إيران – إسرائيل: من الظل إلى السجال المفتوح

عقب هجومٍ إيراني غير مسبوقٍ من حيث حجم المقذوفات، واستهداف العمق الإسرائيلي مباشرةً جراء القصف الإسرائيلي لمبنىً تابعٍ لسفارتها، ذهب ضحيته جنرالات كبار، قامت إسرائيل برد فعلٍ وُصف بـ»الجراحي»، ولعل ذلك الوصف يتسم بالدقة، حيث كان الهدف منه، كما قيل وأُذيع، إيصال رسالةٍ مؤداها أن إسرائيل لديها من التفوق التكنولوجي والقدرة، ما يمكنها من الاستعاضة عن الكم غير الفعال في حالة إيران بالكيف المؤلم، حيث تمكنت من اختراق وتخطي منظومة الدفاع الإيرانية والضرب في العمق؛ إلا أنها (حتى وقت كتابة هذا المقال على الأقل) ألجمت نزعة التدمير والانتقام.
بطبيعة ما يفرضه وضعٌ مستجدٌ كهذا، خاصةً في سياق حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني، انفلت سيل التعليقات والتحليلات، كثيرٌ منها للأسف ينطلق من مواقف ومشاعر مسبقة من الطرفين، ويحلل بالأماني، فصرنا بين نقيضين، أحدهما يرى الصواريخ الإيرانية فتحاً وعنواناً على بداية النهاية، والآخر يسخر من الوقت الذي استغرقته للوصول ومدى محدودية ما سببته من أضرار، وكالعادة في كثيرٍ من شؤون الحياة، فلعل الحقيقة تقع في مكانٍ ما وسطٍ بين كل ذلك.

لئن كانت الهجمة البربرية على غزة كاشفةً لمدى الضعف والخنوع، وربما خولت للبعض اتهام الأنظمة، خاصةً دول الطوق، بالتواطؤ لا لتصفية حماس، بل القضية الفلسطينية برمتها

منطلقاً من قناعةٍ أكيدة بأننا سنظل نعيد قراءة هذه الجولة وتقييمها في المستقبل، في ضوء ما سيتكشف لا محالة وما سيعقبها من مستجدات، إلا أنني أود أن أشارك بقراءة مبدئية لقناعاتٍ تشكلت لديّ في الأيام السابقة.
أولاً، لا شك في أن خروج صراع الظل الطويل ذاك إلى مرحلة السفور في الساحات المفتوحة على أراضي كل من البلدين، يشكل تطوراً خطيراً للغاية وتصعيداً في مستواه.
ثانيا، إن تلك الجولة تحفل بكمٍ مذهلٍ من الرمزية والدلالات على مجمل المتغيرات العالمية وتوازنات القوى.
في ما يتعلق بنا عرباً بصورةٍ خاصة، فلئن كانت الهجمة البربرية على غزة كاشفةً لمدى الضعف والخنوع والاستسلام، وربما خولت للبعض اتهام الأنظمة، خاصةً لدول الطوق، بالتواطؤ لا لتصفية حماس، بل القضية الفلسطينية برمتها، فإن مشاركة هذه الدول العربية في الدفاع عن الكيان الصهيوني، عبر منظومات دفاعهما الجوي بإسقاط الصواريخ والمسيرات، هي التي لم ترفع ساكناً لحماية الفلسطينيين من القتل والتدمير، ولم تعطهم رصاصة، هذا الكشف مذهلٌ بقدر ما هو فاجع، لكنه يؤكد أمراً فارقاً وخطيراً: لم يعد مقبولاً ولا مناسباً ولا دقيقاً الحديث أو الكتابة عن التقارب بين هذا النظام العربي أو ذاك وإسرائيل، ولا عن مشاريع التطبيع والتقاء المصالح ضمن النسق الأمريكي إلخ. لقد بلي هذا الكلام وتخطاه الزمن فنحن أمام حلف حقيقي قائم، أزعم أنه متين بدليل أنهم يحاربون في خندقٍ واحد، ولا بد هنا من أن نلفت الانتباه إلى كون ذلك يشكل نجاحاً للسياسة الإسرائيلية والأمريكية، كما سنتناول لاحقاً.
للأسف، لقد كنا مفعولاً به كبيرا لفتراتٍ طويلة من تاريخنا، خاصةً الحديث؛ لعلنا حاولنا التمرد على ذلك في بعض الفترات (عبد الناصر أقرب مثالٍ يرد إلى الذهن) إلا أننا بصورةٍ ملتوية، وعبر مسيرةٍ متعرجة عدنا بيادق على ساحة السجال بين الغرب، بقيادة الولايات المتحدة وأعدائها القدامى والمستجدين، والآن يتبين أننا تردينا مراحل عن ذلك، فصرنا صبياناً وخدماً للمشروع الصهيوني. ليس سراً أن أمريكا مارست ضغطاً معتبراً للجم إسرائيل في ردها، وليست الحال كذلك في غزة، فعلام يدل ذلك وإلام يشير؟ ببساطة أن المصلحة واحدة، وإن اختلف الأسلوب تبعاً للظرف والمكان وطبيعة الخصم. إيران قادرة على إشعال المنطقة بما يهدد التوازن الدقيق بين الولايات المتحدة ومنافسيها، وما قد يؤدي إليه ذلك من جرها إلى حربٍ لن تكسب من ورائها شيئاً. لإيران سعر وثمن، أما الفلسطينيون، وفقاً للولايات المتحدة وقائمة أسعار البشر والدول لديها، فلا ثمن لهم؛ من ناحيةٍ أخرى فإن المعسكر الغربي، الذي يواجه رأسماليات الشرق في عدة ساحاتٍ ونقاط تماس، على رأسها أوكرانيا، لن يتخلى عن قلعته الأمامية في الشرق الأوسط ومشروعه المتمثل في الكيان الصهيوني؛ مداً للخط على استقامته نستطيع أن نتجاوز ادعاءات الخلافات للوصول إلى قناعةٍ بأن الحرب على غزة لا تتم بضوءٍ أخضر ومباركةٍ غربية فحسب، بل ربما بحثٍ وحضٍ مباشرين، وتملك الولايات المتحدة القدرة على إيقافها ما توفرت الإرادة السياسية في اللحظة التي تراها مناسبةً.
أخيراً وليس آخراً، بل هو موضوعٌ سيمتد لفترةٍ طويلة، فإن تراجع الغرب النسبي، خاصةً الولايات المتحدة، أمام الشرق الصاعد معبرٌ وناتجٌ في حقيقة الأمر أيضاً عن اختلالاتٍ هيكليةٍ عميقة في الصيغ التي حكمت علاقة الطبقة السياسية والجماهير واصطفافاتها منذ الحرب العالمية الثانية، ما يفسر الاحتجاجات الواسعة على الحرب على غزة. لقد كثر الحديث عن أفول شمس الإمبراطورية الأمريكية، الأمر الذي يستهوي كثيراً منا، ويقيناً أنه يكفي أن تتابع مهازل محاكمات ترامب لتدرك مدى عمق التردي والتفسخ، الذي ألم بالحياة السياسية في هذا البلد، إلا أن الجولة الإيرانية ـ الإسرائيلية في المقابل تلفت النظر أيضاً إلى وجوب الحذر في الانزلاق إلى هذه النتائج المتسرعة، فذلك الحلف، غير المقدس، بين الدول العربية وإسرائيل الذي مكنها من الناحية الفعلية من اتقاء الكثير من الصواريخ، يدل على فاعلية التخطيط والتنسيق والنفوذ الغربي والأمريكي بصفةٍ خاصة، ومن ثم فإن اختزال الفعل والحضور الأمريكي في مجرد الإدارة متمثلةً في هذا الرئيس، أو ذاك والأحزاب فقط دون الأخذ في الاعتبار بمؤسسات الدولة، هو تبسيطٌ مخل من شأنه أن يؤدي إلى أخطاءٍ جسيمة في الحسابات.
ليس الواقع الأمريكي وحده، بل العالمي برمته معقدٌ للغاية، فهو يشهد حالة سيولةٍ ومناوراتٍ، وتغيير مواقع، ومكانة دولٍ تنازع الهيمنة الأمريكية على رأسها الصين التي تسعى لتثبيت حضورها وما يتناسب مع حجمها وثقلها الاقتصادي المتنامي؛ إلا أنه من التسرع الجزم بأن الولايات المتحدة قد انتهت، والدليل الساطع هو ما برز من نجاحها في إعادة رسم خريطة المنطقة، بما يتخطى أسوأ تصوراتنا وأحلكها.
حتى وقت كتابة هذا المقال، وعلى الرغم من الأصوات العالية، إلا أننا نستطيع أن نقرر بأن كلا الطرفين، إيران وإسرائيل، مارس ضبطاً للنفس تفادياً للانفجار، وإن ذلك يعكس حالة التوتر بين الشرق والغرب. السؤال الحقيقي هو، ما مدى مرونة الرأسماليات الغربية، وكم تبلغ قدرتها على التكيف وامتصاص موجة السخط الحالية في بلدانها، وهل ستنجح في إيجاد صيغٍ جديدة تتلاءم مع تغيراتها الداخلية، أم أنها ستستمر في التراجع أمام القوى الصاعدة؟ وهذه الأخيرة، هل ستتطور صوب المشاركة والانفتاح السياسيين أم ستبقى على حالها؟
ليس من قبيل المبالغة القول إن مستقبل البشرية على المحك، وإن أعواماً ساخنة تنتظرنا.

كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية