من جديد حول إشكالية الحُكم العثماني للعالم العربي

أشاعت بعض الكتابات في العالم العربي، أن الدولة العثمانية لم تكن سوى دولة إمبريالية جل غرضها التوسع ولو على حساب الأراضي الإسلامية، بل قيل صراحة إنها لم تقم بنشر الإسلام في أراض جديدة، كما فعلت دول الخلافة الأولى، وإن ما قامت بغزوه من أراض غير إسلامية لم يختلف نهجها فيه عن نهج الدول الإمبريالية التوسعية، في عدم احترام لحقوق المُكَوِّن البشري لتلك المناطق، وما تتضمنه من عناصر تختلف في الجنس واللغة والدين، فضلاً عن إعلاء العنصر التركي على باقي العناصر، ورغم أن هذا الموضوع يحتاج لدراسة مطولة يُسْتَشْهَدُ فيها بالمصادر والوثائق، لكن دعونا نلقي عليه القليل من الضوء.
استطاع العثمانيون خلال ثلاثة قرون، أن يقيموا إمبراطورية شاسعة المساحة امتدت لتشمل أهم أقاليم قارات العالم القديم الثلاث، رغم افتقارهم إلى العُنصر البشري، منذ انطلاقتهم الأولى على يد جدهم أرطغرل، الذي كان على رأس أقل من خمسمئة من رجاله المقاتلين من عشيرته؛ فكيف كان هذا التوسع الرهيب إذن؟ ولماذا استطاع العثمانيون تحديدًا فعل ذلك مع كونهم عشيرة عادية ضمن عشائر تركية أخرى أكبر سيطرت على مساحات أهم من الأرض في الأناضول، بعد سقوط الدولة السلجوقية أواخر القرن الثالث عشر الميلادي؟ ذلك إنهم ببساطة اعتمدوا، دون هذه العشائر، على ما اعتمدت عليه دولة الإسلام الأولى، التي عانت في البداية بالمثل من ضعف العامل البشري، فعملت على استيعاب الشعوب الخاضعة حتى صارت مكونًا رئيسًا تعتمد عليه الدولة، كاعتمادها على منشئيها الأُّوَل تمامًا بدون تفرقة تذكر، ما جعل الكثير من تلك الشعوب تنصهر تلقائيًّا في جسد الدولة بمرور الزمن.
ويجدر بنا هنا أن نذكر ذلك الإحصاء الذي أورده أحد المؤرخين للصدور العظام، الذين تعاقبوا على الحُكم خلال فترة ازدهار الدولة (1453-1623)، وعددهم ثمانية وأربعون، كان خمسة منهم فقط يجري في عروقهم الدم التركي، أما الباقون فكانوا من الألبان واليونانيين والإيطاليين والأرمن وبعض الأعراق الأخرى؛ أي أنهم تساووا تمامًا مع الجنس المُؤسِّس، فهل هناك دولة واحدة في ذلك الزمان بلغت المساواة بين عناصرها هذا الحد؟ وفي هذا الإطار يشير الإنكليزي جيبونز إلى أن العثمانيين لم يستطيعوا توسيع أراضيهم في الأناضول إلا بعد الفتوحات التي قاموا بها في البلقان، لأنهم استندوا أولاً إلى تكوين عنصر جديد هو «العنصر العثماني»، الذي استند بدوره إلى الدين وليس عامل الجنس والعرق، لذا انصهر فيه بسهولة كل من كان يعتنق الإسلام حتى من الأعداء أنفسهم، كما حدث تمامًا في صدر الإسلام. وكما كانت الفتوحات الإسلامية الأولى تعتمد على سياسة التهجير والتوطين في الأراضي المفتوحة حديثًا، لسرعة دمجها في الأراضي الإسلامية، عمدت الحكومة العثمانية إلى ترغيب أتراك الأناضول وغيرهم من العناصر الإسلامية للقدوم والاستقرار في الأراضي الأوروبية، التي يغلب عليها العنصر المسيحي، فضلاً عن زرع تجمعات بشرية جديدة صارت نواة لمراكز حضارية إسلامية، ساهمت بشكل كبير في دمج الأراضي الجديد في جسد الدولة، فضلاً عن نشر الإسلام فيها، لكنهم مع ذلك لم يقوموا باتخاذ إجراءات صارمة لنشر لغتهم التركية، كما فعل العرب من قبل، حتى غلبت لغتهم العربية في غضون ثلاثة قرون، ويرجع ذلك على الأرجح إلى سياسة العثمانيين التي نأت تمامًا عن التدخل في شؤون الشعوب الخاضعة، وكان هذا للأسف عاملا من العوامل التي ضغطت بها القوى الغربية في زمن ضعف الدولة، فاستطاعت بلورة القوميات والأقليات التي حرص العثمانيون من قبل على عدم المساس بها؛ أي أن التسامح الزائد في وقت القوة تحول في وقت الضعف إلى معول هدم ينخر في جسد الدولة. وهذا ما جعل هذه الدولة ملجأ لكل هارب من الاضطهاد والتضييق في العالم، مهما اختلفت أجناسهم وأديانهم ومذاهبهم، حتى اليهود لم يجدوا ملجأ من الاضطهاد الأوروبي سوى الأراضي العثمانية.
يقول الألماني كارل بروكلمان: «إذا كانت الدولة العثمانية لا تتدخل من حيث المبدأ في قضايا الدين، فقد انتهت في الواقع الي أن تصبح ملجأ للحرية الدينية بالنسبة إلى اليهود المطرودين من إسبانيا والبرتغال عند منبلج القرن السادس عشر، فما وافت سنة 1590 على وجه التقريب حتى بلغ عدد سكان الحي اليهودي في إسطنبول نحوًا من عشرين ألفًا». ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: «كان هناك مركزان أساسيان لليهود في العالم في القرن السابع عشر: أحدهما الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب كثيرًا من اليهود الذين طردوا من أوروبا الغربية وشبه جزيرة أيبيريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا». ونجد مؤرخا أوروبيا آخر مثل بيتر شوجر في كتابه «أوروبا العثمانية»، يقارن بين الحُكم العثماني في أوروبا وحُكم الدولة الإسلامية الأولى، وهو ما اتخذه ركيزة لبناء وجهة نظره في الحُكم العثماني ككل، فيقول إن النبي صلى الله عليه وسلم، استوعب اليهود والنصارى داخل دولته الإسلامية، بدون أن يطلب منهم تغيير عقيدتهم، وهناك معاهدات ترجع إلى حكمه توضح ذلك وتنظمه، مثل معاهدة نجران عام 631، ويستدرك أنه بذلك نضع أيدينا على المبدأ الإسلامي الأول الذي حَكم شعوب أوروبا الشرقية تحت الحُكم العثماني، فكما أشارت معاهدة نجران إلى احترام القوانين المحلية والعادات، أكد العثمانيون على ذلك في المناطق التي حكموها فور دخولها، بل ضمنوها في القوانين العثمانية اللاحقة التي أصدرها السلاطين تباعًا، والتي عُرفت باسم «القوانين».

اعتمد العثمانيون، مثلما فعلت دولة الإسلام الأولى، على استيعاب الشعوب الخاضعة حتى صارت مكونا رئيسا تعتمد عليه الدولة

وفي مقارنة أخرى، يقول الإنكليزي إدوارد كريسي: «إن الفارق بين نصيب الرَّعايا (أهل الذمة) تحت إمرة أسيادهم الأتراك، وذلك الخاص بأقنان الأرض (الفلاح المستأجر للأرض) في العالم المسيحي تحت إمرة مواطنيهم ونظرائهم المسيحيين المتسيدين عليهم، يتبدَّى عمليًّا من خلال التَّوْق الذي أظهره سكان البلدان الواقعة بالقرب من الحدود العثمانية للهرب من ديارهم، والعيش تحت الحُكم العثماني. ويقول كاتب معاصر للسلطان سليمان القانوني: لقد رأيت جماعات من الفلاحين المجريين وهم يضرمون النار في أكواخهم، ويهربون مع زوجاتهم وأطفالهم وماشيتهم وأدوات عملهم إلى الأراضي العثمانية، التي يعلمون أنهم لن يخضعوا فيها لأي رسوم أو مضايقات باستثناء دفع ضريبة العُشر. وفي القرن السابع عشر علمنا من سانديز أن سكان المورة سعوا بفارغ الصبر للعودة من حُكم البنادقة إلى الحُكم العثماني. وتخبرنا رحلات الدكتور كلارك عن مدى أسف السكان الأصليين للقِرْم من تغيير حكامهم، عندما نجح الروس في انتزاع السيادة من الأتراك على ذلك البلد».
هذه شهادات تعطينا سببًا وجيهًا لرسوخ الحُكم العثماني لدى العديد من الشعوب طوال هذه القرون، فضلاً عن السهولة التي وقع بها الكثير من الأقاليم تحت هذا الحُكم، ودخول مئات الآلاف في الإسلام وتمسكهم به حتى وقتنا الحاضر، في ظل الاضطهاد والتطهير العرقي الذي عانوا منه بعد انتهاء الحُكم العثماني في أوروبا. فإذا نظرنا إلى البوسنة على سبيل المثال، نرى أن تعصب كنيسة روما ضد طائفة الباتاريين التي كانت تنتشر على نطاق واسع في هذا البلد، وما قابله من تسامح تمتعت به مختلف الطوائف في ظل الحُكم العثماني، قد أدى إلى ضم هذا الإقليم بشكل سريع وكامل للدولة العثمانية، حتى أن سبعين حصنا في البوسنة فتحت أبوابها للأتراك في غضون ثمانية أيام، وأُبيد البيت الملكي البوسني، واعتنق الإسلام العديد من كبار نبلائه، ومن ثم كامل الإقليم تقريبًا. ورغم أن التطهير العرقي الذي مورس ضد المسلمين في أوروبا عقب انتهاء الحكم العثماني أباد قرىً وبلدات بأكملها، وهَجَّر مئات الآلاف من أراضيهم، إلا أن شعوبًا استطاعت أن تحافظ على هويتها الإسلامية التي ورثتها من الحُكم العثماني في قلب أوروبا، ولم تؤثر بها ممارسات الشعوب الأوروبية التي تَدَّعي التَّحَضُّر والمساواة، هكذا صمد مسلمو البلقان أمام الحرب العنصرية الطاحنة التي مورست عليهم في تسعينيات القرن الماضي، ما يذكرنا بحروب الإبادة للمسلمين في الأندلس من خمسة قرون خلت؛ فأي احتلال هذا الذي يؤثر على شعوب بأكملها حتى تعتنق عقيدته وهويته طوعًا، بل وتدافع عنها إلى آخر رمق؟
كاتب وباحث مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول تيسير خرما:

    فرق شاسع بين كل من خلافة عثمانية وولاية فقيه وبين خلافة عربية إسلامية قبلهما توسعت بفتوحات فانتشر الإسلام بمعظم العالم القديم، بينما أضاعت خلافة عثمانية 4 قرون بغزو واحتلال مناطق دخلها الإسلام سابقاً ولم تنجح بنشر الإسلام بمناطق غيرها بل قامت بغزو واحتلال مناطق غير إسلامية فلم يختلف نهجها عن إمبراطوريات الفرس والروم وينطبق ذلك على ولاية فقيه فكلاهما لم تستوعب ثقافة أول دولة مدنية في العالم أنشاها محمد (ص) بوثيقة المدينة تحترم مكونات وحقوق إنسان ومرأة وطفل وتحمي نفس ومال وعرض ومساواة أمام عدالة.

  2. يقول مازن ح.:

    الأخ تيسير: لا أدري إذا سمعت بشئ اسمه ال التعريف

اشترك في قائمتنا البريدية