معرضا «مهابط الروح» و«الأرض»… عن أحوال الرحمة والجحيم

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: رمال وبحار وصحار وتكوينات ترتسم فوق وجه التربة، ليس ظاهرها فقط، لكن ماذا عما يحدث داخل هذه الأرض، التي مع اعتيادية وجودها لم نعد نشعر بها وبما تحتويه أو تمثله. في تداخل ما بين التعبيري والتجريدي، وبالتزامن أقيم معرض كل من الفنان الأردني حكيم جماعين في غاليري (ضي) وجاء بعنوان «مهابط الروح» بينما أطلق الفنان أحمد عبد الكريم اسم «الأرض» على معرضه الذي أقامه في غاليري (بيكاسو) في القاهرة.

مهابط الروح

تستعرض لوحات حكيم جماعين عدة لقطات لأماكن وبيئات مختلفة من البحر وحتى الصحراء، وهنا نلمح أهمية التجربة البصرية ونجاح تجسيدها من خلال اللوحة ـ للأسف رؤية اللوحة على الطبيعة تختلف تماماً عن التقاط صورة لها ـ هنا نجد الرؤية التعبيرية عَبْر إحساس الفنان بهذه الأماكن وطبيعتها. ومن خلال التقنية وحجم اللوحة يستطيع المتلقي أن يستشعر جمال هذه البيئات، التي تتشكل من خلال الروح، كما أراد الفنان لها أن تكون. وذاك ما تحقق من خلال الفرشاة وسكين الألوان بتعرجاته والملمس الخشن للوحة، كما في تكوينات الصحراء، وكذا جريان وتتابع موجات الماء في البحر. فكرة المساحة هنا ـ مساحة اللوحة ـ توحي باتساع هذا العالم، ليقف الإنسان إجلالاً وتواضعا كمحاولة للإلمام بكل هذا الجمال، والإحساس به. من ناحية أخرى لم يستسهل الفنان مجرد تجسيد الطبيعة أو النقل الحَرفي بمعنى أدق، وهو الشائع في العديد من المعارض، لكنه نقل فكرة الإحساس بالطبيعة وتجسيد ملمسها، وهو من الصعوبة في لوحة تشكيلية، حيث تتطلب مهارة وخبرة بالخامة وكيفية توظيفها.

للفنان حكيم جماعين

الأرض

ومن التجسيد إلى فكرة (الأنسنة) التي عبّر من خلالها الفنان أحمد عبد الكريم عن الأرض وأحوالها، من خلال ألوان توحي بهذه الحالات أو التقلبات، من مجرد تكوينات تتركها التربة كأثر تاريخي حتى الوصول إلى ما تحمله هذه الأرض داخلها، أو (لاوعيها) إن جاز التعبير، ألوان تتداخل وكأنها باطن الأرض الذي يثور ويتحول من رماد إلى نيران تتلاحق وتتفاعل، الأمر أشبه بأنسنة هذه الأرض واستعراض حالاتها، من الرحمة إلى الغضب، ومن الهدوء والإيحاء بالموت، وحتى الثورة والغليان. ومن ألوان الطمي المحروق، وحتى البراكين تتراوح الحالات/اللوحات، مع تكوينات تشبه الجسد الإنساني المرسوم في الكهوف القديمة، لكنه في الحقيقة ألسنة لهب تتراص وتتمايل وتتشكل وكأنها مجموعات من البشر، وهو ما يُحيل إلى (الإنسان) هذا المخلوق بدوره من هذه الأرض، وهو بذلك يحمل جينات حالاتها، ومن الممكن تعميق الرؤية قليلاً.. فهذا الإنسان الذي يبدو ساكناً قريباً من حالة موت، يحمل داخله قدرات قد تحيله في لحظة إلى جحيم لا يُحتمل، في مواجهة قوى أخرى، يمكن تأويلها حسب كل متلق ورؤيته، أو حسب كل ما يهوى أن يثور ضده.

الطبيعة وتأويلها

من خلال المعرضين يمكن البحث عن إمكانات فكرة تأويل الطبيعة، وما توحي به، بغض النظر عن التجسيد المباشر لهذا المكان أو ذاك، أو اختلاق تكوينات مستوحاة من الطبيعة. هنا يبدو الأمر مختلفاً بداية من الشعور التام بالمكان، وما يتركه من أثر حاول الفنان أن يوّحد أو يُقارب هذا الأثر بينه وبين المتلقي، من خلال التقنية كما في تجربة جماعين، أو عبد الكريم الذي أصر على الربط بين الأرض واللاوعي الجمعي للإنسان بشكل عام، وحاول تجسيد السلوك الإنساني وتجاربه، بما أنه في الأساس جزء من هذه الأرض.

للفنان أحمد عبد الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية