من جديد حول إشكالية الحُكم العثماني للعالم العربي

عزى البعضُ سبب تدخل القوى الغربية في الفضاء العربي بداية من القرن التاسع عشر، إلى تدهور السلطة المركزية للحُكم العثماني، واضمحلال قوته وثقله الدولي بشكل عام؛ فهم يرون أن احتلال الجزائر ثم تونس ومصر ومن بعد ذلك ليبيا قبل احتلال معظم البلدان العربية عقب الهزيمة العثمانية في الحرب العظمى، ما هو إلا نتاج الضعف العثماني؛ فدعونا نرى هل بالفعل كانت السيطرة العثمانية على العالم العربي بمثابة تمهيد لاحتلاله من قبل القوى الغربية؟ أم أن هذه النظرة تفتقد للمعرفة العميقة بتراتبية الأحداث وتدافعها منذ البداية؟
لو ألقينا نظرة على أوضاع العالم الإسلامي بشكل عام، والعربي بشكل خاص، قبيل التدخل العثماني في مستهل القرن السادس عشر، لأمكننا رؤية جذور الواقع بشكل أفضل، بل الإجابة تلقائيًّا على كافة التساؤلات المحيرة التي يمكن أن تخامر العقل؛ فالحضارة العربية التي سطع نورها في آفاق هذا العالم إبان العصور الوسطى، كانت قد بدأت في الأفول منذ القرن الخامس عشر على أقل تقدير، مقابل النهضة التي انبثقت في إيطاليا، ثم تسربت تدريجيًّا لتعم وسط وغرب أوروبا في العصر الحديث؛ أي أن الميزان الحضاري كان في الطريق إلى تغيير ثقله تبعًا لِسُنن التاريخ السارية منذ بدء الخليقة، بغض النظر عن أسباب هذا الاختلال.
وتبعًا لانتقال الثقل الحضاري كان الثقل السياسي والعسكري كذلك يشهد إرهاصات تغير كبير؛ مع ذلك نستطيع القول إن الدولة العثمانية هي الوحيدة في العالم الإسلامي التي استطاعت مجاراة نهضة الغرب حضاريًّا، وظلت في سجال معه إلى النصف الأول من القرن الثامن عشر على أقل تقدير، وهو ما حال دون السيطرة الغربية على الشرق الأدنى في وقت مبكر، الأمر الذي كان بلا شك سيغير مجرى التاريخ بشكل كامل. لقد كانت الدولة العثمانية هي القوة الوحيدة الصاعدة في العالم الإسلامي، فلم يكن هناك بد من أن تتصدر المشهد لتحمل على عاتقها الإرث الإسلامي إجمالاً، حضارة وشعبًا وأرضًا، بعد أن صارت جميعها في مهب الريح. وبدلاً من الانهيار الكامل تداركت ما يُمكن في مرحلة مفصلية من تاريخ هذه الأمة؛ فكان للوحدة التي أرستها العامل الأول من عوامل البقاء، وحفظ الكيان، مع كل الأزمات الطاحنة والمحن التي ألمت بها.

لا يمكن لأحد إغفال المكون الديني للصراع الأيديولوجي الممتد منذ العصور الوسطى بين الشرق والغرب

في الوقت الذي شهد فيه الشرق الأدنى صراعا وتفسخا سياسيا، واضمحلالا اقتصاديا للدول المسيطرة عليه منذ العصور الوسطى، أدى بطبيعة الحال إلى تردي الأحوال بشكل عام، بما في ذلك الاهتمام بالمعرفة والعلم، السبب الرئيس للازدهار الحضاري، كان الغرب الأوروبي ينهض في ظل دول قومية وملكيات حديثة، تنبذ تقاليد الإقطاع وظلمات الجهل القديمة. وفي ظل الانطلاقة التي شهدها الغرب، رأينا كيف تَمَكَّنَت إسبانيا من الاتحاد ثم التخلص تمامًا من الحُكم الإسلامي في شبه جزيرة أيبيريا، الذي استمر لما يناهز الثمانية قرون؛ فما هو إذن تفسير سقوط الأندلس قبل تدخل العثمانيين، إذا عزينا سبب انحدار الحضارة العربية إليهم؟ هذا ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل إن الإسبان تطلعوا في زهوة انتصارهم إلى استكمال حركة الاسترداد من المسلمين وانطلقوا مع منقلب القرن الخامس عشر في حملات متوالية إلى الشمال الإفريقي، استطاعوا من خلالها في فترة وجيزة احتلال معظم ثغور المغرب العربي، ساعدهم في ذلك اهتراء الدويلات التي تقادم عليها العهد في هذه المناطق، فصارت عاجزة تمامًا سوى عن التناحر من داخلها أو في ما بينها. ويجدر بنا ها هنا ذكر اتفاقية توردسيلاس Tordesillas، التي تم توقيعها بين إسبانيا والبرتغال عام 1494، وتمت تحت رعاية بابا روما لتقسيم الأراضي غير المكتشفة في ما بينهما، والاتفاقية المُكَمِّلَة لها التي وُقِّعت عام 1509 لتقسيم بلاد المغرب إلى منطقتين، تقع الأولى شرق حجر باديس (الواقعة الآن في الجزائر)، حيث يتولى الإسبان استكمال مهمة تنصير المسلمين التي بدأوها في الأندلس، والثانية غربها وتتولاها البرتغال. كانت بداية الهجمات الإسبانية على ميناء المرسى الكبير غرب وهران، الذي تم احتلاله عام 1505، وتوالت الحملات التي استولت على وهران وبجاية وشرشال وبونة وعنابة وغيرها، من دون أن يحرك سلاطين بني زيان ساكنًا، ولم تنقض بضع سنوات أخر إلا وكان الإسبان قد بسطوا سلطانهم على معظم المغرب الأوسط، هذا فضلا عن استيلائهم على طرابلس الغرب عام 1510 لتصير قاعدة لعملياتهم الحربية في البحر المتوسط. لنا بعد هذا أن نتخيل الوضع في هذه المناطق، وما كان سيؤول إليه إذا تأخر التدخل العثماني بضعة عقود، كما تأخر عن الوصول إلى غرناطة المحاصرة لأسباب لا يتسع المقام لذكرها؛ وهذا ما جعل مؤرخ بوزن أرنولد توينبي يُقر بأن العثمانيين لو كانوا قد استطاعوا دعم قوتهم البحرية، ومد نفوذهم غرب المتوسط، قبل ثلاثين عامًا من تحققه عام 1503، لكان بمقدورهم إنقاذ غرناطة، بل وقف حركة الكشوف الإسبانية.
لا يمكن لأحد إغفال المكون الديني لذلك الصراع الأيديولوجي الممتد منذ العصور الوسطى بين الشرق والغرب؛ فالتأثير الروحي والمادي للكنيسة في أوروبا القروسطية، كان المقوم الأول للتعصب الديني الذي شاع في ذلك العصر، فلم تتولد الصراعات والحروب ويستعر لهيبها سوى على هذا الأساس، حتى إن كانت أسباب دنيوية بحتة اختلقوا لها صفة دينية وستارا عقديا، ولو كان بين الأوروبيين أنفسهم؛ وفي المقابل كانت الشعوب الإسلامية على اختلاف مكوناتها وأعراقها لا تعلم لها انتماء سوى للإسلام، وذلك ما دفع تلك الشعوب إلى مؤازرة أي قوة إسلامية تثبت كفاءتها في الدفاع عن الدين وأهله وأرضه مهما كان أصلها؛ ولم تكن الدولة العثمانية دولة طارئة على المشهد الإسلامي، فقد ذاع صيت جهادها، وأخبار انتصاراتها في أوروبا لقرنين من الزمان، قبل دخولها إلى العالم العربي، وهذا ما مهد لها في النفوس قبل الأرض، في وقت كانت البلدان الإسلامية تشهد فيه ضعفًا ملحوظًا وتهفو أفئدة شعوبها إلى إعادة الأمجاد القديمة والتوحد أمام الأخطار المستفحلة، وهذا ما دفع البعض إلى المسارعة لطلب النجدة من العثمانيين، ومنهم أهل المغرب العربي، إلا أن مسارعة العثمانيين إليهم لم تكن فقط لذلك السبب، بل لأن التطور العام لصراعهم مع القوى الأوروبية دفعهم بشكل طبيعي لاقتحام ساحة الصراع في الحوض الغربي للبحر المتوسط، في وقت اشتعلت فيه هذه الساحة بين الإسبان من جهة وبقايا الأندلسيين ومن اتحدوا معهم من القوى الشعبية التي بدأت في تكوين حركات جهاد ومقاومة في الشمال الإفريقي بعيدًا عن السلطات الحاكمة المتخاذلة أو المهادنة للمحتل، أي أن الساحة كانت مهيأة في الأساس لقوة إسلامية كبيرة تزن كفة الصراع في هذه المنطقة.
كان لانضواء مصر تحت الحكم العثماني عام 1517 وحيازة ساحلها كأول مرتكز للعثمانيين على سواحل الشمال الإفريقي، تأثير كبير على توغل قوتهم ناحية الغرب، في الوقت الذي صار فيه ملك إسبانيا شارل الخامس، إمبراطورًا رومانيًّا مقدسًا (يقابل تقريبًا منصب الخليفة الروحي لدى المسلمين) وامتد سلطانه حتى النمسا والمجر، حيث نقاط تماس العالم المسيحي مع الأراضي العثمانية في وسط أوروبا؛ وفي الوقت الذي اصطدم فيه العثمانيون مع الجناح الألماني للإمبراطورية الإسبانية في البر كان الربابنة البحريون يخوضون كفاحًا مريرًا في البحر مع الجناح الغربي للإمبراطورية، بعد أن دخلت الجزائر أولاً تحت السلطة العثمانية عام 1519، ثم تلتها بعد ذلك معظم بلدان المغرب تباعًا؛ وهو ما أجبر الإسبان بعد صراع طويل خلال القرن السادس عشر على التراجع عن أطماعهم في الشمال الإفريقي، وجلائهم عن معظم الثغور التي احتلوها أوائل هذا القرن. أما عن البرتغال، فتلك قصة أخرى.
كاتب وباحث مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    الخلافة العثمانية حمت البلاد العربية لأربعة قرون كاملة! وحين أفلت هذه الخلافة ضاعت فلسطين!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول أبو حمزة الشامي:

    نعم يكفي للعثمانيين فضلا انهم صدوا الحملات الصليبية مرات و غزوهم في عقر دارهم

  3. يقول خليل ابورزق:

    الدولة العثمانية صعدت و حلقت و حملت الراية طويلا و هبطت و هذه سنة التاريخ
    المهم هو من حل محلها و من يحمل الراية…

اشترك في قائمتنا البريدية