منصف المرزوقي لـ«القدس العربي»: «طوفان الأقصى» قرار فلسطيني وحل الصراع مع إسرائيل يتجلى في «دولة مانديلا»

حجم الخط
0

تونس – «القدس العربي»: نفى الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي أي علاقة لإيران وروسيا في عملية طوفان الأقصى، التي اعتبر أنها “فصل جديد من حرب التحرير الفلسطينية”.
كما اقترح، من جهة أخرى، اللجوء إلى ما سماه “دولة مانديلا” (نسبة لنيلسون مانديلا) أي اللجوء لخيار “شعبان متعايشان في دولة واحدة” كحل نهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وكانت المقاومة الفلسطينية أطلقت في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي عملية “طوفان الأقصى” التي تسببت بمقتل وجرح مئات الإسرائيليين، وردت إسرائيل بشن عدوان على قطاع غزة تسبب بمقتل وجرح عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

ستالينغراد فلسطين

وقال المرزوقي في حوار خاص لـ”القدس العربي”: “ميدانياً، نحن أمام ملحمة سيذكرها المؤرخون طويلاً، وقد يسمون غزة ستالينغراد فلسطين والعرب. وإنسانياً، نحن أمام كارثة بكل المقاييس ستبقى وصمة عار في جبين كل من نفذوا وساهموا ورفضوا إيقاف مجزرة مروعة، مرتكبها جيش مسلح بأحدث الأسلحة يصب جام حقده على مدنيين عزل؛ لعجزه عن مواجهة مقاومين لا يهابون الموت”.
وأضاف: “رغم الثمن الباهظ لا يمكن للمرء إلا أن يندهش أمام حجم انتصارات المقاومة: الانتصار الاستخباراتي، الانتصار العسكري وجيش الاحتلال يرتطم بمقاومة فولاذية، الانتصار السياسي والحرب تعيد القضية الفلسطينية للصدارة وتزري بالمطبعين وقد تحدد مصير الانتخابات الأمريكية المقبلة، الانتصار الإعلامي، وحتى الانتصار في ميدان السخرية”.
وتابع بالقول: “أرادت البروباغندا الإسرائيلية أن تضحك على قادة المقاومة بالقول إنهم لا يجيدون حتى تغلية البيض، فأضحكت عليها المقاومة كل العالم بالقول إنه ليس لهم الوقت لغلي البيض لانهماكهم في شواء الميركافا. لأول مرة في هذه الحرب التي تدور منذ سبعة عقود تم تبادل الذكاء والغباء”.
ويختلف المراقبون في توصيفهم لعملية طوفان الأقصى، فبينما يرى البعض أنها تشبه العمليات السابقة للمقاومة ضد دولة الاحتلال، يتحدث آخرون عن “دور محتمل” لإيران وروسيا، على اعتبار أن الحرب تخدم بطريقة أو بأخرى مصالح الدولتين.
إلا أن المرزوقي يؤكد أنه “لا دخل لا لروسيا ولا لإيران في هذا الفصل الجديد من حرب التحرير الفلسطينية. فالقرار فلسطيني ألف في المئة. وأن يكون لما يحدث في غزة تأثير على ملايين العرب من المحيط إلى الخليج فقد يكون هذا أهم مخرجات هذه الحرب”.
ويضيف: “القول إن هذه الحرب هي تكرار لما سبق هو أمر غير دقيق، لأن ما نعيشه اليوم هو نقلة نوعية في الصراع ستجعل يوم 7 أكتوبر خطاً فاصلاً بين حقبتين مختلفتين من تاريخ المنطقة”.

انهيار دعامات المشروع الصهيوني

ويرى المرزوقي أن أهم شيء في الحرب المتواصلة في قطاع غزة هو “إثباتها كذب الدعامتين الأساسيتين للأيديولوجيا وللمشروع الصهيوني؛ الأولى هي أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. كل العالم يعايش سخافة هذه المقولة والشعب الفلسطيني يثبت وجوده وتمسكه بأرضه بمقاومة الاستيطان في الضفة ورفض التهجير في غزة ولو تحت عنف غير مسبوق”.
ويضيف: “الدعامة الثانية أن إسرائيل الملاذ الآمن الوحيد لليهود؛ فاليوم لا يوجد مكان أخطر على اليهود من إسرائيل، ليس فقط على اليهود الذين يعيشون داخل حدودها، وإنما يهود العالم الذين يشعرون بأن جرائم الاحتلال هي اليوم أكبر عامل لتحريك المعاداة للسامية.
ويتابع بالقول: “أن نرى هجرة معاكسة تتفاقم ومظاهرات ليهود ضد جرائم نتنياهو، دليل على تحول جذري في السردية المستهلكة وفي ضمير الكثيرين، وسيكون لهذا التغيير تبعات سياسية هائلة”.

فلسطين و«دولة مانديلا»

ولخص المرزوقي رؤيته لمستقبل الصراع العربي الإسرائيلي بالقول: “لا شيء يشبه إسرائيل في التاريخ المعاصر مثل دولة جنوب إفريقيا في منتصف القرن الماضي؛ هي أيضاً كانت دولة قوية عسكرياً مدعومة من الغرب تهدد جيرانها من دول إفريقية أضعف منها بكثير وتسيطر على جزء من سكانها بسياسة الأبارتايد، كل هذا في إطار عنجهية عنصرية وإيمان بحق شعب بلا أرض في أرض بلا شعب”.
وأضاف: “ومع تفاقم الأزمات واستنكار العالم، كان أمام قادتها خياران: الحرب الأزلية داخل الحدود وخارجها، أو الدولة الواحدة لشعبين متعايشين. اختار القادة -لأن الله قيض لهم عدواً من طينة مانديلا- الحل الثاني، وحسناً فعلوا بما أن الأقلية البيضاء لم تغرق في الدم ولم تضطر للعودة لأوروبا وما زالت تعيش في أمان ومحافظة على كل امتيازاتها”.
واعتبر أن قادة إسرائيل لا يريدون أياً من الحلين، فهم “يريدون الاستسلام الذين يسمونه التطبيع؛ أي قبول الاستيطان والأبارتايد. ولا يردون أيضاً حل الدولة الواحدة، لأنهم يريدون إسرائيل دولة يهودية محضة. أُعطيت لهم فرصة تاريخية في صالحهم؛ أي حل الدولتين في التسعينيات، فتصدوا لها بكل قواهم، وجعلوا اليوم محض خيال قيام دولة فلسطينية حقيقية، إذ يتطلب هذا تهجير نصف مليون إسرائيلي من الضفة ومئتي ألف من القدس وخلق ممر عبر النقب للربط بين الضفة والقطاع، وهذا بالطبع لن يكون إلا بحرب أهلية إسرائيلية”.
وأضاف: “هذه الورطة التاريخية هي نتيجة تسمم الفكر بالأيديولوجيا الصهيونية التي أثبتت فشلها وعجزها عن فهم الواقع وإصرارها على الانغلاق على رؤية سحرية للتاريخ لا تقود إلا للحرب الأزلية تتخللها هُدن لا تدوم طويلاً. وما دامت هذه الايديولوجيا هي المتحكمة في عقول قادة إسرائيل ومناصريهم، فخشيتي أن هذه الحرب ليست إلا فصلاً في الحرب الأزلية التي قد تنتهي لا قدر الله بخراب كل المنطقة وسقوط السماء على رأس الجميع، وأولهم الإسرائيليون”.
واستدرك بالقول: “كتلميذ مانديلا، أتمنى -طبعاً- ألا يقع هذا وأن تنتهي المأساة بـ”دولة مانديلية” إن صح التعبير، لكن لا وهم لي بأن الكم الهائل من الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال، ستجعل -للأسف- المصالحة ضرورة صعبة جداً ولكن ليست مستحيلة”.
الجامعة العربية.. إكرام الميت دفنه!
وعلق المرزوقي على موقف الجامعة العربية من حرب غزة بالقول: “بخصوص هذه الجامعة، قلت أكثر من مرة إن اكرام الميت دفنه. فهذه الأمة لا مستقبل لها في ظل الأنظمة الدكتاتورية التي لا تستطيع بناء أي تعاون بينها. لذلك، اعتبرت دوماً أن قيام اتحاد عربي على غرار الاتحاد الأوروبي لا يكون إلا بزوال الدكتاتوريات التي قادتنا للهاوية، وبناء دوَل قانون ومؤسسات على انقاضها تستطيع وحدها بناء اتحاد الشعوب العربية الحرة”.
في المقابل، اعتبر المرزوقي أن موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مما يحدث في غزة “مشرف جداً، إذ لم يقايض إمكانية عدم التجديد له بمجرد إبداء القلق”.
لكنه أكد أن الحرب الحالية “عرّت وهن كل آليات النظام الدولي لحفظ السلام، أساساً مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية”.
وأضاف: “لا شكّ أن هذا سيكثّر من جهود كل المصرين على حلم عالم تحكمه قوة الشرعية لا شرعية القوة لتحيين (تحديث) مؤسسات الأمم المتحدة لجعلها أكثر فعالية، وإلا فلن تختلف نظرتنا لها عن نظرتنا للجامعة العربية”.
كما اعتبر، في السياق، أن “أهم مفاجأة إيجابية في هذه المأساة هي عدد المظاهرات التي انطلقت في الغرب نصرة لأهلنا في غزة، وأيضاً عدد اليهود الذين تظاهروا ضد العدوان وقالوا بصريح العبارة إن هذا العدوان لا يمثلهم”.
وأضاف: “أنا سعيد جداً بالتحول المهم للشباب في أمريكا في صالح الشعب الفلسطيني. وكل هذا يدل على أن حقوق الإنسان بخير، وأنها ليست كلمات فضفاضة وإنما حقيقة تثبت أن الإنسانية تتجاوز حدود العرق والدين والوطن”.

لا وجود لبرلمان تونسي

وتابع المرزوقي بالقول: “أن يحتج البعض على الديمقراطية وحقوق الإنسان بسياسة المكيالين هو بذكاء الاحتجاج على الإسلام بما تفعله طالبان بالنساء في أفغانستان أو ما تفعله الأنظمة الإسلامية الاستبدادية في مجال انتهاك حقوق الانسان”.
ويرى البعض أن ثمة “تناقضاً” في الموقف الرسمي التونسي إزاء العدوان المتواصل على غزة، فرغم أن تونس تبنت منذ البداية موقفاً داعماً للمقاومة وعبرت عن رفضها لبيانات الجامعة العربية والقرارات الأممية أيضاً، ما زال البرلمان التونسي “يماطل” في المصادقة على مشروع قانون تجريم التطبيع.
وعلق المرزوقي على ذلك بالقول: “لا وجود لبرلمان تونسي وإنما لموظفين للانقلاب، ورئيس هذا الهيكل المزعوم قال بعظم لسانه إن رئيسه أمره بتعليق الموضوع. بهذا، فضح للعلن أن للمنقلب (في إشارة للرئيس قيس سعيد) خطاباً شعبوياً يغازل به الجماهير المحبة لفلسطين، وخطاباً من وراء الستار يغازل به الحكومات الغربية”.
وأضاف: “هو يعرف ماذا كلفني استقبال إسماعيل هنية وخالد مشعل في قصر قرطاج سنة 2012 ويخشى نفس المصير. ولذلك، تحاشى سنة 2021 استقبال مبعوث حماس. الرجل كما يقول المثل التونسي: يأكل ويقيس”.
كما علق على عدم توجيه السلطات “اتهاماً رسمياً” للموساد الإسرائيلي بالتورط في اغتيال خبير الطيران محمد الزواري، بالقول: “لا أستغرب ذلك. فعنتريات في الفضاء العام وجبن النعامة عندما يتعلق الأمر بالقرارات التي فيها مخاطر!”.
وحول إمكانية توجيهه رسائل للرئيس سعيد، فيما يتعلق بالتعامل مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، قال المرزوقي: “الرسالة للمنقلب هي كلمة واحدة: ارحل”.
لكنه اعتبر، في المقابل، أن تونس يمكن أن تقدم الكثير لضحايا العدوان على غزة، على غرار “فتح المستشفيات والجامعات والتبرعات إلخ. وسياسياً: الوقوف بوضوح مع المقاومة ودعم كل خياراتها”.
وأضاف: “يتحدثون اليوم عمّن سيحكم غزة وكأنهم أمام شعب قاصر، وحتى قطيع من البشر يتشاورون فيمن سيرعاه. إنه الغباء والصلف والجهل بطبيعة شعب كان وسيبقى صاحب القرار الوحيد، أحب من أحب وكره من كره. حيا الله وحمى هذا الشعب الأيقونة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية