نحو تفكيك النقطة المركزية في القراءة الطباقية

لا بد من توجيه عناية القارئ إلى إن «الطباق «أولا: مصطلح إشكالي في اللغة، حيث يتداخل مع مفهوم التضاد، فالتضاد مواز لمفهوم الطباق، فهو يجمع بين دلالاته الضدين أو المعنيين المتقابلين في الجملة، ومن دلالاته التقابل والتنافي والتجاور، وثانيا: مفهوم تشاكلي في المعرفة، حيث يرتبط بفكرة فلسفية مؤلفة من عنصرين متناقضين لا يجتمعان في شيء واحد، هي ثنائية ضدية «كثنائية الأضداد وتعاقبها» (المعجم الفلسفي/ جميل صليبا).
وقد ذهب كمال أبو ديب إلى إن «الطباق ـ مصطلح التباسي من جهة، ومتخّصص جدا موسيقيا، بحيث يغيب مدلوله على القارئ العادي من جهة أخرى» ( إدوار سعيد/ الثقافة والإمبريالية/ ترجمة كمال أبو ديب/ بيروت).
إذن الطباق مصطلح إشكالي، ومفهوم تشاكلي، يكتنفه الغموض فـ«الالتباس هو الإبهام، والاشتباه، والخلط بين الأشياء» (المعجم الفلسفي جميل صليبا).

ولأن الطباق مصطلح التباسي يعترف كمال أبو ديب: «لقد شعرت برغبة حادة في إعادة ترجمة الـcontrapuntal بمصطلح جديد لكي يزول الالتباس منه، فيتضح مفهوم سعيد الجوهري بالنسبة لمنهجه وعمله بأسرهما، غير أنني حتى الآن لم أوفق إلى إيجاد مصطلح بديل واف، ولذلك استخدمت عبارة «القراءة الطباقية»(الثقافة والإمبريالية). لكن هل أزاحت عبارة (القراءة الطباقية) التي قدّمها أبو ديب التباس المصطلح؟
إن الطباقية أكثر استشكالا في القراءة، لأنها ترتبط بجوهر النقطة الطباقية الموسيقية التي (تتبارى) فيها و(تتصادم) ألحان أفقية وأصوات عمودية، وحتى لو جردنا الطباقية من الموسيقى، فالطباق جامع بين نقيضين أو اختلاف معنيين، لأنه قائم على تنادي الأضداد.
وقبل أن يتبنى إدوارد سعيد مفهوم الطباق في سياق مختلف للمفهوم الغربي، فقد وظّفه تيودور أدورنو في دراسة نقدية للنصوص الموسيقية لبتهوفن ضمن السياق التاريخي، حيث كشف فيها أهم التناقضات الدرامية المركبة من مأساته الشخصية.
أما إدوارد سعيد، فقد استوحى فكرة القراءة الطباقية من مفهوم قديم يعود إلى موسيقى كنسية ظهرت في القرون الوسطى، قائمة على الجمع بين لحنين متضادين أو التقابل بين صوتين متنافرين في نسيج موسيقي جديد عُرِف باسم «الطباق الموسيقي» كما اصطلح على «الطباق الموسيقي» بـ«التنويط المضاد»: Counterpon، ويقصد به عزف أو إيقاع لحنين أو أكثر في آن واحد مع توفر شرطين: أن تكون الألحان مستقلة عن بعضها بعضا، ويقصد بالاستقلالية اختلاف اللحنين من حيث النمط الإيقاعي rhythm والمعالم.

قدّم سعيد قراءة طباقية لـ«سجل المحفوظات الإمبريالي». كشف فيها الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها، ومن ثم قام بتفكيك المنطق الداخلي لها، وقد اصطلح تيسير أبو عودة على سعيد بـ«المثقف الطباقي» وذهب إلى أن المثقف الطباقي هو «مثقف غير محايد» وثمة علاقة طباقية عميقة ومعقدة بين المثقف والمنفى».

أن تكون هذه الألحان محكومة بعلامة هارمونية، بحيث تنشأ من تزامنها بنية مؤلفة من نسيج متناغم، وبذا يجمع الطباق بين متضادين متقابلين، يقومان على اتحاد نقيضين ذي معنيين مختلفين، وفي هذا الطباق تتمدّد الألحان أفقيا وعموديا.
لهذا فالطباق الموسيقي شكل أو نمط قائم على نظام صوتي، تتقاطع فيه وتتضاد «نوتات موسيقية» متآزرة متنافرة، بحيث تنتظم فيها كـ»نقطة مقابل نقطة» وهو أسلوب يجمع بين لحنين أو أكثر، لتنشئة أو تخليق بنى صوتية يستدعي بعضها بعضا، عبر إيقاع هارموني منغّم بصيغ طباقية، ومن هنا نشأ المصطلح من كلمة: (Punctus contra puncutm) لهذا نحن إزاء نقطة طباقية تشكل مركز مدار تصادم سياقي بين اتجاهين متعاكسين، أحدهما ضد الآخر، حيث يقول إدوارد سعيد:
إن النقطة، التي أثيرها، هي أن القراءة الطباقية ينبغي أن تُدخِل في حسابها كلتا العمليتين الإمبريالية، وعملية المقاومة» (إدوارد سعيد/الثقافة والإمبريالية). وإن كان التضاد في فقه اللغة يقوم على استعمال (الفكرة) على معنيين متضادين، فإن الطباق لا يعني بذلك ضمنا، إلا في حال التباس الطباق بالجناس، الذي يتماثل فيه لفظان (صوتيا) ويتناقضان دلاليا.
لكن ما يعنينا من الطباق أكثر من ذلك: إن سعيد لم يؤمن بالمنهج الماركسي: أنا لا أؤمن بأن المؤلفين يتحدّرون بصورة آلية بالعقائدية الأيديولوجية، أو الطبقة أو التاريخ الاقتصادي، بيد أن المؤلفين، كما أؤمن كائنون إلى حد بعيد في تاريخ مجتمعاتهم، يشكّلون ويتشكّلون بذلك التاريخ وبتجربتهم الاجتماعية بدرجات متفاوته» (إدوارد سعيد/ الثقافة والأمبريالية).
من هنا قدّم سعيد قراءة طباقية لـ«سجل المحفوظات الإمبريالي». كشف فيها الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها، ومن ثم قام بتفكيك المنطق الداخلي لها، وقد اصطلح تيسير أبو عودة على سعيد بـ«المثقف الطباقي» وذهب إلى أن المثقف الطباقي هو «مثقف غير محايد» وثمة علاقة طباقية عميقة ومعقدة بين المثقف والمنفى» ( تيسير أبو عودة / المثقف الطباقي : إدوار وسعيد وغواية المنفي : https:/www.aljzeera.net).
ومن هنا قرأ سعيد «سجل المحفوظات الإمبريالي» قراءة طباقية قائمة على حفريات آركولوجية، تبدأ من السطح نزولا إلى طبقات النص التحتانية.
وإن كانت القراءة الطباقية مشتقة من الطباق الموسيقي، فإن الطباق يُعنى بالجمع بين شيئين متنافرين، أو مختلفين في موضع واحد، وبذا تتجه القراءة الطباقية نحو تفكيك النقطة المركزية في تاريخ القهر الكولونيالي المسكوت عنه، وذلك لتصحيح كتابة التاريخ برؤية جديدة أكثر تمثلا للذات المقهورة.
ومن النقطة المركزية في «عملية الإمبريالية، وعملية المقاومة لها» يتخذ سعيد من القراءة الطباقية رؤية نقدية وأبيستمولوجية لتفكيك التناقضات القائمة بين الذات والآخر، لاستعادة «ما تم إقصاؤه بالقوة» من «سجل المحفوظات الإمبريالي».

ناقد وكاتب من العراق

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية