مَنْفى التَّجْرِبَة

[1]

لا يبدو أنَّنِي أضع المنفى في غير مكانه، كما أنَّنِي لا أضع التجربة في مكان ناءٍ عنها. ثمَّة ما يُبرِّر هذا العِناق، في علاقة التجربة بالمنفى، وفي علاقة المنفى بالتجربة. أقصد التجربة الشعرية التي تَخُصُّ شاعراً دون غيره، وتكون جزيرة في ماء آهِل بالقلاع والحُصون، وبالسفن التي تتردَّد على الماء نفسه، بالسلع والبضائع نفسها، والرَّبابِنَة نفسهم، وحالات الطَّقس نفسها التي تُصْبِح ضمن ما يَحْدَسُه هؤلاء الشُّعراء، من تعوَّدُوا على الماء نفسه، بالأمواج نفسها، وبالزرقة نفسها، أو ما يطفو على الماء من ملوحَة يُغَيِّر البَحْر بها ألوانَه، أو هي ما يُغَيِّر لون البَحْر، بما يجري فيه من أصْباغِ الفُصول وأطيافِها.

(2)

المنفى غموضٌ، وجود في منطقة البين بين، في البرزخ، في ما لا يمكن أن يكون أرضاً ولا سماءً. المنافي كثيرة، وهي حالة من حالاتِ الاغتراب، قد يكون اغتراباً مُؤقتاً عابراً، وقد يكون أبدياً، يصير مع الزمن قبراً للغريب، ومثْوى لجثمانه.

أما المنفى في علاقته بالتجربة، فهو منفى اختياري، خصوصاً في علاقته بالكتابة، وبالشعر تحديداً. فالشاعر حين يميل إلى التجريب، وإلى أن يكون له أفق، وله طريق، فهو، في هذا السفر المُعْتِم، يعي جيداً، أنه يسير في غير آفاق، وفي غير طُرُق الآخرين، وأنه، حتماً، سيكون «غريب اليَدِ واللسانِ»، بمعنى الغُرْبَةِ والغرابة معاً. وهذه الغربة والغرابة، هي كتابتُه نفسُها، هي هو في اختياراته، في طبيعة الماء الذي اختار السباحةَ فيه، في دَمِه ونَبْضِه، في أنفاسِه الحَرَّى بلُغتِها، وبما يتجاوز اللغةَ، أو يَسْتَدْرِك شُقوقها، وما فيها من تصدُّعات وتشققات، وفي السماء نفسها التي اختارَ التحْلِيقَ فيها، غير مشغول بمن يتدافعون نحو الأفق نفسه، ونحو الطريق نفسه، واللغة نفسها، والخيال نفسه، والمفاهيم والرُّؤَى والتصوُّرات نفسها، في نوع من الائتِلاف الذي ينفي الاختلافَ ويَنْبُذُه، بل يُقْصيه، ويعتبره لا شيء، قياساً بما اعتادوا عليه، أو ما اطمأنوا إليه، وصار عندهم هو الشعر، في صداه، وفي رجع هذا الصدَى، وكأنَّ الصَّوْتَ تلاشى في هذا الشبيه، وهذا الواحد الأحد الذي لا يسوغ الاختلاف، ولا يقبله، كما لا يسُوغ التَّعدُّد، ويراه انحرافاً عن الاجتماع، أو عن «الإجماع» بالأحرى.

(3)

منفى التجربة، سَعْيٌ لاقتلاع الذات من تربتها، من مائها وهوائها، من جذورها المُتحرِكَة في أعماق التربة، من رَحِمِها الذي تنمو فيه الأجِنَّةُ كشجر يتسِعُ لكل الأراضي، وكل الأراضي تتسِع له، كما أنَّها، مِنْ قِبَل من لا يقبلون بالسؤال وبالنقد، وبالمُغايَرة وبالاختلاف، هو اعتداء على اللغة، واعتداء على ما استقر من صُوَر وتراكيب ومجازات، ما أصبح قاعدة وقانوناً، لا يمكن السماح بتخَطيه واختراقه. كل تَخَطٍّ واختراق، اعتداء وجَبَ صَدُّه ومواجهته، باعتداءات أكثر شراسَةً، كُلّ الأسلحة فيها مُتاحَة، بما فيها القَتْل، إذا ما كان المنفى لا يُفِيد في إسكات هذا المختلِف الشّاذّ المُـخْتَلِق، الذي لا يجوز أن يُقاسَ عليه.

(4)

كون الثقافة التي نشأنا فيها، هي ثقافة مُحافِظَة، أو تميل، بعد فُتور الزمن ومُروره،  وهيمنة الخَرَف على العقول والأخيلة، إلى تكريس الجديد، بتحويله إلى مَكْسَب، وباعتباره قديماً لا يمكن تخَطِّيه، فهي تسعى، بهذا «الإجماع» إلى استبدال قديم بقديم، أو بوضع هذا القديم في طريق كُلّ مُحْدَث، بدعوى الإفراط في التحديث، أو في التجديد، أو بالخُروج عن «الحدّ الأقصى» للتجديد، الذي لا بُدَّ له، في لحظة ما، من أن يصير مثالاً ونموذجاً، بل هو القانون الجديد الذي به نعرف الشعر، وغيره خَرْقاً، وإخفاقاً، و«ليس من شِعْر العرب في شيء»، كما قيل عن شِعر أبي تمَّام، الذي تَمَّ عزله عن الشعر واللغة العربيين، ونفيه خارج قبائل الأسلاف وشعوبهم.

(5)

من يتأمَّل ما يجري في الشعْر العربيّ المُعاصِر، سيجد نفسَه أمام مشكلة «تَعايُش» الطرُق والاتجاهات الأدبية، أو الكتابات الشعرية، ليس من باب التعدُّد والتنوُّع في الشعرية العربية، بل بما يشي بتعثر الانتقال، ووُجود مُقاومة قوية، تنتصر للتقليد والتبعية، ولثقافة الماضي، بما فيها الماضي القريب، هذا الجديد الذي دخل دائرة القِدَم والتكرار. وهذا لا يمكن أن نجده في ثقافات أخرى، رغم اقتراضنا منها، وادِّعائنا المعرفَةَ بها. المسافة كبيرة، يمكن التِماسُها في ما يصدر من شِعر، وما يُكْتَب من دراسات وقراءات، ليس فيها ما يُفِيد النقد والمُراجعة، والجرأة في تغيير المنهج والمفهوم، ولا في الاستماع إلى النص والتجربة، ما يقولانه، وما يقترحانه من أفق ومن طريق، أو من انقلاب في الفكر والفهم والنظر.

نقرأ شِعراً آخر، مُعبَّئِين بشِعر عام، ما يكتبه ويقوله الجميع، وما صار أليفاً، مُساغاً، لا ريبة ولا شَكّ فيه. وهذه هي طمأنينة الثقافات التي لا تقبل التجديد إلا بمقدار، ولا تقبل المُغايِرَ، بل ترفضُه، وتُهاجِمُه، وتعتبره غير ذي صلة بالشعر، ولا باللغة، ما دام الشعر واللغة، هما المُشْتَرَك العامّ، الذي يكتبه الجميع، في الشكل نفسه، والبناء نفسه.

(6)

الذاكرة الشعرية، هنا، هي ما يُهَيْمِن، وهي ما يحكم فهمنا للشعر، باعتباره جذراً واحداً، ينمو ويكبر في الاتجاه نفسه، والغابَةُ كُلُّها، نشأت في حُضْن الجِذْر نفسه، ولا يمكن أن تكون الجذور مُتحوِّلَةً، تتحرَّك في أكثر من تربة، وفي أكثر من اتجاه، وتُـحْدِث اختراقاتها، لتنشأ في غير ما كان من تُرْبَة، ومن شجر، ومن ظلال.

لا معنى للمنفى ما لم يكن قَتْلاً، أو رغبةً في القَتْل. ولا أحد ممن يُكَرِّسون هذا النفي، وهذا الإجلاء والإلغاء والإبعاد، يقبل أن يستمع إلى غير صوته، وكلامه، السبب هو أنَّ الصدَى محا الصوت، غلبَ عليه، ألقاه في الماء، وأخفاه. فصار الصدى هو نفسه الصوت، ما أدَّى إلى طمس وحَجْب الشعر الذي أعاد النظر في الشعر، بما فيه ما نراه كآخر ما بلغَتْه الحداثة، دون التساؤل بشأن الحداثة نفسها، وما فيها من أعطاب، هي ما أجَّج مَعاوِلَ الهدم في الحداثة ذاتها، وما كشف أعطابها، وكأنَّنا جميعاً كُنَّا في غيبوبة صدماتها، ما دامت حرباً على الماضي، ورغبةً، ليس في نقده، بل في حجْبِه، ما لا يُفِيدُ في فهم القديم، ولا في فهم الحداثة نفسها، وهذه هي الصدمة المُضاعفَة التي منعتْ عنَّا وُضوح الرؤية، لتستغرقنا «القصيدة»، وتستغرقنا بنياتُها، وما سَعَيْنا لرفضه فيها، لنجدها ما تزال هي الجذر الذي تفرَّعَت عنه أوْهامُنا.

(7)

الشعر تجربة بالمُفْرَد، لا بالجمع. ما يحدث من لقاء في الجمع، هو تَصَادِ، شريطة أن يكون ابتداعاً، لا اتباعاً، وسيراً في غير ما هو مطروق من طُرُق. ثمَّة من يكتب، في المغرب، كما في المشرق. دون تجربة، تقوده اللغةُ، وليس هو من يقودها، أو يُعْطِي الأسبقية للبناء، لمعمار النص، لِنَسْجِه، وما يتأسَّس عليه من دوالّ، اللغة هي واحدة منها، وثمَّة من الدوال، ما ليس «خَطّاً» بالضرورة، بل علامةً، ورسماً، وإشارةَ، بياضاً، وتوزيعات خطِّية على الصفحة، بما فيها زوايا، ومن امتداد، لا بداية ولا نهاية له، ولا أوَّل ولا آخر له.

في التجربة نَغْتَرِب، وهي غربة رامبو نفسها الذي استيقظ الجميع على جنونه، كونه العقل الذي اهْتَدَى بخيال خلاق، وبكتابة، اللغة فيها صارت بغير ما كان سابقاً عليه من لغات، أو مُعاصِراً له من أساليب.

منفى أبي تمَّام، والمعري، والنُّفَرِيّ نفسه، وغيرهم من الشُّعراء، من تجاربهم كانت هي حياتهم، عكس غيرهم من  الشعراء، من كان شِعرهم حَتْفُهم، لأنَّه لم يكن منفى، أو لم يكن تجربة، وهذا ما نراه يجري على الثقافة العربية المُعاصِرَة، ثقافة فيه الصَّدى يصير هو الصوت.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول S.S.Abdullah:

    روعة أي عنوان مثل (مَنْفى التَّجْرِبَة) يتمثل في شدة مصداقية التوافق، مع شرح المعنى له، تحت العنوان،

    ومن هذه الزاوية أفهم أن الإبداع في ثقافة الأنا، يعني أن تجلس في برج عاجي، يا (مصطفى بوسريف)،

    لأن من وجهة نظري، الإبداع الحقيقي، عندما تعيش المشاكل مع ما حولك، من أجل إيجاد حلول، من أجل رفع مستوى الرفاهية والسعادة حولك.

    في أمريكا فن Stand Up Comedy يُبدع به مسلم Dave Chapple ومنها ما سمّاه Space Jew’s.

    https://youtube.com/shorts/PVzWiH3ilKA?feature=share

    يجب أن ننتبه إلى أن السوق للأسهم شيء، وسوق العمل شيء آخر،

    العمل، من خلال جهد فكري وعضلي، مقابل راتب شيء،

    العمل، من خلال لغة الجسد (قحبة/قواد)، بلا وقت محدّد مقابل أي أجر شيء آخر،

    من لا يستطيع التمييز بينهم، لا يفهم معنى الأسرة، أو الأخلاق، أو الدين، أو الانتماء والمسؤولية، في الأسرة الإنسانية، على الأقل من وجهة نظري.??
    ??????

اشترك في قائمتنا البريدية