نقد «التمثيل»: في ضرورة «الرجل الأبيض»

30 - يوليو - 2020

حدد المؤرخ الإيراني الأمريكي حميد دباشي مشروع نقد الاستشراق، الذي بدأه إدوارد سعيد، بوصفه تفكيكاً لنمط معين من إنتاج المعرفة، ارتبط بالمشروع الإمبريالي الأوروبي، الذي أفضى بالمحصلة لتشكيل ذات سيادية (أوروبية -أمريكية)، وذات متعالية (كانطية)، عارفة بكل شيء يتعلق بشؤون الملونين من سكان المستعمرات.
نقد الاستشراق إذن، بغض النظر عن استخداماته الصحافية المبتذلة، ليس استعداءً لأي عرق أو دين أو ثقافة، بل هو جزء من مشروع فكري أكبر، قائم على نقد «التمثيل»، أي العلاقة اللازمة بين السلطة، التي تُخضِع؛ والمعرفة التي تؤسس حقولاً بحثية عمّا أخضعته السلطة، وتُنتج تمثلات عنه، تساهم بدورها بمزيد من الإخضاع. الاستشراق الكلاسيكي الذي انتقده سعيد، بحسب دباشي، لم يعد موجوداً مع تغيّر المشروع الإمبريالي، فالاستشراق المعاصر لم يعد مستنداً إلى جهاز معرفي متين، بقدر ما أصبح نوعاً من المعرفة الاستهلاكية السريعة، التي تُنتج للاستخدام لمرة واحدة، تماماً كأدوات المائدة البلاستيكية.
فكرة نقد «التمثيل» لها تاريخ طويل في الفلسفة، وكذلك النقد الأدبي، وهو الاختصاص الأساسي لإدوارد سعيد، ولكن الاستشراق لم يكن مجرد إنشاء أدبي، بل هو سلسلة من المعارف العابرة للتخصصات، متعددة الأصوات والتيارات واللغات، شملت حقولاً بحثية ربما كان سعيد، وكذلك دباشي، غير مؤهلين للحكم عليها، مثل علم الآثار، الفيلولوجيا، علم المخطوطات، اللاهوت، القانون، إلخ. يمكن بالتأكيد نقد «الجهاز المعرفي» الذي أنتج تلك الحقول، ولكن هل تبيان ارتباط السلطة الاستعمارية بالمعرفة الاستشراقية كافٍ بحد ذاته لإلغاء كل ما أنتجته هذه المعرفة؟ أي أن نعيش اليوم مثلاً بدون نسخة كاملة محققة لتاريخ الطبري، أو بلا قدرة على قراءة الرموز الهيروغليفية، وكل هذا من إنجازات المستشرقين. الأهم: هل منظور نقد «التمثيل» قادر على إنتاج معرفة أخرى، غير استعمارية، في أي مجال بحثي؟
الإجابة على السؤال الثاني بالغة الصعوبة: نقد التمثيل موجهة أساساً لنمط المعرفة التجريبي كله، لا توجد حقائق أو أصول، وإنما خطابات متراكبة عن الحقيقة. بهذا المعنى فلا يُعنى النقد بإنتاج المعرفة بقدر تفكيك خطابات الحقيقة، وإظهار «إرادة القوة» التي تكمن خلفها، وهكذا لا يمكن لنقد الاستشراق أن يكون أكثر من «خطابات عن خطابات»، حسب تعبير الباحث الفرنسي أولفييه روا.
معارفنا الحديثة كلها إذن، وهي تُنسب للرجل الأبيض الاستعماري، في موضع اتهام. يوجد كثير من النقد الفلسفي لهذه الفكرة، ولكن ماذا عن نتائجها المعاصرة في مجال السياسة والثقافة الجماهيرية؟ وهل يمكن فعلاً الخلاص من «الرجل الأبيض»؟

لا يُعنى النقد بإنتاج المعرفة بقدر تفكيك خطابات الحقيقة، وإظهار «إرادة القوة» التي تكمن خلفها، وهكذا لا يمكن لنقد الاستشراق أن يكون أكثر من «خطابات عن خطابات»، حسب تعبير الباحث الفرنسي أولفييه روا.

بناء الرجل الأبيض

تلاحظ الباحثة الأمريكية هيلين بلوكروز تغيراً أساسياً في ما تسميه «مشروع بعد الحداثة»، فقد وقع هذا المشروع في أزمة كبيرة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أدت لنهايته نظرياً: لا يمكن انتقاد اللغة، الخطاب، العقل، وأي شكل من أشكال التمثيل، إلا بتمثيل مضاد، يعكس المعادلة ولا ينفيها، ويُنتج لغة وعقلاً وخطاباً جديداً، وبالتالي لم يعد أمام مشروع ما بعد الحداثة ما يقوله إلا بعض الألعاب اللغوية المتذاكية، التي باتت مملة مع الوقت.
التغيّر الأساسي حدث في مطلع قرننا الحالي، مع تطور تيارات أكاديمية جديدة، مثل التقاطعية، النظرية العرقية النقدية، إلخ. فقد عمل جيل جديد من الباحثين على إظهار موضوعية بنى السلطة، أي أن الهويات المختلفة، مثل هوية النساء والملونين والمثليين، رغم كونها بناء اجتماعياً، تملك حضوراً موضوعياً، نظراً للاضطهاد الذي يلقاه أبناؤها. المثلية مثلاً بناء اجتماعي، قائم على التعارض مع مفهوم سلطوي عن الجنسانية «الطبيعية»، ولكن هذا لا يعني أن المثليين والمغايرين غير موجودين فعلاً في العالم، بل ذلك تحديد أساسي لما يمكن للمرء أن يناله من مكاسب، أو يتعرّض له من تمييز. يتيح فهم هذا لـ»المهمشين» أن يخوضوا نضالاً سياسياً مُصغّراً ضد بنى السلطة الذكورية، المغايرة، البيضاء. عن طريق تصليب هوياتهم في وجه «الآخر»، مع الحفاظ على قدرتهم على تفكيكها، وإعادة تشكيلها كما يهوون، في الآن ذاته. بهذا المعنى يصبح «الرجل الأبيض» ضرورة لازمة لأي هوية «مهمشة»، فهي تكتسب معناها من وجوده، والاضطهاد الذي فرضه تاريخياً، ومن هنا يُنتج «التَظَلّم»، بوصفه أسلوباً لإنتاج حقول بحثية، وكذلك لنيل الاعتراف الاجتماعي والمنافع المادية: يسعى كثيرون، بأي طريقة، لنسب أنفسهم لهوية مهمشة ما، عانت من الرجل الأبيض، كي يكتسبوا رأسمالاً رمزياً معيناً ضمن مؤسسات أكاديمية واجتماعية قائمة على مبدأ «التمكين»، وحيّز سياسي متأثر بشدة بسياسات الهوية. ولعل المثال الأطرف ادعاء السياسية الأمريكية إليزابيث وارن لنفسها نسباً عائلياً يعود لسكان أمريكا الأصليين. أصبح التركيز أيضاً على فكرة «الشباب» ضرورياً لإنتاج هوية جديدة مختلفة عن «الرجل الأبيض»، الذي صار معناه اليوم الرجال البيض العجائز، الذين عاثوا في الأرض فساداً وتمييزاً.
هنالك مشكلة نظرية واضحة بهذا الطرح: إذا زال «الرجل الأبيض»، مع تقاعد ووفاة معظم الرجال البيض العجائز، ما المعرفة التي يمكن لكل أولئك «المهمشين» أن ينتجوها، بعد أن اختفى العامل السلطوي الأساسي، الذين اقتصرت دراساتهم على نقد تمثيلاته؟ ما نمط العلم، القانون، التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يمكن الوصول إليه؟ ما الحيز العام الذي سيبنونه بعد خروجهم من «مساحاتهم الآمنة»؟

العودة إلى الأرثوذكسية

هنالك نمط آخر للتعامل مع نقد التمثيل: ليست المشكلة بالسلطة بحد ذاتها، بل بسلطة الرجل الأبيض بالتحديد، ودولته الحديثة، التي فُرضت على العالم بأسره، ولكي ننتج معرفة بالعالم غير الأبيض علينا أن ندرس آليات السلطة والمعرفة الخاصة به، بعيداً عن معايير بيضاء تدّعي الكونية. نجد هذا واضحاً في مشاريع باحثين مثل طلال أسد ووائل حلاق.
حاول أسد تأسيس «أنثربولوجيا الإسلام»، عن طريق البحث في علاقات السلطة الداخلية، التي تبني مجال «الأرثوذكسية الإسلامية»، وتفصل الممارسة الإسلامية عن غير الإسلامية. يرفض أسد اعتباره تكفيرياً، فهو يسعى لتحديد «أبستيمي» للتقليد الإسلامي، بدون أن يطالب بإقصاء أو اضطهاد من يشذّون عن هذا التقليد. إلا أن تحديد «التقليد الصحيح» قاد بشكل مباشر إلى تمييز بين «أصلاء»، وآخرين لا يتمتعون بالإصالة، من سكان العالم غير الغربي. الأسوأ أنه بات بإمكان باحث «أبيض»، في أي أكاديمية غربية، أن يخبر أبناء المستعمرات السابقة أنهم ليسوا أصيلين بما فيه الكفاية. وبهذا لا يختلف استكشاف «الأرثوذكسية الإسلامية» عن تقليد استعماري بريطاني قديم: اعتمد الحكام الاستعماريون البريطانيون، في كثير من الأحيان، على قوى محلية تقليدية، اعتبروها أكثر «أصالة» من الفئات المتعلمة، المتشبّهة بالغربيين، على عكس الاستشراق الفرنسي، الذي احتفى غالباً بكل ما هو مهرطق ومختلف وخارج عن «الأرثوذكسية».

لن يؤدي نقد العقلانية الحداثية وتمثلاتها، إلا إلى عقلانية حداثية مضادة، لها تمثلات ليست أقل سلطوية من المشروع الاستعماري.

حلاق أقصى الإسلاميين أنفسهم من فهم طبيعة «الحكم الإسلامي»، فالدولة الإسلامية «المستحيلة»، التي يسعون إليها، لا تتفق مع الشريعة الإسلامية الأصيلة، المغايرة كلياً لنمط الدولة الحديثة. من جديد «الرجل الأبيض» ضروري جداً لتحديد حقيقتنا الأساسية: أصالة وجودنا وفعلنا تقاس بمدى الابتعاد عنه والخلاص من هيمنته، أما التغيّر التاريخي والثقافي، بأشكاله المتعددة، الذي يمكن أن يفسر وجود تركيبات اجتماعية متعددة ومتنازعة، لا يمكن لأحدها أن يحتكر «الأصالة»، ما هو إلا خطيئة استعمارية بيضاء، مهمة المعرفة فقط التطهّر منها.

استعمارية جديدة

توجد نكته فلسفية شهيرة: كل من يحاول الخلاص من هيغل، ينتهي به الأمر هيغلياً مشوّهاً. والمعنى، في ما يتعلق بموضوعنا، أن تحديد الذات والمعرفة بالخلاص من تأثيرات «الرجل الأبيض» لن ينتج إلا «رجالا بيضاً» مشوهين. لن يؤدي نقد العقلانية الحداثية وتمثلاتها، إلا إلى عقلانية حداثية مضادة، لها تمثلات ليست أقل سلطوية من المشروع الاستعماري. مجاميع الناشطين الغربيين، والأكاديميين المعادين للاستشراق، الذين يملكون الجرأة لمعايرة البشر بأنهم «طبقة عاملة بيضاء»، أو نساء وملونون ومسلمون غير أصيلين بما فيه الكفاية، تدلّ بالفعل على عقلية مركزية، تأتي من المواطن الاستعمارية القديمة نفسها، تُصنّف البشر بشكل هرمي. سبق لجاك دريدا أن لاحظ ما يشبه هذا، منذ بداية الستينيات، في نقده لمشروع ميشيل فوكو.
يبقى أن المنظور البنائي، الناقد للتمثيل، لا يصل حتماً لهذه النتيجة، إذا تخلى عن فكرة «الخطيئة الأصلية»: ليست سلطة ومعرفة «الرجل الأبيض» الدنس التاريخي الأكبر، ودولته الحديثة، التي راقبت وعاقبت، منحت أيضاً إمكانيات تحررية هائلة للملايين، فقد استطاعت نضالات حركات العمال والنساء وسكان المستعمرات، المبنية على القيم التحررية لثورات الحداثة، أن تعمّم كثيراً من حقوق الرجال البيض (البورجوازيين) على الفئات المُستغلة والمضطهدة. ولم تحمل تمثيلات المعرفة «البيضاء» السلطوية الاستعمارية فحسب، بل القدرة على المقاومة. وربما لن يُبقي لنا التخلي عن بناءات المعرفة الحديثة هذه سوى «الأرثوذكسية الإسلامية» و»الخطابات عن الخطابات».

٭ كاتب من سوريا

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Tarkan

    مقال في منتهى الروعة تم تسليط الضوء فيه على القصور في فكر ما بعد الحداثة من عدة جوانب. انها المرة الاولى التي ارى فيها كاتب عربي يكتب عن هذا الموضوع باسترسال و مع اسقاط الضوء على حجج وبراهين منتهجي هذا الفكر ومن زوايا مختلفة. تحياتي للكاتب.


  • Badr

    باختصار و بكلمة : الجوكر


إشترك في قائمتنا البريدية