هل تحول الاتحاد المغاربي إلى اتحاد جزائري؟

حجم الخط
54

ما الذي جرى بالضبط، وما الذي يعرض الآن على المغاربيين؟ الإبقاء على النسخة الأصلية من اتحادهم والعمل على تحسينها وتطويرها؟ أم تعليق الآمال على أخرى مستنسخة عنها لكنها مجتزأة ومنقوصة؟ انه تقريبا ما يحصل.
لكن لا أحد قد يستفتيهم أو يطلب مشورتهم أو يأخذ رأيهم في الموضوع، فالأمور وكما كان عليه الحال تجري وتتقرر بعيدا عنهم. والطريقة التي انتهى بها الاجتماع الأول لما اعتبر نواة تكتل مغاربي بديل للاتحاد المغاربي، في غياب تام لبلدين مهمين، هما المغرب وموريتانيا، قد تكون دليلا إضافيا على ذلك. والمؤكد أن غيابهما يطرح عدة تساؤلات حول المدى أو المجال الجغرافي الذي باتت تعنيه كلمة المغاربي، وهل أنها صارت تمثل انتماء سياسيا محددا، وتشمل جهة أو طرفا دون الاخر؟ ولعل الأيام ستكشف في وقت آخر إن كانت تلك البذرة ستنمو وتكبر وتتطور إلى أن يشتد عودها ويكون البلدان الغائبان أو المغيبان بالتالي جزءا طبيعيا من ثمرتها؟ أم أن الأمر سيؤول إلى محصول سيئ ومخيب للآمال؟

الفكرة لم تأت بعد قراءة معمقة وقناعة مشتركة من الدول الخمس بالحاجة لإيجاد إطار آخر للعمل المغاربي، إنما ولدت بقرار منفرد أخذته الجزائر على هامش قمة الغاز

على أي حال فقد جرت قبل أسابيع محاولات تونسية وجزائرية حثيثة لإقناع نواكشوط بوجه خاص بالالتحاق بالترويكا المغاربية، غير أنها رفضت بإصرار واضح العرض الذي قدم لها، والسبب هو أن هاجس الحفاظ على توازن الكفتين، والحرص على عدم ميل إحداهما إلى أي جهة من الجهتين الكبيرتين في المنطقة، أي الجزائرية والمغربية، ظل حاضرا بقوة في أذهان الموريتانيين ومنعهم من خوض مغامرة كانت تبدو في نظرهم غير مأمونة العواقب والمآلات، لكن أحدا لم ينتظر بالمقابل أو يتوقع أن تبذل مساع وجهود مماثلة نحو الرباط لإقناعها أيضا بحضور تلك الجلسة.
لقد كان نص البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية صباح السبت الماضي واضحا وصريحا حين ذكر وبالحرف: «إنه بدعوة من رئيس الجمهورية قيس سعيد يؤدي رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية عبد المجيد تبون ورئيس المجلس الرئاسي بدولة ليبيا محمد يونس المنفي زيارة إلى تونس يوم الاثنين الثاني والعشرين من أبريل الفين وأربعة وعشرين للمشاركة في الاجتماع التشاوري الأول بين قادة البلدان الشقيقة الثلاثة». وعمليا لم يبق بعدها مجال للشك في أن مسألة الحضور أو الغياب عن لقاء كان مقررا له سلفا أن يجمع بين قادة ثلاث دول مغاربية فحسب، كانت في حكم المنتهية والمحسومة.. لكن حتى إن كانت الطاولة التي اجتمعوا حولها في قصر قرطاج صغيرة نسبيا، وحتى إن لم يضع المنظمون في بالهم أن هناك حاجة رمزية على الأقل لأن يضيفوا كرسيين آخرين إلى تلك الجلسة ويتركوهما شاغرين إلى أن يحين الوقت ليشغلهما البلدان الغائبان، أي المغرب وموريتانيا، فهل كان ممكنا لرؤساء تونس والجزائر وليبيا الذين اجتمعوا معا تحت سقف واحد، أن يتجاهلوا كل القواسم المشتركة التي تجمعهم بالمغاربة والموريتانيين، من تاريخ وجغرافيا وروابط دين ودم ويشيحوا وجوههم عنها، تحت أي مبرر؟ لقد كان واضحا في أذهان كثيرين أن الغاية مما وصفته بعض وسائل الإعلام في المنطقة باللقاء المغاربي المصغر، كانت إنشاء تكتل أو محور مضاد للرباط في الشمال الافريقي، غير أن أي دولة من الدول الثلاث لم تعلن بوضوح، أن لديها مثل تلك النوايا، ولم تقدم أي دليل على أنها تعمل لأن يكون التجمع الثلاثي الجديد بديلا فعليا أو عمليا للاتحاد المغاربي الخماسي الأصلي، حتى إن كانت لها بعض المآخذات أو الانتقادات التي تتعلق بأدائه، أو اعتبرت مثلما فعلت الجزائر، أن الهدف من الاجتماع هو ملء الفراغ» وأن ذلك الاتحاد دخل «في الإنعاش» و»لا يقوم بأي دور» مثلما جاء في تصريحات صحافية سابقة لوزير خارجيتها أحمد عطاف. فالجميع يذكر جيدا ما قاله الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في آخر مقابلة أجراها معه صحافيون محليون أواخر الشهر الماضي وبثت على التلفزيون الرسمي من أن «هذا التكتل ليس موجها ضد أي جهة كانت»، وأن» الباب مفتوح لدول المنطقة» و»لجيراننا في الغرب» للانضمام إليه. مثلما يعلمون أيضا أنه سبق لرئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، أن أكد بدوره على تمسك بلاده بالاتحاد المغاربي، بمناسبة لقائه مطلع الشهر الجاري مع المكلف بتسيير اعمال وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، حيث استعرضا «تطور الوضع السياسي والمستجدات المتعلقة بدور الاتحاد الافريقي والعمل على تفعيل دور الاتحاد المغاربي»، حسبما نقلته وكالة الأنباء الليبية، ما فهم على أنه إشارة من الجانب الليبي، إلى رفض أي فكرة تهدف لإقصاء أي بلد مغاربي أو إقامة تكتل ضده، فضلا عن ذلك فقد وضح مصدر ليبي مسؤول الأحد الماضي لصحيفة «هيسبريس» الإلكترونية المغربية أن «الاجتماع التشاوري هو اجتماع أمني خالص، وأنه ليس موجها ضد أي دولة مغاربية أخرى، لأن ليبيا لا يمكنها في الوقت الحالي اتخاذ أي موقف ضد أي دولة كانت نتيجة وضعها الحالي، خصوصا في ظل استقالة المبعوث الأممي عبد الله باتيلي وانتظار تعيين مبعوث جديد»، على حد تعبيره. غير أن السؤال الذي قد يطرح نفسه في خضم كل ذلك هو إن كانت الدول الثلاث لا تعتبر أن لقاءها موجه ضد طرف معين في المنطقة، ولا ترى أن هناك أي مانع من انضمام الدولتين المغاربيتين المتبقيتين أي المغرب وموريتانيا لتلك الجلسة، فما الذي حال دون دعوتهما إليها؟ وما الذي منع من أن يكون الاجتماع خماسيا بدلا من ثلاثي؟ إن ما قد يقوله البعض هنا هو أن الاستناد فقط على المواقف والتصريحات الرسمية قد لا يكون مقياسا موضوعيا لفهم الدوافع والأسباب الحقيقية وراء ذلك، في وقت لا تزال فيه وسائل الإعلام الجزائرية بشكل خاص تردد، وعلى نطاق واسع بأن الغاية من اللقاء الثلاثي هي إنشاء اتحاد مغاربي جديد على أنقاض الاتحاد الحالي، بل تمضي أبعد من ذلك حد الحديث عن عزل المغرب. لكن لنعد قليلا إلى منطلق الفكرة، فهي لم تأت بعد قراءة معمقة وشاملة ونتيجة قناعة مشتركة من الدول الخمس بالحاجة لإيجاد إطار آخر للعمل المغاربي. لقد ولدت ببساطة بقرار منفرد أخذته الجزائر في مارس الماضي على هامش قمة الغاز، ولم يكن أمام التونسيين والليبيين إلا أن يقبلوا بها بغض النظر إن كانوا قد اقتنعوا بها أم لا. فقد كانوا يعلمون جيدا أنهم ليسوا قادرين بالنظر إلى عدة معطيات، لا عن الدفاع عن اتحاد مغاربي نفضوا أيديهم عنه منذ وقت طويل، ولا عن الوقوف بوجه جارة كانت يدركون جيدا مدى نفوذها داخل منطقتهم. لكن هل يعني ذلك أنهم رضوا بأن يكونوا جزءا من اتحاد، أو حلف جزائري سيكون موجها بالضرورة ضد جار مغاربي آخر؟ قد يكون من السابق لأوانه الجزم بذلك، لكن المؤكد هو أنهم وضعوا أنفسهم في ورطة كبرى سيكون من المستبعد جدا أن يجازفوا باستفتاء شعوبهم حول طريقة الخروج منها.
كاتب وصحافي من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول رضوان:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ستاد نزار الايام تمر بسرعة والايام يداولها الله بين الناس السياسيين ليس في قلوبهم رحمة سواأن كان عربيا او ليس كذالك فإن كانا التكتل المغاربي الثلاث الدول فليكن لأن لا يوجد بينهم دولة صانعة اوا اقتصادهم قوي بين دول العالم فقط يردون ان يراقب حدودهم ههه والله شيئ مخجل على العرب

  2. يقول Hkalid:

    لا يوجد مغرب عربي دون موريتانيا والمغرب لكن في نفس الوقت المغرب العربي لا يملك أن يمنع أي تكتل ذاخله مثل التكتل الثلاثي الذي جمع تونس الجزائر وليبيا بإعتبار التشاركية في الحدود مما يطرح مسائل ثلاثية على طاولة الحل في عديد قطاعات هامة وآخرها ماتم تناوله عن المياه الجوفية المشتركة .
    – الجزائر تعتبر قلب المغرب العربي وهي عمود رئيسي لإنجاح التكتل متفق عليها بحدود مشتركة مع خمسة دول المغاربية كلها في ماتكتفي كل دولة مغاربية بحدود ثلاثية مغاربية مشتركة .

  3. يقول يعيش تمام سيف الاسلام:

    اسأل الله التوفيق لزعماء المغرب العربي من أجل شعوبهم وترك الخلافات جانبا ..

  4. يقول غزاوي:

    هل موقف الجزائر يختلف عن موقف ليبيا !!!؟؟؟
    في حوار مع خديجة بن قنة بُث على منصة “أثير” التابعة لشبكة “الجزيرة” القطرية يوم:27/12/2023، بما نصه:
    “فكرة المغرب العربي لا يمكن أن يقضى عليها”انتهى الاقتباس
    وفي لقاء مع الصحافة الجزائرية اليوم: 25/04/2024، تطرق فيه إلى نتائج القمة الثلاثية، قال عطاف ما نصه:
    “إن لقاء تونس ليس بديلا عن اتحاد المغرب العربي الذي يظل مشروعا وهدفا تاريخيا” انتهى الاقتباس

  5. يقول رمضان:

    صدق الله العظيم
    كل يوم تزداد رؤيتنا لآيات الله في الآفاق ليتبين لنا ان القرءان حق!!!!!!!
    ومن هذه الآيات ( وجعلنا كم اكثر نفيرا) ما هذا التباكي على نظام في هذا الوقت بالذات؟ اجزم جزما قاطعا انه ما كان ليكون لولا انه وضع يده في يد من تقصدهم الآية اما الدولة الاخرى فهي للتمويه فقط وما كان ليبكي عليها احد .
    نظام بدأ في وضع المشاكل مع جيرانه باطماعه التوسعية منذ بداية استرجاع السيادة لاول دولة مغاربية ومازال لحد الآن بدون حدود ثابتة موثقة فلم يحققها ولم يترك القافلة تسير ما العمل معه؟ فاصبح ينطبق عليه المثل الذي يقول ( لا مات ولا ترك الكفن يباع) هل ينتظرونه؟ والى متى وبخاصة انه اختار اتحادا آخر عدو للدول الاخرى .
    لقد تأخرت هذه الخطوة كثيرا وكان عليها ان تكون قبل هذا الوقت بكثير وعلينا ان نقول باسم الله واللهم سهل ولا نلتفت الى الخلف وندع النفير تصرخ. والله حسبنا.

1 3 4 5

اشترك في قائمتنا البريدية