نحن دولة بلا أمة أم أمة بلا دولة؟

قبل فك الارتباط بين الدولة ـ الأمة، ومن ثم إعادة بناء ما تفكّك من الارتباط بين الدولة – الأمة، لابد من توجيه انتباه القارئ إلى أن دال الدولة ودواله بمعنى التحوّل والزوال، يرتبط بخيارات الدولة ـ الأمة في التحرّر من الأيديولوجيات القومية والدينية، خاصة أن القومية لم تعد رابطة قوية، بل أخفقت في كيفية تمثيل ذاتها النهضوية، ليس لـ»أنها مرحلة وليست نهاية»، وإنما لـ»أنها ذات طبيعة شعبوية ومعادية للديمقراطية»، حتى التاريخ لم يعد رابطة مشتركة للجغرافيا كوعاء سياسي في الأساس. إذن، فما الذي تبقّى من خيارات الدولة ـ الأمة؟
وبذا فإن الشاغل المركزي لنا هو: نحن دولة بلا أمة؟ أم أمة بلا دولة؟
وقبل ذلك، ما الذي تفكّك في الحياة العربية؟ الدولة أم الأمة أم كلاهما؟ ولماذا ينبغي فك الارتباط بين الأمة العربية والأمة الاسلامية؟ وإلاّ فما تعليل الاختلالات العضوية في بنية التعالق القائمة بين الأمة العربية والأمة الإسلامية؟ من هنا نرى أن القومية، والقومية العلمانية على وجه التحديد – لم تعد صالحة لمفهوم الأمة العربية الإسلامية، خاصة أن مفهوم القومية العلمانية يجمع بين الانكفاء على الذات والانفتاح على الآخر، ليس لأن العروبة جوهر أساسي في الإسلام، وإنما لأن الإسلام ليس واحداً في العالم، فقد انقسم على ذاته إلى، خوارج ومذاهب وطوائف، لهذا «ظل حبيس الأفق الديني» فتجمّد عند حدود أدينة الدولة وقومنة الأمة. إذن «الدين لا يصلح ـ كما يرى ساطع الحصري ـ كناظم لمفهوم الأمة» ( نقلا عن السيد عمر «حول مفهوم الأمة في قرن- نقد تراكمي مقارن»)، وإلا فما علاقة الأمة العربية بالإسلام دينا؟ إن كانت اللغة أساس القومية، وأداة التخيّل العـــربي للأمة، فإن طاقة الخطأ تكمن في اختزال مفهوم الأمة إلى اللغة كجوهر أساسي في الإسلام.
لهذا لم تعد القومية العلمانية تمتلك من عناصر القوة والثبات في مواجهة العولمة، بما يجعلها ذات حيوات متجدِّدة مع روح العصر وقوانين تطور حركة التاريخ، فقد أطاحت العولمة بالقوميات والأعراف الدينية، حتى تراجع الدين، ليس بسبب الأدلجة السياسية، التي انحرفت به باتجاه راديكالي، وإنما بسبب اللبرلة، التي استدعت الوعي المتحوِّل بالتغيرات الكبرى في العالم، التي خضت البنيات التحتانية للحياة العربية، وخلخلت البنيات الفوقانية لها في آن.
وإن كان المسلمون «نواة» منها تبدأ دائرة الدولة، فهل الدولة القومية «عربية متعدِّدة الأديان» (محمد عمارة «هل المسلمون أمة واحدة؟»)، وإن كانت كذلك فعلا، فقد جوّز عروبة مَن استعرب، أي مَن تكلّم العربية، فهو عربي، وذلك وفق دمج اجتماعي بصيغة أسلمة غير العربي، وهذا ما ينطبق أيضا ًعلى أسلمة الشعوب غير الإسلامية عبر الفتوحات الإسلامية.
لقد اسُتخدِمت العربية، كأداة لتخيّل أمة دينية، لم تخرج عن إطار القومية كجماعة متخيلّة، على نحو مناقض تماما لأي أمة متعدِّدة اللغات. وإن كانت اللغة أداة التخييل، فهل تمتلك اللغة «القدرة على تشكيل الجماعة المتخيلة، وعلى بناء التضامن»، كما ذهب عزمي بشارة إلى ذلك؟ ( بندكت أندرسن «الجماعات المتخيلة» مقدمة عزمي بشارة)، وإن كانت كذلك أيضا، فما تعليل سرد العربية، الذي اجتمعت فيه تناقضات الواقع العربي مع جماليات الحياة العربية للدولة ـ الأمة على سطح واحد؟ ورغم أن فضاء الأمة في التاريخ العربي الإسلامي لا يتطابق مع التأسيس التاريخي للدولة ـ فإن ما يعنينا أكثر من مفهوم الدولة ـ الأمة هو فضاء الشعب، لهذا فإن الأيديولوجيات السياسية ذات طبيعة عمياء في تمثيل الشعب، خاصة بعد أن أخذت سرديات الأمة ـ الدولة تتشكل بخطابات الأقليات والثقافات المتغايرة للجماعات المتخيّلة. إذن هل ثمة تجانس بين الاختلافات المعرفية والثقافية والدينية والإقليمية بين الأمة العربية والأمة الإسلامية؟
في القرن الحادي والعشرين، أخذت الأمة العربية، وحتى الإسلامية تتفكّك فيها الروابط والهويات والعلاقات العربية ـ الإسلامية، على النقيض تماما من دولة الأمة الأوروبية والأمريكية التي دمجت بين القوميات والهويات المختلفة بدلالة الاتحاد الأوروبي، أو الوحدة الأوروبية، بعد أن تخطى الدمج الاجتماعي للقوميات التاريخية والحدود الجغرافية، حتى أصبحت الهويات أكثر تمثلا ً لذاتها، وأكثر اتساعا لاستيعاب العرقيات الأخرى، وبذا فإن «ما يقدَّم أساسا ً لشرعنة الأمة التعدّدية هو التخلّي التدريجي عن فكرة الأمة، بوصفها كينونة تتألف فقط من مجموعات معينة، تتمتع بامتيازات يحدّدها التحدّر من سلالة ما، عبر مسار تاريخي لصالح الفهم الواسع لها، باعتبارها تشمل بالتعريف ما هو أبعد من المجموعات التقليدية « ( ريتشارد مينش «الأمة والمواطنة في عصر العولمة» ترجمة عباس عباس).

لقد ظهرت القومية كأيديولوجية سياسية مع الثورة الصناعية، ومع نشوء البورجوازية، وصعود الليبرالية، لتقترن بمفهوم الأمة.

وفي بلادنا العربية تفتقد الدولة ـ الأمة إلى التكامل الاجتماعي، بينما يقوم التكامل الأوروبي على فكرة أوروبا، بوصفها «جماعة مدنية»، فإن كانت بريطانيا أمة منبثقة من المجتمع المدني، فإن فرنسا أمة منبثقة من فكرة الدولة، كما استخدِمت الفكرة الثقافية للأمة كأداة لشرعنة بناء دولة أمة ألمانية موحدة، وفق حدود اللغة والثقافة، وبذا فالدولة الأوروبية، أمة ثقافة أكثر منها أمة قومية. إذن نحن بحاجة إلى دولة ـ أمة بالمعنى الثقافي؟ أم دولة – أمة بالمعنى السياسي؟ وهنا يستدعي هذا السؤال إلى الذهن إشكالية أخرى: أن نستخدم الدولة في تعريف الأمة؟ أم نستخدم الأمة في تعريف الدولة؟ وإلا ّ كيف تتمأسّس الذات العربية الإسلامية: كدولة ـ أمة؟ أم كأمة ـ دولة؟ يقول ريتشارد مينش: «ما بين سبعينيات القرن الثامن عشر وثمانينيات القرن التاسع عشر، حدث تحوِّل من الثقافة ـ الأمة إلى الدولة ـ الأمة، وبين ثمانينيات القرن التاسع عشر و1945 حدث التحوّل من الدولة ـ الأمة إلى القوم ـ الأمة» ( ريتشارد مينش «الأمة والمواطنة في عصر العولمة»). وسواء كانت القومية التي ظهرت في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته مجرّد أيديولوجية بورجوازية أو أيديولوجية شمولية، فإن القومية تمثل العصبيّة القبلية للأمة، وبذا تلتقي فكرة الأمة مع فكرة القومية، ولكن الأمة كمفهوم تاريخي أقدم من مفهوم القومية كظاهرة اجتماعية ولغوية.
ولكن أندرسن ميّز ثلاثة أنماط من القومية: القومية الرسمية والقومية الشعبية وجمهوريات المواطنين، التي جاءت بها الجمهوريات الأمريكية إلى العالم، كنوع من القومية، لهذا نرى أن فكرة الأمة قائمة على الانتماء القومي، الذي يرتبط بالسياسة، وذلك تعبيرا عن ارتباط الوعي القومي بالوعي السياسي. وإن كانت القومية «جماعة متخيّلة»، فقد اقترح أندرسن تعريف الأمة بروح أنثروبولوجية، حيث «هي جماعة سياسية متخيلّة أيضا» (بندكت اندرسن «الجماعات المتخيلة»). ورغم أن الحركات القومية ذات طبيعة قائمة على تمركز الذات بذاتها ولذاتها، فإن الأمة استخدمت سياسة ميكافيلية في بناء الدولة الجديدة، بالمزج بين القومية الرسمية والقومية الشعبية ـ كمزج العثمانية بالعربية، أو كمزج القومية بالسلالة الملكية في الامبروطورية البريطانية واليابانية. ولكن بعد زوال الدولة القومية في أوروبا، والتحوّل نحو الاتحاد الأوروبي، نجحت الدول الأوروبية في إنشاء ما سماه جاك ديلور Jacques Delors بـ»النموذج الاجتماعي الأوروبي»، ويمثل هذا النموذج كيانا ما فوق قومي ـ Suprantion ( آلان تورين «براديغما جديدة لعالم اليوم» ترجمة جورج سليمان). ولكل ذلك؛ نحن إزاء دولة بلا أمة أم أمة بلا دولة؟
قبل الاجابة، لقد ظهرت القومية كأيديولوجية سياسية مع الثورة الصناعية، ومع نشوء البورجوازية، وصعود الليبرالية، لتقترن بمفهوم الأمة. ورغم أن القومية مرحلة، وليست نهاية في سياق الاستبداد التنويري، فقد صاغت الأخلاقيات الدينية الرواسب التحتانية في البنية العربية المجتمعية، لهذا كان الدين يحارب العلمانية، والعلمانية تنافح من أجل تحرير الدولة من سلطة الدين، عبر صراع مفتوح بين المدنية والإسلام السياسي، وبذا كان المجتمع العربي، ومايزال يرتبط بماض يتعذّر الانفصال عنه، في حين لا قداسة في البنية المجتمعية الأوروبية سوى الأخلاقيات المدنية. وإن كان مفهوم الدولة ـ الأمة: بنية متحرِّكة من حيث التغيّر والتحوِّل والتعاقب والزوال، فقد ابتكرت الدولة، الشعب، لتمثل بالتالي فكرة تكوين الدولة. إذن: هل ثمة أزمة مركبة من الدولة اللاأمة والأمة اللادولة؟ ذلك هو الشاغل المركزي لنا من جديد.

٭ ناقد وكاتب من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول تيسير خرما:

    روح الإسلام بأول نظام حكم مدني بالعالم أنشأه محمد (ص) بالمدينة سماحة وسطية عدالة مكارم أخلاق وحفظ نفس وعرض ومال وأسرة ومجتمع وحروبه تطوعية دفاعية لتحصيل حرية تعبير وحماية مدنيين وليس استعباد وقنص ثروات، ومرجعية الإسلام آيات قرآن نزلت على محمد (ص) بأسباب وظروف نزول كل آية وتصرفاته قولاً أو عملاً تفسيراً أو تنفيذاً لكل آية إضافة لتصرفه قولاً أو عملاً بكل ظرف فاكتمل الدين قبل وفاته، أما قصص تاريخ بعد محمد (ص) ليست مرجع بل يحدد صوابها أو عدمه بنسبة تناغمها أو تناقضها مع روح الدين المكتمل غير المجزأ.

  2. يقول سعيد/الأردن:

    مقال جميل وفي الصميم حبذا الو يتم تدريسه وبشكل مفصل لطلاب المدارس

    1. يقول عباس عبد جاسم:

      استاذ سعيد ، تحية لك ، وتحية لمرورك الكريم على مقالتنا ، وشكرا لموقفك النبيل .

  3. يقول S.S.Abdullah:

    الإقتصاد أولاً، أم الدولة/المجتمع/الشركة/الأسرة أولاً،

    هو أول ما خطر لي بعد قراءة ما ورد تحت عنوان (نحن دولة بلا أمة أم أمة بلا دولة؟) وأين الإنسان (ذكر أم أنثى)؟

    من توليد الإقتصاد أو الإنتاج ذو العائد المُربح لو تم عرضه في أي سوق، والأهم هو لماذا؟!

    أهل ما بين دجلة والنيل، هم أهل تدوين الحضارات الإنسانية،

    إن كان من خلال أول لغة أبجدية (المسمارية) أو من خلال أول لغة صورية (الهيروغليفية)،

    وتدوين أول قانون ونشره (مسلّة حمورابي) لتنظيم العلاقة بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر لتكوين ثقافة النحن كأسرة إنسانية، بشكل علني وشفاف أي لا يحتاج إلى واسطة أو شفاعة أو رشوة،

    وتدوين أول علم لِلُغة، كما تُنطق تُكتب، لتكون من المرونة لتمثيل أي صوت، خرج أو سيخرج مستقبلاً، من اللسان العربي أو الأعجمي، لم يتم تمثيله سابقاً،

    وبكل نغماته الصوتية (الفتحة والكسرة والضمة والتنوين والشدّة)، وصيغ بنائية للكلمة، أو الجملة في أي حوار،

  4. يقول S.S.Abdullah:

    يعمل على رفع أي سوء فهم، للوصول إلى تبادل تجاري أو ثقافي بين منتجات ثقافة الأنا أو منتجات ثقافة الآخر،

    وتكوين (بيت الحكمة) لتأطير عملية الترجمة ما بين اللغات الإنسانية، في (بغداد)، كما حصل في كتاب (كليلة ودمنة) من لغات شبه القارة الهندية، للتفريق بين مفهوم الترجمة (النقل الحرفي/الببغائي) أو مفهوم التعريب (إيجاد جذر وصيغة بنائية)، لتطوير اللغة بشكل تلقائي لتناسب كل سياق زماني أو مكاني، ولذلك تجد الحرف العربي حتى على نقد العملة الصينية أو التايوانية في عام 2020، الظاهر منه أو المخفي، سبحان الله،

    لا يوجد مفهوم العدالة والمساواة (عدم العنصرية)، في الثقافة الهندية/البوذية،

    لعدم الإيمان بمعنى الموت، أو معنى حساب اليوم الآخر، من ظلم رجال الفرعون/الرّب/الإله أو صاحب السلطة في المجتمع،

    خرج بمفهوم التحوّل، إلى كائن آخر، أقل مرتبة من الإنسان، كحشرة أو حيوان، فيما يطلق عليه تناسخ الأرواح.

    ولكن أي مسلم، يؤمن بالموت، ويؤمن باليوم الآخر كحقيقة،

    ولذلك هو ليس في حاجة إلى العنصرية/الطبقية في التعامل ما بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر في الوصول إلى ثقافة النحن كأسرة أو مجتمع أو دولة إنسانية.??
    ??????

  5. يقول عصام:

    المقال يبالغ في بعض نقاطه. كمثال، الاسلام واحد في قطعياته ومحكماته وبيناته كالتوحيد وبر الوالدين والحث على الشورى والاخلاق والتعاون والانفاق التطوعي. اما ظنيات الاسلام ومتشابهاته فهي ميدان للتنوع والتعدد في الفراغ والشأن العام. الدولة في العالم العربي عموما هي دولة هشة وفقا للتقارير الدولية، اما الامة فهي تعاني من هشاشة الدولة وضعف الاخلاق والشورى.

    1. يقول عباس عبد جاسم:

      الاخ عصام – السلام عليكم اولا . وثانيا – شكرا لتعقيبك على مقالتنا ..انت تدرك تماما ان الاسلام ليس واحدا ، والاّ فما تعليلك للاسلام السني والشيعي ، وماتبقى من الجماعات الاخرى ؟ كما انك تتفق معنا بان الدولة هشة ، والامة أكثر هشاشة منها ، فأين المبالغة في بعض نقاط المقال ؟ تحياتي

  6. يقول اسامة:

    إلى الأخ تيسير
    ينبغي عليك مراجعة تاريخ الغزوات التي تَنعَتها بالتطوعية و الدفاعية و هي في الأصل جهاد طلب …للغنيمة و الخراج و بنات الاصفر …كل ذلك مذكور في المصادر الإسلامية و لا داعي للتجميل و التزويق…و كل من يزعم غير ذلك فهو غير موضوعي البتّة!!
    كان هذا حال جميع الأمم السابقة عبر التاريخ …التبريرات هي التي قد تتفاوت …

  7. يقول S.S.Abdullah:

    عكس اللاعب الرياضي (أحمد راضي) الذي فاز بكرسي التمثيل البرلماني تحت قيادة أبو السدارة ( الدليمي)،

    فأي خزي وأي عار كان من حصة (طارق الهاشمي)،

    مقارنة بالعز والكرامة من حصة (أحمد راضي) الذي توفي في مستشفى النعمان (الأعظمية) قبلة مقاومة قوات الإحتلال، وآخر مكان ألقى فيه (صدام حسين) كلمة كرئيس العراق يوم 9/4/2003، سبحان الله??
    ??????

  8. يقول qöds:

    وصية الرسول ص.س لن تضيلو بعدي (كتاب الله و رسوله) سلام

  9. يقول عابر سبيل:

    نحن اليوم لا دولة ولا امة بل مجرد شرذمة بين الامم …

اشترك في قائمتنا البريدية