنت في 21 آذار/مارس 2002، وأعادت نشره جريدة «الزمان» في 21/5/2022.
ويبدو على نحوٍ جلي أن بعض دور النشر وبعض المكتبات قد استولت دون وجه حق على حقوق نشر الأعمال الشعرية لمظفر النواب، من غير أن تتحمل مسؤولية إخراج تلك الأعمال للقراء خالية مما يُشينها، فيما استولت من جهة أخرى بعض مكاتب التسجيل الصوتي والمرئي على حقوق نشر التسجيلات الصوتية والتلفزيونية لمظفر النواب، دون وجه حق أيضاً. ومن جانب آخر، يقول مظفر النواب في الحوار الصحافي ذاته الذي أشرنا إليه: «غالباً ما أُسأل عن عدم طبع مجاميعي الشعرية، والسبب ببساطة إنني كلما بدأت بإعادة كتابة قصائدي القديمة كوني أكتب بخط ناعم جداً، لا استمر في ذلك، بل أشرع بكتابة قصيدة جديدة، وهكذا» ويعد مظفر النواب أن هذا هو السبب الرئيس لعدم جمع قصائده في مجموعات شعرية مطبوعة، ثم يقول: «أما الأسباب الثانوية، فهي ما يتعلق بدور النشر التي لا تحترم شيئاً، عندما تَعِدُ بطبع ألف نسخة من كتاب، فيما تقوم بطبع أضعاف هذا الرقم، وهذا ما حدث معي بالفعل».
وبعد صدور ما سُمي بالأعمال الكاملة لمظفر النواب التي صدرت عن دار قنبر (الوهمية) أحصيت صدور (18) كتابا يحمل عنوان (الأعمال الشعرية الكاملة لمظفر النواب) عن دور نشر مختلفة، منها ما ذُكر على غلافه اسم دار النشر، ومنها ما لم يُذكر، وكلها تشترك في كونها ليست فعلا (الأعمال الكاملة) فهي لا تضم جميع القصائد، وفي كونها مليئة بالأغلاط النحوية والإملائية والعروضية، وقد صدرت جميعها دون استحصال موافقة النواب، ولا يكاد يمر عام دون أن تصدر (أعمال شعرية كاملة لمظفر النواب) وقد صدرت تلك الأعمال في عواصم ومدن مختلفة في الشرق والغرب، مثل: بغداد، دمشق، بيروت، القاهرة، نابلس، وأثينا، وغيرها.

الشعر النوابي

يتكون شعر مظفر النواب من الروافد الآتية:
1 . الشعر الشعبي: وقد صدرت منه المجموعتان اللتان أشرنا إليهما فقط، أما ما عداهما فلم يُنشر في مجموعة شعرية، وهو كثير.
2 . الشعر الفصيح: وقد صدرت منه مجموعتان جرى طبعهما في باريس، فضلا عن المجموعات الأربع التي صدرت في فلسطين. وهذا ما سبق أن أشرنا إليه، وضمت ما سُميت بالأعمال الشعرية الكاملة ما مجموعه (48) قصيدة فقط، من بينها (6) قصائد عمودية، أما البقية فهي من شعر التفعيلة، أما العدد الحقيقي لقصائد النواب فيبلغ أكثر من (150) قصيدة فصحى.
والحاجة ماسة إلى جمع شعر مظفر النواب بنوعيه الشعبي والفصيح، وهذا جزء من الوفاء له ولشاعريته الفذة، ليكون معينا للشعراء والنقاد والباحثين والأكاديميين.
3 . قصيدة النثر: لمظفر النواب قصيدة نثر واحدة، عنوانه ا(الخيانة) ومما جاء فيها:
«قريبٌ موعدُ الطوفانِ
وما أَرضُنا إلا عش تَخَبأَ بشكلٍ جميلٍ
في شجرةِ الكونِ تلكَ
نهاجرُ منْ عشنا إليْهِ
نرجعُ منْهُ إليْهِ
إنما امتلأَ العش بأَوساخِ السلاطينِ
والشعراءُ يأْتونَ إلى العش باللآلئِ».
مظفر النواب: قارئ الغيب والمتنبئ
يقول النواب:
«أَنا أَقرأُ الغيبَ إن الغيوبَ
يُشرْنَ وقدْ ضِقْنَ ذرعــــاً عِراقا
لقدْ ذُقْتُ طَعْمَ الغُيوبِ العِظامِ
وأَعرفُ مَنْ كــانَ ذاقا
وأَعرفُ أَنْ أَحفرَ اَلأرضَ بحثاً
عنِ الشمسِ إن شَح أُفْقٌ وضاقا
لِكَثرة ما جربَتْني الليالي
وجربْتُها قَتلَتْني عِناقا»
هو يقرأ الغيب، لكنه ليس نبيا:
«ها أَنا أُبصرُ مولايَ وزدْني بَصَرا
كي يطمئِن القلبُ
هذي قالَها قَبْلي نبي
وأَنا لستُ نبيا
إنما شاعرُ عشقٍ وضياء وأَغاني
شاعرٌ للناسِ أَلا يَيأَسوا
أَحكي
وإنُ فكرَ بعضُ الناسِ يحتزُ لساني»
وعلى الرغم من أن مظفر النواب ليس نبيا، لكنه تنبأ، بما سيكون في هذه الأمة:
«سيكونُ خراباً
سيكونُ خراباً
سيكونُ خراباً
سيكونُ خراباً سيكونُ خراباً سيكونُ خراباً
هذي الأُمةُ
لا بد لها أَنْ تأخذَ درساً
في التخريبْ»
وكلنا أمل أن يكون لأمتنا التقدم والزهو والبناء والحرية والسلام بدلا من التخريب.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية