نسيان الفكر وبؤس السياسة

يتساءل الفيلسوف مندهشا من الإنسان قائلا؛ هل يرفض من لديه رغبة في تناول الفاكهة ما يقدم له من عنب وكرز وكمثرى، على أساس أنها عنب وكرز وكمثرى وليست فاكهة؟ لعل هذا السؤال موجه إلى الأغبياء الذين حرموا أنفسهم من المعرفة الفلسفية، وقاموا بتحريمها من مدنهم الجاهلة، لأن الأرواح الدينية تستغل سذاجة الشعب الجاهل والبريء، أي الشعب الأعزل الذي ينتفض ضد ذاته، إلى أن يتحول إلى قنبلة موقوتة ضد بلاده مع مرور السنين، هكذا تتحول التقاليد القديمة إلى سلطة روحية، بل وعاء فارغ، وخميرة، شعارها الزعيم شريعتي، والإسلام حكومتي، هكذا يتم تديين السياسة، من أجل هجرة الدولة المدنية ونسيان الفكر وتمجيد الخرافة، لكن ما معنى الثورة دون حب ونزعة إنسانية؟ وما معنى الثورة إن لم يكن شعارها الحرية والعدالة والمساواة؟ وما لغز الانتفاضة غير نفي السياسة وهدم أسس الفكر؟
من أجل تشخيص الحاضر، ينبغي تفكيك يوتوبيا روحانية السياسة، وعلاقتها بالتقنية بصفة عامة ووسائل التواصل بصفة خاصة، لأنه انطلاقا من هذه الوسائل يمارس التيار الأصولي التعبئة، ونشر البعد الروحي للسياسة وهو نموذج ضارب في القدم، بل إنها سياسة غير محددة المعالم، لأنه بقدر ما أصبحت السياسة روحانية مثل العقيدة، بقدر ما اختارت الحياة الطاهرة من النقد والسؤال، فالبعد الروحي يستمد أصله من القرآن والحديث، والحكومة لا تكون سوى إسلامية تطبق الشريعة، أو بالأحرى تضفي لمستها على الأحكام الوضعية، بمعنى أن الدعاية مغايرة للواقع.
ربما يكون هذا النفي الإجباري للسياسة، يعني رفع الشرعية عن السلطة وتهميش السياسة المدنية وقمع الحداثة، وبالجملة وقف عجلة التاريخ في نقطة ثابتة، ولذلك نجد أن جنود هذا التيار يصارعون في فيسبوك كل من يدعو إلى سياسة مدنية بشراسة ويتهمون الحداثي بخروجه عن الإجماع، ما يعني السقوط في فخ الزندقة، ولعل بشاعة هذه اللعبة السياسية تكمن في ممارسة الهيمنة بواسطة القمع والطاعة. هكذا تتحول السلطة عندهم إلى صراع، وعلاقة قوى في وضع استراتيجي معين «فالدين يشكل قوة الشعب الذي يقلب بيده نظاما، وينتفض على نظام الحياة، كما قال فوكو، ربما تكون هذه هي بداية فكرة عولمة الإسلام، حيث أصبحت تروج منذ بداية بالربيع العربي. وهي لحظة تغيير الاستبداد العسكري بالاستبداد الديني، ولذلك كانت الحركات الأصولية هي المستفيدة منه، لأن الطابع الأيديولوجي لهذه الحركات كان وراء قيام الثورة، فبأي معنى يمكن للأيديولوجية الدينية أن تستغل فيسبوك من أجل لغز الانتفاضة؟ وهل الشعب المنتفض كان واعيا؟ أم أن إدراكه كان مخدرا؟ ولماذا يتحرك مثل المجنون الذي يعتمد على القوة دون ان يستفيد من حقوقه السياسية؟ إنها أسئلة شعارها نسيان الفكر، وارتكاب الجريمة العظمى أمام محكمة العقل، لأنه دون عقل يتوجه الإنسان نحو نسيان وجوده وفكره، لأن الفكر والوجود هما الشيء نفسه، وبنسيانهما ينسى الإنسان إنسانيته: «لأنه عندما يأتي اليوم الذي سنترك فيه الفكر هناك دون استعماله، عندئذ سينتحر، كإنارة مشعة في الغرابة تحذرنا من أن وجود الكائنات الفانية، مدعو إلى الانتباه إلى هذه الكلمة التي تقول لهم: تذوقوا طعم الموت كإمكانية مطلقة للوجود الفاني» ذلك أن الموت ليس هو نهاية الممكن، لكنه المخبأ الرفيع الذي هو أعدل قسمة بين الكائنات الفانية، حيث يقيم سر كشف الحجاب الذي ينادينا.

ربما يكون هذا النفي الإجباري للسياسة، يعني رفع الشرعية عن السلطة وتهميش السياسة المدنية وقمع الحداثة، وبالجملة وقف عجلة التاريخ في نقطة ثابتة، ولذلك نجد أن جنود هذا التيار يصارعون في فيسبوك كل من يدعو إلى سياسة مدنية بشراسة ويتهمون الحداثي بخروجه عن الإجماع، ما يعني السقوط في فخ الزندقة، ولعل بشاعة هذه اللعبة السياسية تكمن في ممارسة الهيمنة بواسطة القمع والطاعة.

لا يهمني كثيرا ما الذي تقوله هذه التيارات الرافضة للفكر والوجود عن الفلسفة، لأنه تكرار لقرون عديدة قد ينقلنا من التفسير الغامض إلى الإيمان به، وبما أن جمهور هذه التيارات من العامة، فإنه من الظلم فتح حوار مع أشخاص لا يسمعون، لأن أنطولوجية الحوار هي أن نسمع بعضنا بعضا، وبعد ذلك نفتح المجال للنقد، لكن الذي لا يميز بين الوجود واللاوجود، يكون بصره معميا بالضباب، ولذلك فإن أولئك الذين ينتفضون بعنف في فيسبوك عميان ينبغي عدم الانتباه إليهم، والشاهد على ذلك أنهم يطلبون الصداقة ليفجروا العداوة. ينبغي عدم ترك الفكر في النسيان، لا بد من تحريره ومنحه أفقا للنظر والتأمل، لكي يصبح فكرا يقظا يسعى إلى فهم الوجود، وهذه هي أنبل مهمة للفيلسوف، باعتباره موجودا في الوجود، وما الوجود سوى نتاج للفكر، وبعبارة هيغل إن الفكر ينتج ذاته، وما ينتجه هو فكر، هكذا يكون مطابقا لوجوده، بيد أن وحدة الفكر والوجود تضعنا أمام السؤال التالي: فكيف تكون هذه الوحدة ممكنة؟ هناك ثنية تجمع بين الفكر والوجود، وبعبارة هايدغر: «إن الموجود يكون في متناول الفكر من خلال ثنية أو طية الوجود» وبعبارة أوضح، الفكر ليس سوى ثنية تجمع بين الموجود والوجود، ولذلك فإن مقاربة الفكر هي في الطريق نحو هذه الطية التي تجمع الوجود بالموجود. وبما أن الفكر هو أحد موجودات هذا العالم، فإنه يدرك نسيان الوجود، وكل ما لفه النسيان، وبارميند هو الفيلسوف الذي أدرك أن الفكر أحد موجودات الوجود، ولذلك يستطيع أن يحميه من النسيان، ولعل قراءة هايدغر الرائعة لقصيدة بارميند هي التي نبهتنا إلى أن الفكر هو مجرد نداء للوجود وطية في الوقت نفسه، تبدأ القصيدة هكذا سأتكلم، أنت اصغ واحفظ عبارتي التي ستعلمك ما هما طريقا البحث الوحيدان اللذان يمكن لنا تصورهما، الأول يقول إن الوجود موجود، إنه طريق اليقين، لأنه يرافق الحقيقة، والطريق الآخر هو؛ ليس الوجود موجودا، إن هذا الطريق درب ضيق، إنه ليس في إمكاننا أن ندرك اللاوجود بالفكر، لأنه خارج متناولنا، كما لا يمكن أن نعبر عنه باللغة، وفي الحقيقة أن الفكر والوجود هما الشيء نفسه».
غاية هذه القصيدة الأبدية هي إخراج الفكر من صمته وتحريضه على الثورة ضد النسيان، ولذلك يخاطب بعض المحرضين على نسيان الوجود بصيغة الأمر، أنت اصغ واحفظ عبارتي ستعلمك ما هما طريقا البحث؛ الوجود موجود واللاوجود غير موجود، ثم يعلن الحقيقة وهي أن الفكر والوجود هما الشيء نفسه.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية