هذا‭ ‬العطل‭ ‬الذهني‭  ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬الجزائريين‭!‬

10 - سبتمبر - 2018

‭ ‬مقالي‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬عن‭ ‬فقدان‭ ‬الجزائريين‭ ‬الإيمان‭ ‬ببلدهم‭ ‬وانعدام‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬حكامه،‭ ‬استفز‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والزملاء،‭ ‬فكانت‭ ‬ثمرته‭ ‬نقاشا‭ ‬طويلا‭.‬

أكتب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬بلا‭ ‬ملل‭ ‬لأنه‭ ‬يدميني‭. ‬لا‭ ‬أعتبر‭ ‬نفسي‭ ‬معنيا‭ ‬بمحاولات‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬‮«‬تعالوا‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬وشاركونا‭ ‬العيش‭ ‬فيها‭ ‬بدل‭ ‬الانتقاد‭ ‬من‭ ‬الخارج‮»‬،‭ ‬انتزاع‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬من‭ ‬أمثالي‭. ‬هذه‭ ‬طرق‭ ‬لن‭ ‬تنفع‭ ‬معي‭. ‬عزائي‭ (‬وثقتي‭) ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬وحيداً‭ ‬في‭ ‬الألم‭ ‬المرفوق‭ ‬بشعور‭ ‬بالعجز‭.‬

مرة‭ ‬أخرى‭: ‬حالة‭ ‬الجزائر‭ ‬لا‭ ‬تسرُّ‭ ‬صديقا‭ ‬ولا‭ ‬عدوا‭. ‬وحالة‭ ‬الجزائريين،‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأصعدة،‭ ‬مثيرة‭ ‬للشفقة‭. ‬من‭ ‬السهل‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬أنهم‭ ‬ضحايا‭ ‬ومذنبون‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬عذر،‭ ‬فهو‭ ‬أنهم‭ ‬يسيرون‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قادة‭ ‬فكر،‭ ‬لا‭ ‬نماذج‭ ‬اجتماعية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معالم،‭ ‬بلا‭ ‬إضاءة،‭ ‬غير‭ ‬واثقين‭ ‬من‭ ‬وجهتهم‭ ‬وممن‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬ـ‭ ‬الذين‭ ‬يُفترض‭ ‬أنهم‭ ‬قادة‭ ‬البلاد‭ ‬والمسؤولين‭ ‬عن‭ ‬خط‭ ‬سيرها‭. ‬

منذ‭ ‬الاستقلال،‭ ‬بُذل‭ ‬جهد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مستويات‭ ‬إدارة‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬واجتمعت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬والأدوات‭ ‬لتعليم‭ ‬الجزائريين‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬أنفسهم‭ ‬وفي‭ ‬الآخر‭ ‬والتشكيك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬وبُذل‭ ‬جهد‭ ‬كبير‭ ‬أيضا‭ ‬لجعل‭ ‬الجزائريين‭ ‬شعبا‭ ‬متردداً‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬الحسم‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الموضوع‭ ‬المطلوب‭ ‬حسمه‭. ‬تعلّم‭ ‬الجزائريون‭ ‬الكسل‭ ‬الذهني‭ ‬فسكنهم‭ ‬جُبنٌ‭ ‬فكري‭ ‬منَعَهم‭ ‬من‭ ‬مناقشة‭ ‬وحسم‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬الحسم‭. ‬

من‭ ‬نافلة‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬ترك‭ ‬القضايا‭ ‬معلقة‭ ‬والتهرب‭ ‬من‭ ‬حسمها‭ ‬يعرقل‭ ‬إقلاع‭ ‬الأمم‭. ‬هذه‭ ‬نظرية‭ ‬فيزيائية‭ ‬ليست‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الجزائر‭: ‬من‭ ‬لا‭ ‬يتقدم‭ ‬يتأخر‭. ‬والشيء‭ ‬المهجور‭ ‬يتعفن‭.‬

اليوم،‭ ‬الجزائر‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬القليلة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحسم‭ ‬في‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬قضاياها‭ ‬الكبرى‭: ‬الهوية،‭ ‬مكانة‭ ‬الدين،‭ ‬التاريخ،‭ ‬اللغة،‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬طريقة‭ ‬الحكم،‭ ‬المستقبل‭.. ‬إلخ‭. ‬كل‭ ‬الملفات‭ ‬مفتوحة،‭ ‬لكن‭ ‬بعبثية‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬جدية‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬طرقها‭.‬

أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أسرد‭ ‬عشرات‭ ‬الأمثلة،‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬ومن‭ ‬الحاضر،‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬التشكيك‭ ‬المستشرية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رغبة‭ ‬مقابلة‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬يملأ‭ ‬الفراغ‭. ‬

هل‭ ‬نحن‭ ‬أمازيغ‭ ‬أم‭ ‬عرب‭ ‬أم‭ ‬مسلمون؟‭ ‬أو‭ ‬كل‭ ‬هذا؟‭ ‬مَن‭ ‬سيحسم‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭ ‬الفادح‭ ‬لأدوات‭ ‬النقاش،‭ ‬ومع‭ ‬الغياب‭ (‬التغييب‭ ‬المتعمد‭) ‬لأي‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬النقاش؟

حرب‭ ‬الاستقلال‭ (‬1954‭ ‬ـ‭ ‬1962‭) ‬ثورة‭ ‬ملائكية‭ ‬مطهرة،‭ ‬أم‭ ‬عمل‭ ‬بشري‭ ‬فيه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬والصواب؟‭ ‬مظاهرات‭ ‬أكتوبر‭ ‬1988‭ ‬الدامية،‭ ‬ثورة‭ ‬خبز‭ ‬وكرامة‭ ‬أم‭ ‬مؤامرة؟‭ ‬

قبل‭ ‬عقدين‭ ‬عاشت‭ ‬الجزائر‭ ‬حربا‭ ‬أهلية‭ ‬دامية‭. ‬بدأت‭ ‬وانتهت‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬كيف‭ ‬ولماذا‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬جاهز‭ ‬للحقيقة‭ ‬والمصارحة‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يريد‭ ‬استخلاص‭ ‬العبر‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬تلك‭ ‬المأساة‭ ‬مع‭ ‬أبنائنا‭ ‬وأحفادنا‭.‬

ان‭ ‬ترك‭ ‬القضايا‭ ‬معلقة‭ ‬والتهرب‭ ‬من‭ ‬حسمها‭ ‬يعرقل‭ ‬إقلاع‭ ‬الأمم

‭ ‬مصالي‭ ‬الحاج،‭ ‬الذي‭ ‬يوصف‭ ‬بأب‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية،‭ ‬مَن‭ ‬هو‭ ‬وما‭ ‬تصنيفه؟‭ ‬الجزائر‭ ‬كلها‭ ‬تتهرب‭ ‬من‭ ‬مناقشة‭ ‬أخطائه‭ ‬ونجاحاته‭ ‬وكأنه‭ ‬لا‭ ‬يعنيها‭.‬

عبان‭ ‬رمضان،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬قادة‭ ‬الثورة‭ ‬الجزائرية‭ (‬قُتل‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬قادة‭ ‬أمثاله‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬حرب‭ ‬الاستقلال‭) ‬بطل‭ ‬أم‭ ‬خائن؟‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجزم‭. ‬والأخطر،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬جاهز‭ ‬للنقاش‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭.‬

الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬هواري‭ ‬بومدين،‭ ‬بطل‭ ‬قومي‭ ‬أم‭ ‬طاغية‭ ‬زرع‭ ‬بذور‭ ‬الفشل‭ ‬الذي‭ ‬نحن‭ ‬فيه‭ ‬اليوم؟‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يجزم‭. ‬والأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يهتم‭ ‬بالموضوع‭.‬

عبد‭ ‬العزيز‭ ‬بوتفليقة،‭ ‬لص‭ ‬اختلس‭ ‬أموال‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬فتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬إهانته‭ ‬وفصله‭ ‬ليعيش‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التيه‭ ‬والعزلة،‭ ‬أم‭ ‬ابن‭ ‬بار‭ ‬لهذه‭ ‬الجزائر‭ ‬المستقلة‭ ‬حديثا‭ ‬الباحثة،‭ ‬بفضله،‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬ريادي‭ ‬في‭ ‬العالم؟

لاحقا،‭ ‬كان‭ ‬عبد‭ ‬المؤمن‭ ‬خليفة‭ ‬نموذج‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬الشاب‭ ‬الناجح‭ ‬الفذ،‭ ‬طيلة‭ ‬سنوات‭. ‬ثم‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬لص‭ ‬ومجرم‭ ‬مطلوب‭ ‬دوليا‭. ‬هو‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬السجن‭. ‬الذين‭ ‬استفادوا‭ ‬من‭ ‬ريعه‭ ‬المبعثر‭ ‬هم‭ ‬ذاتهم‭ ‬من‭ ‬نهشوا‭ ‬لحمه‭ ‬عندما‭ ‬سقط،‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭!‬

مثله،‭ ‬شكيب‭ ‬خليل‭ ‬وزير‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬رئاسة‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬بوتفليقة،‭ ‬من‭ ‬مطلوب‭ ‬بمذكرة‭ ‬توقيف‭ ‬دولية‭ ‬بتهمة‭ ‬تبديد‭ ‬أموال‭ ‬الشعب‭ ‬والتلاعب‭ ‬بممتلكات‭ ‬عمومية،‭ ‬إلى‭ ‬نجم‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬طموحاته‭ ‬السياسية،‭ ‬حتى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُحاكم‭ ‬وينال‭ ‬براءة‭ ‬رسمية‭.‬

ليس‭ ‬القصد‭ ‬من‭ ‬سرد‭ ‬هذه‭ ‬الأمثلة‭ ‬توزيع‭ ‬لوائح‭ ‬اتهام‭ ‬أو‭ ‬صكوك‭ ‬براءة،‭ ‬بل‭ ‬توضيح‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بطلا‭ ‬ثم،‭ ‬بسرعة‭ ‬عجيبة،‭ ‬تُهان‭ ‬وتُسحق‭. ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬للقضاء‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬نقاش‭ ‬نضج‭ ‬وجاد،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬عناء‭ ‬لتنوير‭ ‬المجتمع‭ ‬ومرافقته‭ ‬نحو‭ ‬الفهم‭ ‬واستخلاص‭ ‬العبر‭.‬

وسط‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الغابة‮»‬،‭ ‬وبسببها،‭ ‬لا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬المجتمع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬ومَن‭ ‬عليه‭ ‬الوثوق‭ ‬فيهم‭ ‬ويتوقف‭ ‬عن‭ ‬السير‭. ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬هذا‭ ‬الانسحاب‭ ‬الجماعي‭ ‬من‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬وهذه‭ ‬الاستباحة‭ ‬المطلقة‭ ‬للفضاء‭ ‬العام‭.‬

لا‭ ‬يستقيم‭ ‬الادعاء‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬أحوج‭ ‬إلى‭ ‬الخبز‭ ‬والحليب‭ ‬والوظائف،‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الترف‭ ‬الفكري‭. ‬ببساطة‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأعذار‭ ‬أصابت‭ ‬عقول‭ ‬الجزائريين‭ ‬بالشلل‭. ‬وهذا‭ ‬الشلل‭ ‬يسجن‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬الجهل‭ ‬والغرور‭ ‬الخاطئ‭ ‬والنقاشات‭ ‬الهامشية‭ ‬والعقيمة‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬صحافي‭ ‬جزائري

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية