«نحن» وغزة: هل يساعدنا الخراب على بناء هوية جماعية؟

يمكن اعتبار ضمير «نا» المتصل بالفعل أو الاسم أو الحرف، إشكالياً بشدة في كل الخطابات المتعلقة بحرب غزة. تكرّر الضمير كثيراً، سواء في التعبير عن دلالة التضامن مع الفلسطينيين، أو التشارك في المظلمة، أو إدانة الآخر، الذي يضطهد»نا» أو يسكت عن إبادتـ«نا». الصعوبة تأتي في تحديد تلك الذات المتضامنة والمتألمة، فباستثناء بعض الإسلاميين والقوميين الأكثر دوغمائية، لم يعد الحديث بثقة عن أمة إسلامية أو عربية أمراً مقنعاً، وسيتساءل كثيرون عن معنى «نحن» المتُضمّنة في الضمير والعبارة. إذا اعتبرنا أن المقصود مجموعة من الشعوب، المنتمية لمنطقة، تجمعها كثير من الروابط الجغرافية والتاريخية والثقافية، فلماذا الافتراض أنها يجب أن تتشارك ذاتاً واحدة، بما قد تتضمّنه من منظورات ورؤى ومصالح متلاقية؟ هل تلك الروابط تنتج ذاتاً جماعية بشكل بديهي وحتمي؟
لا يوجد جواب مقنع بالفعل، ولذلك فربما كان المقصود بالضمير هو «الإنسانية» التي انتُهكت قيمها العامة والكونية بشدة في حرب الإبادة الجماعية ضد أهل غزة. إلا أن هذه الدلالة لا تقلّ إشكالية عن «الأمة». ينتقد كثيرون «الغرب» الذي سهّل الإبادة، أو صمت عنها، ويعتبرون أن قيمه كلها، سواء كانت «تنويرية» أم «مسيحية» أو الاثنين معاً، منافقة، أو قائمة على التهميش والاستغلال، أو حتى الإبادة المنظّمة. لكن إذا كانت مفردة «الإنسانية» التي نعرفها ونتحسّر عليها، لم تمتلك دلالتها إلا في سياق غربي، منذ القرن الخامس عشر، مروراً بالثامن عشر؛ كما أنها بحد ذاتها مليئة بالتناقض، وتقوم، حسب النقّاد، على نزع «الحاجز الأخلاقي» عمّن يعتبرون دون مستوى «الإنسانية» الغربية، فما معنى أن نهاجم الغرب لأنه غير «إنساني»؟ هل «نحن» مثلاً «الإنسانية» الحقيقة؟ أو نقدّم مفهوما بديلاً للكونية، متفوقاً على ازدواجية الغرب؟ لا جواب مقنع أيضاً.
ربما هناك تحديد آخر، يمكن فهمه نوعاً ما، لتلك الذات الجماعية المتبرّمة دوماً، التي هي «نحن»: غير الغربيين، مَنْ عانوا دوماً من «كونية كولونيالية» أو «ذات غربية» أو أي مصطلح آخر، قد يبتكره أنصار ذلك المنظور، على تنوّعهم. «غير الغربيين» هؤلاء يتسمون غالباً بسمتين: الأولى أنهم يملكون شيئاً ما، سواء كان ديناً أو ثقافة أو عرقاً أو نمط حياة وإنتاج، كان أفضل، وأكثر أخلاقية و»إنسانية» (التي ما زلنا لا نفهم معناها في هذا السياق) من لا أخلاقية الكولونياليين، وخطيئتهم التاريخية في إخضاع العالم والهيمنة عليه؛ والثانية أنهم يُعرّفون أنفسهم، ويكوّنون جزءاً أساسياً من هويتهم، من المعاناة والاضطهاد الذي أنزلته بهم «الكولونيالية». أي لا يدركون أنفسهم إلا بحضورها وأثرها.
لا بأس مبدئياً بهذه النتيجة. لكن، هل يمكننا فعلاً أن نكون «نحن» فقط لأننا «غير غربيين» مضطهدين؟ وهل يمكننا أن نستوعب حدثاً بحجم مأساة غزة على هذا الأساس؟

الحدث والمفهوم

عملية «طوفان الأقصى» وضعتـ»نا» أمام حدث لا نملك بعد مفهوماً خاصاً عنه، لأننا لم نستغل مواردنا (الثقافية؟ الدينية؟ الروحانية؟) بعد، لنبتكر معنى جديداً، غير غربي عمداً، للتفلسف. هذا ما يراه الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني، في مقابلة نشرت مؤخرا. ويقصد بذلك، غالباً، أن العملية، بما فتحته من أفق أو فعل للمقاومة، لا يمكن أن يكون لها معنى فعلي في «سردية الأنا الأوروبي الباهتة حول نفسه» والمسيطرة على العالم. ولذلك، فإذا أردنا أن نعرف من «نحن» فعلاً، فالأجدى أن نضع أنفسـ»نا» داخل أفق الحدث: هل «نحن» ننتمي إلى ما حدث في غزة يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، أم خارجيون عنه؟
قد يكون كثير «منّا» خارجيين، لكن الفلسطيني (يتحدث المسيكني بصيغة المفرد، لا يوجد فلسطينيون متعددون على ما يبدو) حالة استثنائية، فهو «الوحيد الذي احتفظ بعدوه في بيته» وبالتالي فالمقاومة حدث داخلي في هويته. المقاومة «فرصة» وليس المهم نوعية المقاومة أو توجهها، بل فكرة المقاومة. أما «نحن» غير «الفلسطيني» فعلينا أن نختار: إما أن ننتمي إلى «الحدث» أو نمضي في طريقنا كأن شيئاً لم يحدث. وكل الفلسفة الغربية التقليدية، من أفلاطون إلى هيغل، لن تنفعنا، فـ»نحن» غير المنضوين تحت لافتة الغرب، لا نلعب أي دور في خطاب العالم المعاصر، العالم الكولونيالي، «عالم الشمال الذي لا يرى جنوبه» ولذلك يجب أن نفكّر في وجهة جديدة، كي ننتج مفهوماً لحدثنا.

فتحي المسكيني

قد تكون مشكلة اللغة، التي يتحدّث بها المسكيني، أنها لا توضح منهجها في إنتاج المعنى، بل تتركه مفتوحاً لفضاءات من التأويل، ويمكن استخدام أفكارها وعباراتها واقتباساتها لإثبات الشيء ونقيضه، وتأييد أي حدث سياسي أو رفضه. وعلى الرغم من أن قصد الفيلسوف التونسي ليس غامضاً، إلا أنه يمكن أن يحصّن نفسه من النقد باستعمال «إرهاب الغموض» (العبارة المنسوبة لميشيل فوكو، الذي يقتبس منه المسكيني كثيراً) فأي محاولة لتحليل دقيق لما يقوله، قد يُرد عليها بعبارة: «أنت لم تفهم». إلا أن هذا «التحصين» قد تكون له نتائج عكسية، فأي خطاب لا يمكن نقده جديّاً لا يقول شيئاً في الواقع.
رغم هذا، فإن الدعوة لرسم كل ذلك الحد الفاصل المُغلّظ، بين «أنا» أو «ذات» أو «كولونيالية» غربية، وبيننا «نحن غير الغربيين» لا تبدو ممكنة أو دقيقة، بأي معنى اجتماعي أو تاريخي أو حتى فلسفي منضبط، خاصة أن «حدث» المقاومة، ليس مجرّد «إمكانية مستحيل» كما يقول المسكيني، بل فعل تنظيمات سياسية حديثة، أدمنت «المقاومة بوصفها فكرة» ولها ارتباطاتها بدول قومية، موجودة على الخريطة «الواقعية» جداً. وهذه التنظيمات والدول استوحت كثيراً، أيديولوجياً وتنظيمياً وسياسياً، بما في ذلك ميلها القومي والإسلام سياسي، من تجارب متعددة من «التحديث الكولونيالي». إنها «هووية» إذا استخدمنا لغة المسكيني، تطالب البشر بالموت لأجلها؛ كما أنها لا تحافظ غالباً على «حواجز أخلاقية» بل قامت أيضاً بـ»إنتاج نسقي للجثث» تماما مثل الحدث الامبراطوري، الممتد من ديكارت إلى الاستعمار، ومنه إلى العولمة.
ربما لا يعتبر المسكيني تلك الجثث، أي جثث مئات الآلاف من أبناء المنطقة، الذين قتلتهم حركات ودول، تحمل راية المقاومة، حدثاً، ضمن تفكيره الفلسفي المنشغل بهموم «نحن» و»الذات» و»الشمال الذي نسى جنوبه». ويبدو أن فلاسفة «الجنوب» أنفسهم نسوا كثيراً مما عليهم أن يتذكروه.

تذكُّر «الغرب»

اللافت في خطاب «غير الغربيين» أنهم معتمدون جداً على الغرب، في بناء أي ذاتية أو خطاب خاص بهم. ذكر المسكيني مثلاً في مقابلة، من المفترض أن يتحدث فيها عن ذاتنا الجمعية والقضية الفلسطينية، أسماء كثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين، ولم يذكر اسماً عربياً واحداً في أي مجال، أو حتى اسم مفكر «جنوبي». نبقى «غير مرئيين» دائماً إذن، لأنه حتى إذا قرأنا رؤيا فلسفية عربية، فلن نرى سوى الغرب، الذي يجب أن نحدد أنفسنا بالضد منه، وربما بالنكاية فيه.
غير المرئيين بالفعل، وسط فيض الأسماء الغربية التي يقتبسها المسكيني حول «الحدث» هم مواطنو غزة أنفسهم. يريد»نا» ويريدهم، أن ينتموا لحدث المقاومة المستحيل، فيما النقد النظري والسياسي والاجتماعي لذلك الحدث، والمسؤولين عنه، وما أدى إليه من دمار، وما سبقه من قمع ميليشياوي باسم «القضية» قد يُعتبر من منظوره غالباً انتماءً لعقل كولونيالي، ممتد من ديكارت للعولمة. وحتى لو كان ذلك النقد مفيداً في منع تكرار المأساة، أو التخفيف من آثارها.
ربما حقّ القول إنه قد نشأت هوية جديدة، لا شرقية ولا غربية، هي «غير الغربيين» وليست «نحن» بالتأكيد، من عموم أهل المنطقة، بل مجموعة نخب وناشطين، لا تفهم ذاتها أو تشعر بقيمتها إلا عبر خطاب نقد الغرب، «الغربي» جداً في الواقع.

«إسرائيل» بالعربية

ينشغل كثيرون من متكلمي العربية وكاتبيها بنقد دولة الاحتلال الإسرائيلي، وإظهار المشكلة البنيوية في الغرب الذي يدعمها. إلا أن قرّاء ومستمعي تلك اللغة ليسوا بحاجة إلى من يجعل «العدو» جزءاً من ذاتهم وهويتهم (على طريقة «الفلسطيني» الواحد الذي يذكره المسكيني) فهو كذلك بالفعل، وعملت عليه مؤسسات دول لعقود طويلة. ربما عليـ»نا» لكي نفهم «نحن» ونعيد إنتاجها، أن نفكّر بالأسباب الفعلية، التي تجعل العدو ضرورياً لها لهذه الدرجة؛ وما بنى القمع والإقصاء الداخلي وإنتاج المعنى والخطاب، التي لا تستقيم دون وجوده. أي أن نتساءل عن معنى «إسرائيل» الفعلي في اللغة العربية، وليس في الفرنسية أو الإنكليزية أو حتى العبرية. وهي مهمة لا يبدو أن المسكيني، وغيره من النخب العربية الأبرز، سيتصدون لها يوماً.
قد تكون «الكولونيالية» أيضاً أقرب إلينا مما نتصور، فهي ليست فقط أولئك الغربيين الأشرار، الذين جعلوا إسرائيل مشروعهم، وصاغوا «الفلسطيني» بوصفه «لا أحد» بل هي أيضاً دول وحركات سياسية، تقوم بممارسات لا تقلّ وحشية، وقد تفتعل «حدثاً» لتحسين موقعها، أو مجرّد ضمان بقائها ضمن النظام العالمي الواحد، وفي قلب شبكات اقتصاد الظل فيه. هل «الكولونيالية» هي «نحن» إذن؟ الإجابة معقّدة بالتأكيد، إلا أن «غير الغربي» يريد أن يقشّرنا من كل شبهة «كولونيالية» كي نقفز طائعين إلى «الحدث».

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    التنين سيظهر من تحت الركام للانتقام من عصابة الشر التي تحتل أرض فلسطين وتقتل وتشرد الفلسطينيين منذ 1948 بدعم أمريكي بريطاني وغربي غادر حاقد جبان سارق لأرض فلسطين 🇵🇸✌️🤕☝️🔥🚀🔥🚀

  2. يقول حمّودان عبدالواحد - فرنسا:

    شكرا واحتراما لكاتب المقال، محمد سامي الكيال،

    جاء في مقالك ما يلي: ” مفردة «الإنسانية» التي نعرفها ونتحسّر عليها، لم تمتلك دلالتها إلا في سياق غربي، منذ القرن الخامس عشر، مروراً بالثامن عشر”. هل أنت متأكد من هذه الفكرة ؟ هل تعتقد فعلًا أنها صحيحة تاريخيا ؟ يبدو لي انها تحتاج الى تمحيص ومراجعة حتى لا يعتقد بعض القراء بصحتها !

    تحيات رمضانية لأسرة القدس العربي.

  3. يقول Karim:

    شكرا سامي، بالمناسبة صحيح ان الدولة البورقيبية حمت التوانسة من الاخونة
    لكنها لم تحميهم من الفاشية العروبية، ومن الافكار النازية والقومية الرومانسية ، والتي تنتشر كثيرا عندهم ،،، وربما هي من اسباب فشل ديمقراطيتهم (وهذا يحتاج لبحث مطول)

اشترك في قائمتنا البريدية