من القيمة إلى السلوك: تأملات في الكذب الأسود

لقد وصلت إلى هذه المرحلة المحيرة، إذ كلما قرأت كتابا/ مقالة/ بحثا، أو دراسة، أسمع صوت الخواء يصخب في داخلي، كلما حاولت ردمه ازداد عنفاً. أحيانا أقول: ربما لأنني لا أركّز اهتمامي في نقطة واحدة، إنما أميل إلى التداعي في النقاط البعيدة والمتباينة، التي لم أر لونها من قبل. لكنّي أعدل عن رأيي هذا، بعدما أدرك أن هناك معرفة لا حدود لها، وموضوعات لا تنتهي، ولو كُتِب لإنسان ما الخلود، لما تعطلت مكائن استمرارية إنتاج المعرفة والأفكار الخلّاقة. إذن هي محاولة لإمساك الماء، وأعترف أنه سلوك صبياني وشعور غير ناضج، خصوصا ونحن نعيش في عالم التخصصات داخل التخصصات نفسها، بل تخصصات في دقائق فرع لتخصص أشمل.
لكنّه مع هذا شعورٌ يمنحك معرفة إنسانية، تلك المعرفة التي تنتمي إلى التجريب والخوض والممارسة، تلك الأبعد ما تكون عن الجاهزية والقالب، عن الحكمة الموروثة والتنشئة الاجتماعية والثقافية، تلك التي تضيء في داخلك بلون تألفه وحدك، ليس لأنها مستحيلة النشوء، أو الحدوث، إنما لأنها تلك اللحظات، حيث تولد فيك موجة جديدة صغيرة، تخالط أمواجك الأخرى على اختلافها، وتعطيك أفقاً مستنداً إلى ثقة مبررة، فقد عرفت جيدا كيف تصبح إنسانا متواضعا، كما لو أنك ولدت بهذه الصفة، ولم تكتسبها من جراء الإصغاء إلى الأجداد والجدات، ولا إلى المتناثر من الأمثولة. وبالتأكيد ليس لأن التواضع صفة محمودة، فينتهكه الطامحون والجشعون والانتهازيون، على حد سواء، كي يجذبوا الناس إليهم عبر سلوك سطحي يشبه الثياب لا يشبه الجلد. لأنها قابلة للتبديل والخلع، واختيار الوقت المناسب لارتدائها، بينما السلوك الناتج من الداخل، من تفاعل التجربة وانصهار السابق من المعرفة بالجديد، هو ما يمنح الذات تحديثا حقيقيا نحو الأمام، أو الأعلى، إذا ما شئنا النظر إليها من زوايا نيتشوية باحثة عن الذات الأسمى خلف إدراك الذات، الذات الأعلى. كذلك ينطبق مثل هذا القول على أغلب القيم والصفات الإنسانية الجيدة، على الإنسان أن يختبرها بطريقته، ويشذبها، ويمنحها بعداً مغايراً، إذ ليس من المنطقي أن يكون التواضع على سبيل الفرض، كمركب مفاهيمي يتألف من مناسيب إنسانية عديدة، هو نفسه لدى الجميع، وهو نفسه بتغير الأزمان، كما ولا أدعو أن تكون هناك قطيعة بينه وبين سيرته الذاتية، إنما سيظل الجوهر والأساس واحدا مع ترميم جوانب معينة اقتضتها التجربة الشخصية المتفردة، تلك التي ستجعل تواضع، س من الناس يمازج بين لون الأصول، ولون تجربته.
سهوا ينظر الكثير من الأفراد إلى التواضع كصورة منظمة ومرتبة عن الهزال والتنازل والتخاذل والانطواء وغيرها، وفي مقابل ذلك معادل جسدي يتوافق معها، على اعتبار أن الجسد هو العلامة التي تعبر من خلالها كل تلك التعبيرات المنغمسة في سوء الفهم. هذا ما يمكن لثقافة تؤسس التنشئة على أفعال الحكمة المتباهية بالقول المفتقد إلى التصادم مع الموقف.
لا ثراء للكلمات الموجهة إلى السلوك البشري، كي تلقّنه وتنقل إليه تلك الصفة. ولهذا السبب بالتحديد، جيلا بعد جيل يستحيل السلوك الإنساني إلى محض أيقونات، أو صور تراها على الشاشة، لكنها بلا محتوى ثقيل يدعمها لتشتغل. الموضوع يشبه تلك الملفات المحذوفة أو التي تعاني من خلل ما، فتبقى صورتها الناصعة المغرية أمام العين، كما لو أنها حاضرة، تكتشف الخلل حينما تريد تشغيلها. كذلك يحدث في الحياة اليومية، نعيش مع ممثلين، إذا كان رقيقا ويحتاج إلى الشدة، فإنه يمثّل تلك الشدة تمثيلا مصطنعاً، وإذا كان مختالا مغرورا إلى حد لا يطاق، فإنه سيبرع بمرور الوقت في تمثيل التواضع، خصوصا أن التواضع مدعوم من الله ورسوله والمؤمنين، وهذا بما لا يقبل الشك، يعزّز الميول نحو التمثيل أكثر، والالتزام به قدر الإمكان، فليس مهمًا أنك تمثّل، أو أنهم يعرفون أنك تمثّل ـ على الرغم من أن كثيرين ينطوي عليهم ذلك التمثيل الرديء ـ لكن الأهم أن تستجيب لمنظومة القيم، حتى إن كان ظاهريا، لا بأس، سيقال حينها، إنك تحترم قيمهم ومجتمعهم، وسيعدونه تواضعاً، وفي صياغة أدق، حققت لهم مساعيهم، إذ أثبتّ لهم أنهم ما زالوا يعتلون القمة، فأنت احترمتهم ابتداء، ما يؤدي إلى التصور الآخر ـ تواضعت ـ لكنّه بالنسبة إليهم من الداخل الأعمق، تنازلا، هذا التنازل هو مديح كامن في الأفراد، يتحرك لحظة تُطبِق القوى الخارجية على قوى الفرد الداخلية.

إنه «نظام التفاهة» العالمي الذي سعى آلان دونو إلى تفصيله، وكشف ألاعيبه الداخلية في المجالات كافة، من الاقتصاد والبورصات إلى العلوم والجامعات والدارسين إلى الاستثمارات وغيرها. التفاهة وهي تستحيل إلى حياة.

هذا المديح يُستَنفر في المواقف الأشد حرجا، فيتحول إلى ما يشبه الإذلال، لن تستطيع أن تميّز بين فردين بمثل هذه المواقف، فرد يتعرض للإذلال وفرد يدّعي التواضع، كلاهما يمتلكان العلامة الجسدية ذاتها، الكلمات المنكسرة ذاتها، الفتور نفسه، التراجع والانهزامية، وانعدام الثقة بالرأي. وفي غالب الأحيان يكون الوجه الآخر، تحت ظل هذا الرضوخ والانحلال والتمثيل هو تحقيق الغايات. خصوصا عندما يكون الفرد في موضع سلطة عليا، وسلطة دنيا أو أقل في ترتيبها. وخذ مثالا على ذلك، باختلاف السلطات من العائلة إلى المجتمع إلى المؤسسات إلى العالم. هكذا تتحول المجتمعات من مؤسسات ضخمة لإنتاج أفراد متطلعين إلى الحقائق والمستقبل، ونبذ الجهل وإدراك الطبيعة، إلى سباق في التزوير الأتقن لتلك الصفة، أو القيمة.
لم يعد صعبا أن تكون كريما، مثّل أنك كريم. كيف تفعل ذلك؟ يبذل الفرد طاقة ذكائه هنا، في اصطياد اللحظة المناسبة التي تلائمه من نواحي عديدة، كي يظهر كرمه، وإن لم يكن غير ذلك. كن سموحا ونبيلا ومتفانيا، ليس عليك أن تتعذب بعد اليوم، عليك أن تتحول إلى صياد خبير كي تعرف متى بالضبط، وأين وقرب من تفعل حركتك المناسبة. هذا لا يعني أن الناس كلها تفعل ذلك، لكن الغالبية اليوم تمارسه، لأنها مجرد انعكاس عن الأصل لتلك الصفات والقيم والعادات، ليست هي نفسها. لقد عمِل بها الكثيرون لأنها الطريقة الأسلس للتواصل مع الآخرين، كي يحصل الفرد على بطاقة الدخول إلى الجماعة، ويصل إلى مبتغاه بطريقة أسرع، فليس لديه الوقت كي يصبح إنسانا. ولماذا يجب أن يكون مختلفا عن أقرانه؟ ما الداعي لهذه المشقة؟ بينما يمكن فعل كل شيء بتلك السهولة، إنه مجرد كذب آخر يتحول إلى حقائق وقواعد وحكم ذهبية، يتناقلها الراشدون ويحفظونها ويغلفونها بقماشة أبوية، تنفعهم في الزواج وإسداء النصائح. هل تريد أن تصبح خلوقا؟ اكذب. وبما أن السلوك الخيّر يستند إلى مثل تلك الأسس المناورة والالتفافية، فتخيلوا معي من يريد أن يصبح الأفضل في كل ما ذكرناه من قيم وصفات؟ بالتأكيد سيكون أكبر كذاب بيننا.
إلى هذه الدرجة سيكون خطرا علينا جميعا مثل هذا النموذج الباحث عن المثالية والتكامل، في مجتمع يطلق الرصاص عبر إيعازات رابضة في لا وعيه، على أي شيء حقيقي يتحرك خارج المسارات المحددة، بل إن الأصدق اليوم، ذاك الذي يرفض مهنة التمثيل لتنوب عما يعتمل في أعماقه، هو المتهم الأول بأنه الأكذب، بين فرقة الكذبة المحترفين، بينما هناك يلهو بهم من اختار أن يصبح نبيا، من خلال تفوقه في إجادة اللعب.
هذه المصالح الفردية والذاتوية المتخبطة، كلما تعززت وأخذت تقترب من مفهوم الشعار، أو الحكمة، تعزز البقاء للأكذب، فيكثر مريدوه وخدمته، ليصبح النجاح الفردي هو المعادل الأشد حضورا في فشل المجتمع.
وبهذا كلما سعى الأفراد أكثر، وهم يمرون ويعبرون يوميا من خلال هذه المنظومة، زادوا في إفشال محاولات النهوض بالمجتمع. وهو ما يعزز بقاء المجتمع على حاله هذه، كمسرح ملائم للأجيال القادمة. لأنها حتى تصل إلى المكان الصحيح، يجب أن تسلك السلوك الخاطئ. هكذا أصبحت المعادلة ولا تزال مستمرة في طغيانها. يستشري هذا السلوك حسب طبيعة المجتمع، إذ لا يوجد هناك مجتمع مثالي بالكامل، إنما توجد حدود ونسب متفاوتة يفرضها النظام الجيد، الذي يشير في النهاية إلى وجود نظيف لفكرة الدولة.
إنه «نظام التفاهة» العالمي الذي سعى آلان دونو إلى تفصيله، وكشف ألاعيبه الداخلية في المجالات كافة، من الاقتصاد والبورصات إلى العلوم والجامعات والدارسين إلى الاستثمارات وغيرها. التفاهة وهي تستحيل إلى حياة. هنا نقوم بسحب «نظام التفاهة» إلى منطقنا الثقافي والاجتماعي المحليّ، فلو أن آلان دونو عاش في هذا الجزء من الشرق، لما غفل عن مثل هذه البذور، إذ لا فرق بين هنا وهناك، سوى أننا في نظام تفاهة ينتمي إلى مرحلة غائصة في بدائيتها أكثر، بسبب أنها تعيش في ثقافة الماضي المعنوية وتغتذي على ثقافات العالم المتطور المادية، حيث يصح أن نطلق على الفرد أنه شبه بدائي، فالدارس للمجتمعات البدائية سيرى تشابكات وتشابهات عديدة في سلوك الأفراد وتعاطيهم مع مفردات الحياة وأحداثها. فباطن كل نظام من أنظمة التفاهة أنوية للكذب، تبنى فوقها طبقات من الأنظمة الفرعية، وبمرور الوقت تصبح فعلا مأخوذا به للانتصار والعيش والتلذذ. هي اللعبة نفسها التي تحدث عنها دونو في كتابه هذا، لكن في مكان وظروف أخرى.
يسأل دونو: ما جوهر كفاءة الشخص التافه؟ فيجيب: إنه القدرة على التعرف على شخص تافهٍ آخر. معا، يدعم بعضهما بعضا، فيرفع كل منهما الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار. هذه ببساطة هي ديناميكية البحث المتواصل لتحقيق الغايات، على حساب كل القيم الإنسانية. فلعب لعبة التمثيل/ الكذب، هو سلوك مراوغ، يشبه في هيكليته، بيتا داخل بيت، الأول هو القواعد الرسمية المعلنة، والثاني هو اللعبة/ القواعد غير الرسمية، يمارسها الأفراد من خلال الأقنعة واختلاق المجازات، وقبول التعاملات الداخلية الملأى بالغش والاحتيال، والدوس على الخطوط الحمر بكامل القناعة والاستعداد. فقد هيأت لهم البيئة مسرحا بسيناريو وأدوار محددة، والمرور السلس هنا يساوي الانصياع، الذي هو في النهاية كسر لأي معطى روحي.
يتحدث دونو عن مصائب حدثت في أرقى دول العالم، بل وفي أرقى مؤسساتها كالجامعات والمراكز العلمية، فتخيلوا معي للحظة، إذا كان حال المجتمعات الأرقى هكذا، فكيف بمجتمعات هشة كمجتمعاتنا؟ إذن هي مشكلة عالمية ومحلية، لكنها تتفاقم في الأنظمة اللاديمقراطية والأنظمة التي تدّعي الديمقراطية. وقد تحدث كثيرون عن الكذب منذ طروحات الفلاسفة اليونانيين الأوائل، إلى مثالية كانط بهذا الشأن وحنّة أرندت، وليس انتهاءً بتاريخ الكذب لجاك دريدا، وكل واحد كانت له آراؤه ومفاهيمه في هذا الخصوص.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فريد.م:

    لعن الله الكذب. ولكن االناس يتعاملون على طريقة مكيافيلي بدلا من مكارم الاخلاق. ولا اظن احدا سيصل الى التواضع الاصيل رالاخلاق الحسنة اذا اتبع فكر نيتشه. حيث انه يدعو الى قوة الارادة والقوة ولو على حساب الآخرين. اعتقد ان نيتشه قدم للشيطان اضعاف ما قدم فاوست. حيث ان الأخير نذر نفسه للشيطان؛اما نيتشه فقد رهن اجيالا.

  2. يقول بن جيلالي حميد من المغرب:

    اشكرك استاذي الفاضل على هذه المقالة الفكرية حول كتاب نظام التفاهة …ما اراه هو أن يقرأه جميع العرب وخاصة الشباب وان تقام ندوات فكرية حول هذا الكتاب لان الشباب هو الجيل الذي سيكون مسؤولا في الوطن العربي مستقبلا ومسؤولا عن سياساته الخارجية والداخلية وكيف يدير الخلافات العربية التي ورثها عنه سبقه واني متاكد ان الشباب بعد فهم وقراءة هذا الكتاب انه سيغير نظرته إلى إلى كل ما يحيط به وسيعمل على قراءة الآخر قراءة جيدة وليس كما يقدمها هو يعني الآخر…..
    تحياتي استاذي الفاضل لقد استفدت من مقالك …

اشترك في قائمتنا البريدية