ناعوم تشومسْكي: المثقّف التّنْويري الذي يصعب تدجينه

لنا أن نتساءل اليوم كيف لم يمنح ناعوم تشومسكي جائزة نوبل وهو الذي غير نظام اللسانيات معرفيا ومخبريا أفادت علماء كثيرين فازوا بنفس الجائزة وناضل باستماتة ضد الظلم ومن أجل الحق الإنساني، ربما لأنه مثقف لا يشبه إلا نفسه، رجل مشاكس، حامل لرؤية إنسانية عميقة، حاضر في كل أحداث العصر ونادرا ما يكون غائبا، مخترقا عصرا بكامله اتسم بالعنف والبرمجيات الخارقة. على الرغم من سنه لم يصمت قط إلا عندما أسكته المرض والسكتة الدماغية الحادة، لدرجة أن الناس ينسون كليا وظيفته اللسانية الأولى الأساسية، إذ غير نظام البنيوية التي حصرت الجهد المعرفي في دائرة ضيقة، لم يسمح لهذا النظام بالانغماس في الحياتي والمعرفي معا. ربما كان بعد دي سوسير، أحد أهم أقطاب اللسانيات التطبيقية. بهذا المعنى، هو الأستاذ النموذجي الذي لا يعزل نفسه فقط داخل جهده الجامعي مثلما نرى ذلك اليوم، إذ لا يتخطى الأستاذ عتبات الجامعة أو مخبره. نعوم شومسكي نسف كليا هذه الممارسة. النظرية ليست في النهاية إلا نتيجة حية للنشاط البشري، ذهنيا كان أم فعليا. من حرب فيتنام التي رفضها ووقف ضدها في عز شبابه، إلى فلسطين حيث ناهض الصهيونية بكل أقطابها ومبرراتها وشركائها كأمريكا. هذا التعاطف مع عدالة القضية الفلسطينية، جعله أكثر عرضة للإيتايلشمنت الصهيوني إذ كيف ل»يهودي» أن «يخون» دينه وثقافته العريقة ويساند «الإرهاب». وقف ضد الصهيونية ومشاريعها التدميرية، إذ كيف للعقل البشري أن يقبل بتشريد شعب بكامله ويحِلّ محله شعب آخر؟ فمن أين جاء هذا المثقف النموذجي «العضوي»؟ على تعبير المفكر الإيطالي غرامشي الذي أعاد النظر في مفهوم «الطبقة» وعوضها ب»الكتلة» التي هي أوسع التي ينتمي لها المثقف، ومنحه دورا أوسع في التغيير.
ولد ناعوم شومسكي في فيلادلفيا من أب أوكراني ومن أم بيولوسية هاجرا من روسيا في اتجاه أمريكا في سنة 1913. امتهنا تعليم العبرية لغير الناطقين بها. كبر تشومسكي في هذا الفضاء اللغوي اليهودي بكل ثقافاته وبنياته التقليدية قبل أن يلتحق بالهايت سكول فيلادلفيا Central High School de Philadelphie للتعليم الحديث. عاش في فترة امتداد الفاشية في إسبانيا وفي غيرها في أوروبا. ترك ذلك أثرا كبيرا في نفسه وأفكاره، مثل الكثير من المثقفين. اقترب كثيرا من النخب «الفوضوية» Les anarchistes، الذين شكلوا تيارا رافضا لكل المسلمات قبل أن يلتحق في 1945 بجامعة بنسلفانيا كأستاذ للعبرية لتمويل تكوينه الأساسي في قسم الفلسفة واللسانيات. في الجامعة تأثر بقوة بأفكار أستاذه وصديقه زليق هاريس Zellig Harris الذي جمع بين السياسة واللسانيات. زواجه باللسانية دوريس شاتز  Doris Schatz التي توفيت في 2008 عمق لديه خياراته اللسانية في منظوراتها الجديدة، نتج عن هذا التوجه الاهتمام ب: البنيات النحوية واللسانية التي تحولت لاحقا إلى كتاب تأسيسي مهم. وبفضل رومان ياكوبسون، التحق تشومسكي في سنة 1955 بمعهد ماساشوست للتكنولوجيا كأستاذ مشارك. في سنة 1964 انضمّ لنقاشات الحرب الفيتنامية ليصبح أحد أهم الرافضين لها، والمقاومين للعدوان الأمريكي الذي مسح مناطق بكاملها لدرجة أصبح من المستحيل الصمت بحجة العمل الأكاديمي داخل أهم المخابر الأمريكية. كتب في هذا السياق مقالته المهمة في فبراير 1967 التي تحمل عنوان «مسؤولية المثقفين» ونشرها في «نيويورك روفير أوف بوكس» New York Review of Books عالج فيها فكرة دور المثقف في المجتمع، ومسؤوليته لأنه الأقرب إلى معرفة الحقيقة. مناصرته للعساكر المتمردين الذين رفضوا الحرب الأمريكية ضد فيتنام تسبب في جره نحو المحاكم واعتبر شخصية «عدوة» و»مناهضة» قبل أن يوضع في القائمة السوداء. وعلى الرغم من المتابعات القضائية فإنه خلق في أمريكا تيارا قويا رافضا للقرارات الظالمة للمؤسسات السياسية الأمريكية. ونظرا لجهوده العلمية الكبيرة، عيِّن في النهاية كأستاذ كرسي مشرف على موضوعة «اللغات الحية واللسانيات» وقد رفض كليا «نقد ما بعد الحداثة» للعلوم والبنيوية وفتح المجالات السجالية نحو أبعاد وظيفية أوسع لعلم اللسانيات بإدراج علم النحو التوليدي كان لذلك دور مهم في اكتساب المهارات اللغوية. نظرية تأثر بها الكثير من العلماء الذين نالوا جائزة نوبل بينما منع هو منها، ما يدل على أن الحسابات السياسية جزء بنيوي من جائزة نوبل. فقد ظل موقفه واضحا من القضايا العادلة. لم يصمت حيث سكت أغلب المثقفين. واعتبر تشومسكي جزءا من السياسة الأمريكية، سياسة إجرامية شبيهة بممارسات المافيا. حتى إنه أعاد النظر في بعض المفاهيم، منها مصطلح «الإرهابي» الذي اعتبره سلاحا أيديولوجيا بالدرجة الأولى، كما تبنته أمريكا والذين يدورون في فلكها، العاجزون عن الاعتراف بأن ما يقومون به هو عمل إرهابي. لم تنفذ من مشرطه النقدي سياسة الاحتلال الإسرائيلي العنصرية التي لا تقود إلا إلى المزيد من الخراب والدمار. ما يحدث اليوم في غزة دليل حي على صدق أطروحاته. مساندة أمريكا لإسرائيل بشكل أعمى لا يقود في النهاية إلا إلى المزيد من الانهيار لأي مخطط للسلام. وكان ذلك من أسباب منع دخوله في 16 مايو 2010 الضفة الغربية لإلقاء محاضرة حول القضية الفلسطينية، في جامعة بيرزيت. حجز أكثر من أربع ساعات قبل أن يُعتبر شخصا غير مرغوب فيه في إسرائيل ويمنع من الدخول. خسرت فلسطين بوعكته الصحية الحادة أحد أهم الشخصيات الأكثر عدلا ودفاعا عن الحق. حتى أحداث 11 سبتمبر التي سار في طريقها بالرؤية الأمريكية غالبية المثقفين، وضعها تحت المجهر النقدي بنشره لكتاب صغير هو مجموعة من الحوارات: «تشريح الإرهاب»، التي صرح فيها بأنه لا يمكننا أن نعتبر أن أمريكا ضحية فعل إرهابي إلا إذا نفينا مسبقا ما أقدمت عليه أمريكا من اعتداءات ضد العرب والمسلمين وغيرهم. ونظرا لنجاح الكتاب إعلاميا، نشر نصا آخر في نفس الموضوع: «السلطة والرعب»، ظهر في مارس 2003 ، فضح فيه الآلة الدعائية الأمريكية مع الإدانة الصريحة للعمل الإرهابي الذي تسبب في مقتل الآلاف. ذهب إلى أبعد من ذلك معتبرا أن اغتيال بن لادن من طرف القوات الخاصة، يعد جريمة لأنها تمت خارج كل أطر العدالة وباختراق كلي لسيادة بلد ولكل القوانين الدولية، إضافة إلى أن جرائم بوش في العراق وفي غيرها أفدح بكثير. كما وقع على عريضة تدافع عن روبير فوريسون Robert Faurisson الذي أنكر كليا وجود «غرف الغاز» النازية في الحرب العالمية الثانية. اضطر بعدها إلى التوضيح في نص صغير بقوله إنه دافع عن حق الإنسان في التعبير عن رأيه وليس موافقته في الرأي. وهو موقف كلاسيكي مرتبط بحرية التعبير التي قدستها فلسفة الأنوار الفرنسية، والمادة التعديلية الأولى في الدستور الأمريكي.
هذا هو الرجل العظيم ناعوم تشومسكي، وأكثر، الذي أخطأته جائزة نوبل، بأبحاثه ونضاله المستميت من أجل السلام. لكن عندما تكون رؤى العالم ضيقة وهيمنة المال الفاسد والإيديولوجيا، لا يمكن أن تكون النتيجة إلا على الصورة التي نعرفها اليوم. ويظل تشومسكي جزءا من الذاكرة الجمعية الإنسانية كابن رشد وفولتير ومارتن لوثر كينغ، وغيرهم. وهذا هو الأبقى.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول بغدادي محمد:

    بالفعل لولا ان جائزة نوبل لم تكن لها حسابات سياسية في بنيتها لكان ناعوم تشومسكي والكاتب واسيني الرافضان للظلم أين ما كان و العنصرية الصهيونية من اجدر العلماء في الحصول عليها . لكن اليد الصهيونية متحكمة في مصيرها. للأسف

  2. يقول جلال:

    جاءزة نوبل ليست قياس للعبقرية الأدبية والعلمية..هي مقياس للانجازات التي تهم أكثر
    عدد من الناس في مجالها.

  3. يقول المنبه الإخباري -:

    لقد غصّت صفحات وحسابات خاصة بمنصات التواصل الاجتماعي بعبارات النعي لعالم اللسانيات والمفكر السياسي الأميركي نعوم تشومسكي، إذ قيل إنه توفي عن عمر يناهز 96 عاما.
    وبالبحث في أبرز وكالات الأنباء العالمية والمنابر الدولية الموثوقة، لا نجد أي خبر أكيد عن وفاة تشومسكي، كما أن الخبر لم يؤكد من طرف أي من المقربين من هذا المثقف العالمي.
    المؤكد أن تشومسكي لم يظهر علنا منذ حوالي عام بأكمله، وكل ما كتب عنه في الأيام الأخيرة هو إصابته بسكتة دماغية، ويتلقى الرعاية الصحية بمستشفى في البرازيل، وفقا لزوجته.
    وقالت زوجته، فاليريا تشومسكي، لوكالة Associated Press، عبر البريد الإلكتروني، إن زوجها نعوم تشومسكي موجود حاليا في مستشفى ساو باولو في موطنها الأصلي بالبرازيل، بعد إصابته بسكتة دماغية، في شهر حزيران (يونيو) من العام الماضي. وأردفت أنهما سافرا على متن طائرة إسعاف مع ممرضتين عندما أصبح بصحة جيدة بما يكفي لمغادرة أمريكا. وأكدت فاليريا ما ورد في صحيفة «فولها دي ساو باولو» البرازيلية بأن زوجها يعاني صعوبة في الكلام، وأن الجانب الأيمن من جسده متأثر. وتابعت أن طبيب الأعصاب واختصاصي النطق واختصاصي الرئة يقومون بزيارته بشكل يومي – نتمنى له من الأعماق دوام الصحة والعافية !!

    1. يقول رجاء السليماني:

      أحسنت الأخ المنبه اإخباري – بارك الله وحيّا وسدّد الخطى

    2. يقول الرَّائِي:

      رائع أيها المنبه الفذ !؟

  4. يقول محمد سواعي:

    ما الذي يحدو بكاتب عربي شهير مثل واسيني الأعرج أن يستعمل مثل العبارات الأجنبية التالية بدلاً من مقابلها العربي؟ ألا يمكن استعمال «المؤسسة» بدلاً من «للإيتايلشمنت» [كذا] [المقصود الإيتابلشمنت الفرنسية]؟ أو «المدرسة الثانوية» بدلاً من «بالهايت سكول» [كذا] [المقصود الهاي بالإنكليزية وليست الهايت].

  5. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكرًا أخي واسيني الأعرج. فقط هذا مقطع صغير من مقابلة لنتعرف على رأي ناعوم تشومسكي والله يشفيه ويطول بعمره. بالعودة إلى رأيي فيما يعتقدون هم: إن لم يتدخلوا في القصير، فإنها كانت ستبقى في يد مقاتلي المعارضة، وهذا بالطبع يجسد انحداراً في قوة النظام السوري، وبالتالي حصار الإمدادات الواصلة إليهم من إيران، وبالتالي ضعف قوتهم العسكرية تدريجياً في وجه إسرائيل، وهي ذريعتهم الأساسية للاحتفاظ بالسلاح. مجدداً فإن خياري، والذي من الواضح أنه ليس خيارهم، كان بعدم التدخل في سوريا والعمل على تعزيز دورهم كقوة اقتصادية واجتماعية داخل لبنان، ومقاربة مفهوم قوة الردع بطريقة أخرى، المفهوم الذي برأيي لم يعد قائماً بنفس الطريقة التي يظنها البعض. بصراحة لا يتم الانتباه هنا إلى ما يدور داخل إسرائيل في هذا الصدد، وهذا خطأ كبير. هناك أحاديث أن الإسرائيليين تعلموا من حرب 2006 أن أي حرب قادمة في لبنان لن تقوم على مبدأ خوض معركة برية طويلة مع حزب الله، الذي يملك ترسانة صاروخية كبيرة، وإنما ستكون حرباً خاطفة وسريعة تسعى للتدمير الشامل، ربما تدمير لبنان خلال يومين. وقوة الردع عند حزب الله لن تمنعهم.

  6. يقول لبنى شعث - فلسطينية مغتربة:

    يُشكر جزيل الشكر الأخ المنبه الإخباري على إيراد المهم عن الوضع الصحي لعالم اللسانيات والمفكر السياسي الفذ نعوم تشومسكي، مع تمنياتنا له بالشفاء العاجل والحياة المديدة –

اشترك في قائمتنا البريدية