نظرة على خطوة بوتين البيلاروسية

في مقابلة تلفزيونية مع قناة حكومية، أخبر بوتين العالم بهدوء عن قراره نشر أسلحة نووية تكتيكية على الأراضي البيلاروسية، كما ذكر أن بداية نيسان/أبريل سيشهد بدء تدريب طيارين بيلاروس على طائرات من سلاح الجو البيلاروسي، تم تعديلها لتناسب استخدام الأسلحة النووية التكتيكية الروسية، وأشار إلى أنه بحلول تموز/يوليو المقبل سيكون اكتمل بناء مرافق التخزين الخاصة بها، بوتين أصر على أن روسيا لا تنتهك معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فهي لن تنقل السيطرة والتحكم بالأسلحة إلى بيلاروسيا، وجادل بأن ما تقوم به روسيا فعلته الولايات المتحدة منذ عقود بنشرها أسلحتها النووية والنووية التكتيكية على أراضي حلفائها.
برر بوتين القرار بأنه رد على قرار بريطانيا في 21 مارس/آذار الماضي بإمداد أوكرانيا بقذائف خارقة للدروع، بنواة من اليورانيوم المنضب، بالإضافة إلى أنه جاء استجابة لطلب رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، (يثير هذه القضية منذ فترة طويلة)، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021 طلب لوكاشينكو من روسيا نشر أسلحة نووية في بلاده، في محاولة منه لابتزاز الغرب، الذي عاقبه بسبب تزوير الانتخابات الرئاسية، بالإضافة إلى أنه قام بتعديل الدستور البيلاروسي في فبراير/شباط 2022 لإزالة الحظر المفروض على استضافة الأسلحة النووية على الأراضي البيلاروسية. إعلان بوتين لم يشكل مفاجأة لكثيرين، فإلى جانب سيل التهديدات النووية المعلنة والمبطنة على لسان العديد من المسؤولين الروس بشكل شبه يومي، فإن روسيا قامت بعدد من الخطوات التي كانت بمثابة مؤشرات إلى نوايا موسكو المبيتة للإقدام على أمر كهذا، حيث قامت روسيا بتعليق العمل بمعاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت -3)، بالإضافة إلى بدئها في ربيع العام الماضي نشر منظومات (إسكندر- أم) في بيلاروسيا بعد تعديل الدستور البيلاروسي بوقت قصير.
دوافع قرار نشر الأسلحة النووية التكتيكية في بيلاروسيا
بغض النظر عن المبررات الروسية المفتقرة إلى الوجاهة، فإن عدة عوامل مجتمعة حفزت بوتين كي يتخذ قرارا بهذا الحجم. أول تلك العوامل، نابع من خشية حقيقية لدى الروس من الهزيمة، إذ تسود في موسكو قناعة قوية بأن الولايات المتحدة توظف الحرب في أوكرانيا بفعالية لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، فوفق التصور الروسي فإن الولايات المتحدة تسعى إلى إحداث تغيير جذري لموقع روسيا الدولي ومسارها السياسي الداخلي، كما يعتقد الروس أن واشنطن قامت بثبات بتعميق تدريجي لمشاركتها غير المباشرة في الحرب، عبر الدعم المتواصل للجيش الأوكراني، الذي أثبت نفسه في المواجهة أمام الآلة العسكرية التقليدية الروسية، التي برزت كل نقاط ضعفها ومحدوديتها، وهزيمة كهذه لا يستطيع حكام روسيا احتمالها، خاصة أنها قد تؤدي إلى تآكل شرعية النظام السياسي الروسي وتصدعه، ميدفيديف كان واضحا في تصريحات له بأن «هزيمة روسيا في حرب تقليدية يمكن أن يؤدي إلى اندلاع حرب نووية» لأن «القوى النووية لا تخسر صراعات كبيرة يعتمد عليه مصيرها»، والكرملين على لسان سكرتيره الصحافي بيسكوف، يجد أن تصريحات ميدفيديف تتماشى تماما مع العقيدة النووية الروسية.

ينبغي عدم الاستهانة بمدى الخطورة التي تتسبب بها خطوة بوتين بنشر الأسلحة النووية التكتيكية في بيلاروسيا على المدى البعيد والاستراتيجي

هذا ينقلنا إلى العامل الثاني المحفز وهو، إيقاف تآكل الردع الاستراتيجي الروسي، خلال العقد الماضي، فقد طورت روسيا مفهوما شاملا للردع الاستراتيجي يضم مزيجا واسعا من الأسلحة التقليدية الاستراتيجية أو النووية التكتيكية والاستراتيجية، وهو مصمم على إدارة التصعيد عبر القيام بمناورات تشمل التهديد باستخدام القوة لتوليد الضغط على صانعي القرار والتأثير في الرأي العام في البلد المعادي، وتشمل أيضاً استخداما محدودا للقوة، بهدف إنهاء الصراع مبكراً لصالح موسكو، وهذه المناورة تظل دون العتبة النووية المنصوص عليها في العقيدة النووية الروسية، ويعني تجاوزها استخدام موسكو سلاحها النووي الاستراتيجي. استخدمت روسيا بنجاح مناورات الردع الاستراتيجي أثناء ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014 عبر التهديدات النووية المبطنة، لردع حلف شمال الأطلسي عن التدخل وإبقاء مسرح العمليات مقتصرا على أوكرانيا، وأثمرت تلك المناورة تأمين عملية الضم، ودفع إدارة أوباما للضغط على أوكرانيا بعدم التصعيد العسكري بما يتعلق بالمطالبة بشبه جزيرة القرم، غير أن الوضع اختلف لدى غزو روسيا الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، وهذا جعل الروس يخشون من أن استمرار واشنطن وحلفائها بتعميق انخراطهم غير المباشر يفرغ الردع الاستراتيجي من قيمته، حيث لم تثنِ تحذيرات موسكو وتهديداتها النووية المبطنة حلفاء أوكرانيا عن الاستمرار في تقديم الدعم العسكري، وكذلك لم تردع أوكرانيا عن القيام بأعمال ذات طابع هجومي داخل العمق الروسي، مثل تفجير جسر القرم، أو إرسال مسيرتها لتقصف مطارات في العمق الروسي، أو سفن أسطول البحر الأسود.
أخيرأ، تطلق موسكو رهانا أخيرا لوقف توسع المساعدات العسكرية المتدفقة إلى أوكرانيا، فتلك المساعدات تجاوزت العديد من الخطوط الحمر الروسية، تحاول موسكو الحفاظ على آخر خطوطها الحمر صامدة، أي منع تزويد أوكرانيا بالمقاتلات الجوية الأمريكية من طراز أف 16 والصواريخ بعيدة المدى التي يتجاوز مداها 160 كم، حصول أوكرانيا على مقاتلات أف 16 وصواريخ بعيدة المدى من شأنه أن يجعل الهزيمة الروسية الاحتمال الأكثر معقولية.

نشوء سباق جيوستراتيجي جديد

ينطوي نشر الأسلحة النووية التكتيكية الروسية على الأراضي البيلاروسية على قائمة طويلة من التبعات المستقبلية المحتملة، فعلى الرغم من ارتباط القرار مباشرة بالمواجهة الحالية الحاصلة على الأراضي الأوكرانية، لكن يبقى السياق الجيوستراتيجي الناشئ عن قرار كهذا هو الأكثر أهمية، ويتجاوز المواجهة الحالية إلى خلق ديناميات جديدة في فضاء الأمن الأوروبي. ثلاثة جوانب مثيرة للاهتمام يمكن ملاحظتها في السياق الجيوستراتيجي الناشئ، تنبئ بأن روسيا ستزيد اهتمامها بالأسلحة النووية التكتيكية، أول هذه الجوانب، هو تخلي روسيا عن النهج السوفييتي الذي كان يستبعد إشراك الحلفاء في الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية، وبدلاً عن ذلك تبنوا نموذجا هجينا يجمع من جانب، النهج الأمريكي الذي يتيح للطيارين من دول الحلفاء المستضيفة للأسلحة النووية الأمريكية استخدامها وتشغيل منظوماتها، ومن جانب آخر الاحتفاظ بالسيطرة والتحكم بالأسلحة النووية ومرافق تخزينها، فالروس قاموا بتدريب طيارين بيلاروس على هذه الأسلحة باستخدام طائرات معدلة لهذا الغرض، تتبع سلاح الجو البيلاروسي، وفي الوقت نفسه سيحتفظون بوجود عسكري دائم لقواتهم في بيلاروسيا. ويبرز هنا تساؤل عما إذا كان النهج الروسي الهجين سيكون قابلا للتكرار، وتكون موسكو مستعدة لنشر أسلحة نووية تكتيكية على أراضي دول أخرى.
الجانب الثاني: العوائق التقنية التي تسببت بها العقوبات الغربية أثرت بشدة في إمكانية روسيا تطوير قدراتها التقليدية، بسبب اعتمادها على أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية الغربية، التي ظهرت محدوديتها في الحرب على أوكرانيا، ما تسبب في إيجاد فجوة في المفهوم الشامل للردع الاستراتيجي، نتيجة لذلك لا يستبعد أن تملأ روسيا هذه الفجوة باستخدام السلاح النووي الاستراتيجي والتكتيكي، الذي تمتلك منه مخزونات هي الاكبر في العالم.
الأمر الثالث: توسع الناتو بانضمام فنلندا ومستقبلاً السويد، بالإضافة إلى التغيرات التي فرضتها الحرب على أوكرانيا في بنية النظام الأمني الأوروبي وتركيز الحكومات الأوروبية على الدفاع، وكل هذا بدوره سيغير استراتيجية الدفاع الروسية، للأخذ بعين الاعتبار تضاعف الحدود البرية والخط الساحلي مع دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، وهذا سيتطلب تعزيز الوجود العسكري الروسي في البلطيق وكالينينغراد، وبالمقابل سيؤدي إلى تنشيط استراتيجيات مضادة.
أخيراً، لا بد من التخلي عن أوهام التفاؤل بأن العقد المقبل سيكون أكثر أمنا واستقراراً، فبنية الأمن الاوروبي والدولي تغيرت بشكل كبير، كما أن سياسات موسكو التحريفية حفزت ديناميات تسليحية جديدة حول العالم، من شأنها مستقبلاً تقويض القيود التي تفرضها الاتفاقيات الثنائية، أو الدولية للحد من انتشار الأسلحة ومراقبتها. ينبغي عدم الاستهانة بمدى الخطورة التي تتسبب بها خطوة بوتين بنشر الأسلحة النووية التكتيكية في بيلاروسيا على المدى البعيد والاستراتيجي، لكن في الوقت نفسه تسلط مثل هذه الخطوة الضوء على يأس روسيا المتزايد وافتقار الكرملين إلى خيارات بديلة مع استمرار الحرب التي يبدو أن لا نهايتها قريبة لها.
كاتب في الشؤون الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية