من ذاكرة الفتى المقتول

حجم الخط
3

كنتُ صبياً في نهاية العشرة الثانية من العمر، يغمس يده في الإسمنت الأخضر، تتلطّخ رقبته بالإسمنت. كمن يريد أن يصنع تمثالاً لنفسه. يسأله الأب ألا يتأخر يوماً عن العمل. (فإذا لم تشتغل منذ الآن لن تنال حقك). لم يكن الصبي يدرك الحق الذي يشير إليه الأب. لكنه حين يعود في المساء مزخرفاً بالطين والعرق ويكاد أن يسقط من التعب، يحنو عليه الأب، ويسرد عليه مشاعر الرقيق التي كانت تنتابه عندما ذهبَ للعمل في «زكريت» في قطر الأربعينيات من القرن العشرين، باحثاُ عن لقمة العيش للعائلة. «كان سقط البحر، مثل الصحراء، من الثعابين والشمس لا يرحم، والبحر كان هو غذائنا الوحيد. لم يكن لنا مفرٌ من جزيرة الفولاذ المنصوبة في عرض البحر. كأننا لم نفارق الغوص أبداً. بحرٌ ثقيل تكاد تجاعيده تنطوي علينا واحداً بعد الآخر. ومن يسقط أثناء العمل في البحر لا يجد فرصة للنجاة، حيث أسماك القرش تنتظر هناك جائعة وتحرس العمل من فرار العبيد. وها أنت تريد أن تخبرني عن التعب».

٭ ٭ ٭

الاعتقال الأول
دفعته يد قوية من ظهره بقوة رمته على أرض المكان.. وصفقوا خلفه الباب المشغول من حديد قديم وخشب جديد، وبذل جهداً لكي يفتح عينيه في الظلمة. ظلمة كثيفة تكاد تطبق على جفنيه مثل رماد رطب بارد. سحب جسده المضروب حتى أقرب جدار، اسند ظهره عليه، فلسعته برودة عرف منها أن ثمة قميصا مفقودا ترك جسده عارياً. لمس بأصابعه ركبتيه فغطست في لزوجة دم متخثّر تقريباً. فعندما تذكر آخر اللطمات التي فجرت صوتاً وألماً عميقين في أذنه اليمنى، ترك أعضاءه لما يشبه الانهيار، لكي تأخذ أقصى ما يمكنها من الارتخاء العضلي، استباقاً لما يمكن توقعه لاحقاً.
تناوب على جسده ثلاثة أشخاص، يوجهون له أسئلة بالأيدي والأدوات، وهو يستعرض لهم كل الأجوبة التي يتوقعونها، دون أن يختاروا شيئاً منها. قالوا إنهم يبحثون عن الحقيقة، فأخبرهم إنه هو أيضاً يبحث عنها. غير أن الظلمة سوف تَحول دون العثور على أي حقيقة يشتهي أن يتوصل إليها الإنسان. لكنهم اعتبروا ذلك دعابة ليست في مكانها، فشعر بكل أشجار الغابات وسعف النخل وأحجار الجبال وحديد المناجم وأمواج البحر ومخالب الجوارح وحوافر الوحوش وأنياب الضواري، تستفرد به وتتناوب عليه، تتبادل جسده شلواً شلواً. تصرخ به الجدران وتصيح فيه الأبواب والنوافذ. وهو ساهمٌ سادرٌ وغير موجود. فقد استحوذت عليه جنيّة سَلَبتْ روحه وطارتْ به تجوبُ غرفاً في صدور أصدقاء له في القرى والمدن، يشهقون مع قلبه ويعضدون روحه ليقدر الجسد على التجربة. واستذكر في برق العذاب أصدقاء التجربة في خريطة العرب، عبد اللطيف في الرباط وسميح في فلسطين والحضراني في تعز وسعدي في بغداد.
يؤرجح أصفاده في يديه كمن يعزف أغنيته المفضلة.. يمشي في حديد ثقيل، ويزعم لأطفاله أن للحرية طعما لا تعرفه إلا النفوس الحرة، وإذا صادفَ أن استعاد بعضهم هذا الجسد بعض الوقت، فإن حرية طاغية في داخلي تمنحني الثقة بأن كل هذا زائل، وأن الحرية إذا لم تكن من نصيبي الآن، فإن أولادي أو أولادهم سينالونها.
المصادفات الأسطورية هي التي جعلتني حَداداً. لكن ثقوا جيداً بأنني لم أصنع قيداً طوال حياتي، ربما لأنني جرّبته، وعرفت عذابه ومعناه. هل تسمعون معي إيقاع هذه الأصفاد، إذن اصغوا إليها جيداً.

٭ ٭ ٭

كن مستحيلاً يحمل الرايات
كن يوماً على ليل الطريق
وكن فريقاً يستعير اللون من أعلامنا
لا تنحني في قوس باب النصر
هذا نصرهم
ينتصرون عليك
يا مستحيلاً في الهزيمة
كن غنيمةً من جملة الأسلاب
باب النصر لا يسع الغريب
فيا غريب البيت
يا بيت الغريب
جيوش الروم تنتظر القياصرة الطغاة
فكن نجاة البيت من كابوسه
من يأسه الدموي
كن مستحيلاً يرفع الرايات في ليل الطغاة
كن لي نجاةً،
مثلما الآيات، مثل النجم،
قرآناً لديك.

شاعر من البحرين

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    لقد سمعنا إيقاع الحكاية…
    فقالت تلك الأصفـــاد للفتى:
    ياغريبًا جلجل صوت الحديد
    إنّي أرى حديدًا في الظلام…
    ولا أرى الحداد في المشهد.
    هل للظلام أعيـــنًا من شرر؟
    وهل للظلام لغـــة كالبشـــر؟
    أيّها الحداد كسّر الأصفاد…
    أجعلها جُـــــذاذًا كالحجر ؛
    ثم أعلناها طوفان ظفـــــر.
    فهكذا يكتب الشعــــر…
    بمداد من ملح البحر؛
    كيما يبزغ ذيّاك المحاق
    عن شمس ونجوم وقمر.

  2. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من ذاكرة الفتى المقتول. عندما يتكالب عليك الاوباش لا تحزن الحرية والكرامة وعزة النفس من أجمل ما يتمتع بها الانسان ولا يجب التضحية بهما مهما كان الثمن يعتقد البعض انهم من الممكن أتمكن من الحر واذلاه وهذا وهم من أوهام الخيال امهتنا ولدتنا احرار ويجب نحافظ على ما خلقنا الله عليه ولكن ضعاف النفوس في عالمنا المعاصر ليس مقياس لشيء هؤلاء شواذ القعدة. قابلت في حياتي فقراء حتى النخاع ولكن عزة النفس أيضا حتى النخاع وقابلت في حياتي اغنياء لدرجة لا يعلمون ما عندهم في البنوك ولم أتمكن بعد تركي لهم من عدم الاستفراغ من حقارة ودانئة النفس والبحث عن سرقة الفقراء والمساكين نحن نعيش في عالم حقير غريب المهم. في يوم بعد حوار طويل مع والدي رحمه الله رحمة واسعة ملئ السماوات والأرض وما بينهما. وكنت انا المتكلم وطلب مني والدي انهي ما أقول او اعمل وقفة بسيطة لكي يقول لي شيء وفورا أوقفت كلامي وقال لي لا تحزن نحن نعيش في عصر الهرم المقلوب لا تحزن والحمد لله فهمت ما قال واعتبرتها حكمة وهذا عام 1960 الزمن الجميل. وتحياتي إلى الشاعر الجميل الأستاذ قاسم حداد من قلب يعشق الحرية. وتحياتي إلى القدس العربي. وشكرا

  3. يقول د.درغام قاسيون:

    الاخ الدكتور جمال..كلماتك نبال سهام نصيب الهدف بمهارة قناص..وتضفي على المقال آية
    من الجمال.بورك قلمك.

اشترك في قائمتنا البريدية