هرطقة كتابة تاريخ مشترك بين الجزائر وفرنسا

حجم الخط
4

هذا على الأقل ما تقترحه اللجنة التاريخية المشتركة بين فرنسا والجزائر، المؤلفة من مؤرخين من البلدين. في أول اجتماع لها عقدته في مدينة قسنطينة الجزائرية، في انتظار توضيحات أكثر سيطالب بها بكل تأكيد الرأي العام الوطني في الجزائر.
حول هذه الهرطقة السياسية والفكرية، التي صادف الإعلان عنها شهر اندلاع ثورة التحرير الجزائرية، علما بأن اللجنة قد تم تكوينها بعد زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للجزائر في صيف 2022، لتكون أولى قرارتها بعد اجتماعها الأخير، استرجاع الجزائر مليوني وثيقة تاريخية مصورة متعلقة بالفترة العثمانية وبعض مقتنيات الأمير عبد القادر الشخصية. كما أوصت بوضع قائمة مراجع تاريخية مشتركة كأرضية لعمل المؤرخين من الطرفين، التي قررت اللجنة المشتركة تنظيم تنقلهم بين البلدين للاستفادة من الأرشيف، الذي ما زال الوصول إليه صعبا وغير متاح، خاصة في ما يتعلق بالجزائر، التي ما زالت بعيدة عن تقنين الولوج للأرشيف الوطني، للمهتمين من أبناء البلدين بشكل شفاف، بمن فيهم المؤرخون والمهتمون، لكل ما هو متوفر من دراسات حول هذا التاريخ المشترك الذي ما زال يثير الكثير من سوء التفاهم بين البلدين.

رئيسان فرنسيان تميزا حضورهما في الجزائر عند انطلاق حملتيهما الانتخابية بخطاب متفهم لأطروحات الجزائر حول الذاكرة، سرعان ما تغيرت بعد الاستقرار في الإليزيه

في انتظار الإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي ما زال يثيرها هذا التاريخ الذي عرف الكثير من المحطات الأليمة، بداية من مرحلة الاحتلال الفرنسي للجزائر التي تريد اللجنة التعرف على أسبابه البعيدة والقريبة، كمرحلة ضرورية قد تفيد في فهم ما حصل لاحقا بين البلدين والشعبين. في انتظار الملفات المثيرة الأخرى المتعلقة بما تبقى من جماجم لشهداء الانتفاضات الشعبية وقضية الأرشيف ـ لا تتعلق فقط بفترات قديمة وتمس الكثير من الجوانب بما فيها تنظيم المدن على سبيل المثال – الذي هربته فرنسا عند مغادرتها الجزائر، بعد الاستقلال والكثير من قضايا الذاكرة الأخرى الشائكة، التي ما زالت تتسبب في تسميم العلاقات بين البلدين كل مرة. تصفح دقيق لجدول أعمال هذه اللجنة يخبرنا أنها فضلت الانطلاق من الملفات التي لا تثير الكثير من نقاط الخلاف، بين البلدين لارتباطها بفترات تاريخية بعيدة نسبيا، كالفترة العثمانية ودولة الأمير عبد القادر وجماجم الانتفاضات الشعبية، التي لم تمر رغم ذلك، من دون إثارة زوبعة إعلامية وسياسية، بعد أن تبين للطرف الجزائري أن هذه الجماجم التي أعيدت للجزائر لم تكن كلها لشهداء وثوار هذه الفترة التاريخية المهمة في تاريخ المقاومة الشعبية للاستعمار الفرنسي في مراحله الأولى. في انتظار فتح الملفات التاريخية التي تغضب، كما يقول الفرنسيون، تلك التي ما زالت تثير الكثير من نقاط الخلاف، كما هو حال عمليات الإبادة التي تعرضت لها قبائل وأبناء جهات كاملة، عند «دخول «الجيش الفرنسي إلى الجزائر، كما حصل في منطقة الظهرة 1845 والأغواط 1852 والزعاطشة 1849، بالقرب من مدينة بسكرة، إذا اكتفينا بالمرحلة الأولى للاستعمار الفرنسي للجزائر، التي ما زالت نظرة البلدين لها مختلفة إلى حد التناقض، كما بينته تصريحات الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي حول «الآثار الإيجابية» للاستعمار في الجزائر، وأكدته تصريحات ماكرون حول «ريع الذاكرة»، التي ما زالت تشتغل حسب رأيه في الجزائر.
رئيسان فرنسيان تميز حضورهما في الجزائر عند انطلاق حملتيهما الانتخابية بخطاب متفهم لأطروحات الطرف الجزائري حول الذاكرة، سرعان ما تغيرت بعد الاستقرار في الإليزيه، رضوخا لضغوط القوى الفرنسية اليمينية، التي ما زالت تحلم بالجزائر الفرنسية وترفض استقلال البلد لحد الساعة، قد تزداد حضورا، في وقت عادت فيه أطروحات اليمين المتطرف والشعبوي بقوة بين النخب الفرنسية. تاريخ وذاكرة سيزداد التطرق لهما صعوبة وتنافرا بين البلدين ونحن نقترب من مرحلة حرب التحرير بالبشاعات التي ارتكبت فيها من قبل الجيش الفرنسي، ما زال الطرف الفرنسي ساكتا عنها، كما هو الشأن بالنسبة لاستعمال الأسلحة المحرمة دوليا، كما حصل أكثر من مرة أثناء حرب التحرير ـ النابالم كمثال – والتعذيب الذي طال النساء والرجال، وهو يتحول إلى صناعة فعلية بين يدي الجيش الفرنسي الذي تورط في حرب مدن – معركة الجزائر – بعد الخروج مباشرة من هزيمة شنعاء، على يد الثوار الفيتناميين، مثل القتل خارج القانون، بما عرفه من إخفاء لجثث المجاهدين لغاية اليوم، وغيرها من الممارسات التي لا تعرف عنها الأجيال الفرنسية الشابة الكثير، نتيجة التمويه الإعلامي الحاصل حولها، ورفض إنتاج أفلام، أو وثائقيات كان يمكن أن يفيد الطرف الفرنسي في مواجهة هذا التاريخ المظلم وهو يستعمر الجزائر، أمام شعبه بالدرجة الأولى. كما حصل وهو يلجأ إلى التفجيرات النووية في صحراء الجزائر، التي ما زالت آثارها قائمة لليوم على المستوى الصحي لأجيال من الجزائريين لم يكونوا مولودين أثناء الفترة الاستعمارية، كانعكاس لهذا التاريخ المؤلم المستمر، مع الجزائريين. وهو ما يطرح قضية تعويض المتضررين من آثار هذه التفجيرات، والأهم من كل هذا الاعتراف بكل هذه الجرائم أمام الشعب الجزائري، كما فعلت قوى استعمارية أوروبية أخرى، ناهيك عن الاعتذار الذي ما زالت فرنسا ترفضه ولا تريد الكلام حوله. الطرف الفرنسي الذي سيكون في موقع قوة بشكل واضح، لو تم تبني هذا الاقتراح الأرعن لكتابة تاريخ مشترك بين البلدين، اعتمادا على الآليات المقترحة من اللجنة، الذي لم تعرفه أي تجربة دولية مشابهة، كما جاء في مقابلة مع الدبلوماسي عبد العزيز رحابي، والطرف الفرنسي ينجز الكثير من الاختراقات للطرف الجزائري وإنجاز تفوق في الكثير من النقاط كتكوين جيل جزائري من المؤرخين الشباب في جامعاته الوطنية، انطلقت في إنتاجها العلمي في السنوات الأخيرة بالفرنسية، في الوقت الذي تحول فيه التاريخ في جامعاتنا إلى تخصص من لا تخصص علمي له، هو أقرب للهواية والكلام المباح، كما كان الحال مع رئيس الطرف الجزائري – المقال – لهذه اللجنة المشتركة الذي لم يُعرف له إنتاج علمي في مجال التخصص الذي يدعيه، عكس زميله الفرنسي بن يامين ستورا المتخصص في تفاصيل التاريخ الجزائري، يحصل هذا في وقت فرضت القراءة السياسية المرتبطة باللحظة في الجزائر نفسها على الملفات المطروحة، وغاب فيه النقاش الفكري والسياسي بين الجزائريين الذي كان يمكن أن تدعمه الصحافة الوطنية المندثرة، لتترك المجال مفتوحا ومن دون منافسة للصحافة والإنتاج العلمي الفرنسي، قد يربح فيها معركة الذاكرة قبل أن تنطلق فعلا.
كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد**المغرب:

    مشكل كتب التاريخ الاستعماري لا يهم فقط الجزائر فرنسا وإنما يجب أن يكون هم اممي انساني .كل التفاهمات الفرنسية الجزائرية ستعرقل بقوى الاستعمار الأخرى. فمطالب الجزائر في هدا الموضوع يجب أن تاخد صبغة عالمية ونضال كما كان الشأن في عصر حركات الاستقلال.

    1. يقول لاعق اليد:

      كانت الجزائر دولة مستعمرة من طرف فرنسية و ليس محمية

  2. يقول متابع:

    نريد أرشيف الحدود ما قبل 1830 ، لم المطالبة فقط بالمقتنيات الشخصية ؟

    1. يقول يوسف الجزائري:

      لم يكن هناك حدود قبل 1830 كانت أمة واحدة ثم جاء الاستعمار الغربي فقسمنا إلى دويلات

اشترك في قائمتنا البريدية