نقل السفارة البريطانية إلى القدس ينتهك القرارات الدولية

فوجئنا بتصريحات لرئيسة وزراء المملكة المتحدة (المستقيلة) حول نية حكومتها نقل سفارة بلادها من تل أبيب إلى القدس، ولهذا التصريح أبعاد دولية وسياسية وخيمة، فموضوع نقل سفارة دولة – أي دولة- إلى القدس المصنفة تحت النظام الدولي، أي «كيان منفصل»، يعتبر انتهاكا للقانون الدولي وقرارات (Corpus – Separatum) مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة.
هذا القرار الذي اعتمدته الجمعية العامة تحت رقم 181 يوم 29 نوفمبر 1947 وعرف باسم «قرار التقسيم» لم ينته مفعوله ولم يأت قرار بعده يلغيه. كما أن هناك أيضا قرارات عديدة لمجلس الأمن الدولي والجمعية العامة، ترفض أي تغيير لهذا الوضع القانوني من قبل الاحتلال الإسرائيلي وتعتبر أي تغيير، أو تعديل على هذا الوضع القائم، باطلا ولا قيمة قانونية له.
لقد نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 (د-2) على تقسيم فلسطين إلى دولة عربية، وأخرى عبرية، على أن تقوم الأمم المتحدة عن طريق مجلس الوصاية بإدارة نظام دولي خاص بالقدس. وعرّفت حدود المدينة المُدوّلة بأنها تشمل البلدة القائمة في حينه، علاوة على القرى والبلدات المحيطة بها وأقصاها شرقا أبو ديس، وأقصاها جنوبا بيت لحم، وأقصاها غربا عين كارم، واقصاها شمالا شعفاط.
وخلال عامي 1948- 1949 لم يتقرر مصير القدس المدولة باتفاق دولي، بل بالقوة المسلحة وقسمت المدينة بحكم الواقع العسكري بين بلدين متحاربين، حدودهما مغلقة، وأخذ هذا التقسيم طابعا رسميا في اتفاق الهدنة بين الأردن وإسرائيل بتاريخ 3 إبريل 1949. وفي غضون ذلك كانت السلطات الإسرائيلية قد انشأت العديد من المؤسسات والمنشآت العامة في الشطر الغربي للقدس المحتلة، ففي فبراير عام 1949 اجتمع الكنيست في القدس الغربية في مخالفة صريحة للقرار المذكور، حيث أدى رئيس دولة الاحتلال ديفيد بن غوريون، اليمين الدستوري. وفي أعقاب ذلك أبلغت لجنة التوفيق المنبثقة عن قرار الجمعية العامة 194 لعام 1948 عن قيام إسرائيل بإنشاء خدمات وزارية ضمن المنطقة المدوّلة، والمقرر أن تخضع لنظام دولي دائم. وبناء على ذلك قامت اللجنة بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي أوضحت فيها مخالفة هذه الإجراءات مع قرارات الجمعية العامة المتعلقة بتدويل القدس. ورغم اتفاق الهدنة والإجراءات العملية على أرض الواقع، اعتبر المجتمع الدولي أن اتفاقية الهدنة بتفاصيلها، ليس لها أثر قانوني في استمرار صلاحية الأحكام المتعلقة بتدويل القدس في قرار التقسيم (181) والالتزامات القانونية المنبثقة عنه، ووفقا لذلك، لم يقم أي بلد بفتح سفارة له في القدس لغاية عام 1967حيث اعتبرت القنصليات القائمة هناك ذات صبغة قانونية خاصة، وعرفت في حينه باسم (sui generis) أي حالة خاصة أو نادرة، التي كان وجودها هناك على هذا الأساس، دون الاعتراف بالسيادة على الشطرين، وكان عددها 9 قنصليات في شطري القدس الغربي والشرقي. وبخلاف القنصليات الممثلة لدى إسرائيل لم تقدم أوراق اعتمادها لوزارة الخارجية، ولم تنل اعتمادا دبلوماسيا من رئيس الدولة، ولم تكن لها صلة رسمية بالسلطات الحكومية، وخلال ممارساتها لمهامها اعتمدت أحكام بروتوكول يمنع مظاهر الاعتراف بالسيادة على المدينة.

المجتمع الدولي لم يقبل يوما من الأيام الممارسات الإسرائيلية لتغيير معالم القدس ووضعها القانوني الدولي، وبناء المستوطنات اليهودية والجدار العنصري

القدس بعد حرب 1967

في أعقاب حرب 1967 واحتلال إسرائيل لما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، بما في ذلك القدس، قامت سلطات الاحتلال منذ الأيام الأولى بتغييرات جغرافية وديموغرافية واسعة في المدينة. فقد بسطت حكومة الاحتلال بموجب مرسومين تشريعيين مهمين اعتمدا في 27 يونيو 1967 قوانين إسرائيل وولايتها القضائية، وإدارتها لتشمل مناطق القدس العربية (بما في ذلك البلدة القديمة) وصور باهر ومطار قلنديا وجبل المكبر والمناطق المجاورة له وشعفاط. كما وسعت حدود بلدية القدس الغربية لتشمل هذه المناطق. وتم توسيع مساحة البلدية تبعا لما تقدم بمقدار 70 كيلو مترا مربعا تضم حوالي 70 ألف عربي مقابل 100 ألف يهودي في القدس الغربية. وفي 29 يونيو 1967 صدر أمر عسكري بحل المجلس البلدي المنتخب والمؤلف من 12 عضوا، الذي كان يحكم القدس العربية تحت الإدارة الأردنية، وأعفي رئيس البلدية روحي الخطيب، والأعضاء الآخرون من مناصبهم. وبناء على تقرير للأمم المتحدة أعده المبعوث الخاص للأمين العام السفير السويسري ثالمان، عبّر أهالي القدس المحتلة، بمن فيهم سكان المناطق التي بسطت إسرائيل سيطرتها عليها حديثا، عن رفضهم لاندماجهم مدنيا في نظام الدولة الإسرائيلية واعتبروا ذلك انتهاكا لأحكام القانون الدولي المعترف بها، والتي تحظر على السلطة القائمة بالاحتلال تغيير الهيكل القانوني والإداري في الإقليم المحتل، وتقضي في الوقت نفسه باحترام الملكية الخاصة والحقوق والحريات الشخصية. وجرى التأكيد مرارا وتكرارا على أن سكان القدس العربية لم تتح لهم أي فرصة لكي يعلنوا بأنفسهم عما إذا كانوا مستعدين للعيش في مجتمع الدولة الإسرائيلية، وأن الحق في تقرير المصير وفقا لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد انتهك على يد سلطة الاحتلال. ونتيجة للهزيمة العربية عام 1967ونشوة الانتصار الصهيوني الذي بورك من قبل أوساط أوروبية وأمريكية واسعة، واتساع دوائر مؤيدي إسرائيل والحركة الصهيونية قامت بعض الدول الهامشية بنقل سفاراتها إلى القدس غير ان الدول الكبرى الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن وكثيرا من الدول الأوروبية ذات الأهمية الدولية، لم تفعل ذلك وبقيت على تحفظها من إقامة سفارات في المدينة المدولة، لاعتبارات قانونية وسياسية. من الواضح أن المجتمع الدولي لم يقبل يوما من الأيام الممارسات الإسرائيلية لتغيير معالم القدس ووضعها القانوني الدولي، خاصة من خلال بناء المستوطنات اليهودية وبناء الجدار العنصري الفاصل ومحاولات طرد أو تقليص الوجود العربي في القدس العربية وضواحيها، واعتبرت هذه الممارسات لاغية وباطلة.
لقد أقر مجلس الأمن الدولي مباشرة بعد احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية عام 1967، القرار 242 (1967) عدم شرعية استحواذ أراضي الغير بالقوة وطلب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها خلال حرب يونيو 1967. ثم جاء القرار 252 (21 مايو 1968) الذي نص على عدم شرعية الإجراءات القانونية والإدارية الإسرائيلية، التي من شأنها تغيير الوضع القائم (القانوني والإداري) في القدس، وطلب المجلس من سلطة الاحتلال إلغاء هذه التغييرات، خاصة اعتبار القدس عاصمة للدولة العبرية خلافا لأحكام قرار التدويل، والتوقف عن ممارساتها. ثم اعتمد مجلس الأمن القرار 267 لعام 1969 للتأكيد على صلاحية القرار السابق 252 ووجهت توبيخا لإسرائيل لعدم تنفيذ القرار بوقف تغيير الوضع القانوني والإداري للقدس، وأشار بشكل خاص إلى الاستيلاء على الأراضي والعقارات الفلسطينية المقدسية، وأشار إلى إمكانية اتخاذ مجلس الأمن إجراءات بهذا الصدد إذا لم تلتزم إسرائيل بقرارات المجلس. أما قرار المجلس رقم 298 (25 سبتمبر 1971) فكان واضحا أكثر بالنسبة للممارسات الإسرائيلية المنافية لقرارات مجلس الأمن، وخص بالذات مصادرة الأراضي والممتلكات الفلسطينية ونقل مواطنيها إلى القدس المحتلة، وإصدار تشريعات لضم المناطق المحتلة تحت سيادتها وتصرفها واعتبار هذه الممارسات باطلة ويجب أن لا تغير من وضع القدس القانوني. ثم اعتمد المجلس القرار رقم 476 (30 يونيو) لعام 1980 ليؤكد على صلاحيات وفاعليات قراراته السابقة بإلغاء المحاولات الإسرائيلية لتغيير الوضع القانوني للقدس وممارساته للتغيير الديموغرافي والبنيوي للمدينة وعدم انصياع إسرائيل لقرارات المجلس الملزمة، وأضاف بأن هذه الممارسات لسلطة الاحتلال تعتبر مخالفة صارخة لبنود اتفاقية جنيف الرابعة (1949) الخاصة بحماية المدنيين في حالات الحرب. ثم لحق به القرار478 ( 20 أغسطس 1980) الذي دعا بكل وضوح إلى إنهاء أي وجود أو تمثيل دبلوماسي أجنبي في القدس. ففي أعقاب قرار الكنيست بتفعيل «القانون الأساسي» حول القدس بشقيها، الذي شجبه المجلس وأكد إبطاله وطلب المجلس من كل الدول الاعضاء قبول قرار المجلس، كما طالب جميع تلك الدول التي لديها تمثيل دبلوماسي (سفارة/قنصلية) في القدس أن تسحب ممثليتها من المدينة المقدسة. وبالفعل قامت حفنة من الدول التي كان لها تمثيل دبلوماسي في القدس بسحب هذه الممثليات. ورغم هذا كله تم بتاريخ 14 مايو 2018 نقل سفارة للولايات المتحدة الامريكية من تل أبيب الى القدس، رغم كل المحرمات الدولية، خاصة قرار مجلس الأمن 478 (1980) الآنف الذكر، والقرارات الأخرى العديدة التي لا تعترف بأي تغيير في وضع القدس القائم منذ عام 1967 وتعتبره غير ذي قيمة قانونية.
ليس بوسعنا إعطاء تفسير دقيق لتصرف رئيسة الوزراء المستقيلة ولكن يمكن التقاط بعض المؤشرات التي يمكن تفسير دوافعها وتصوراتها. فمن الملاحظ أنها ليست محافظة فقط، بل أقرب لعنجهية ترامب من صرامة ثاتشر، وأن مجلس الأمن الدولي عجز عن ردعها، وأن التكتل العسكري والسياسي الأوروبي الأمريكي ضد روسيا لا مجال فيه لخلاف مع المملكة المتحدة حول نقل سفارتها إلى القدس، وأن قضايا الشرق الأوسط مهمشة والتضامن العربي معدوم والانقسام الفلسطيني مستمر. كل ذلك مع وجود لوبي صهيوني قوي في بريطانيا لن يكون هناك ثمن سياسي واقتصادي ملموس تدفعه بريطانيا عندما تنقل سفارتها الى القدس ضاربة بعرض الحائط كل القوانين والمقررات الدولية والأخلاق الإنسانية.

 باحث ومؤرخ فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Omar Ali:

    اذا ارادت الدول العربية اتخاذ مًقف حازم فسترضخُ الحكومة البريطانية وتغير مًوقفها المتعلق بنقلً سفارتها الى القدس المحتلة.
    على وسائل الاعلام العربي الحر وكذلك المنظمات غير الحكومية العربية والاسلامية وفي الدول الغربية القيام بحملة سياسية واعلامية واسعة في البرلمان البريطاني وكذلك الاتصال باعضاء مجلس العموم البريطاني من اجل ردع الحكومة البريطانية والزامها باحترام قرارات الامم المتحدة في شأن فلسطين.

اشترك في قائمتنا البريدية