هل ستزول الغيوم بين تونس والرباط؟

حجم الخط
26

ربما يلوح مدّ الجسور مجددا بين المغرب والجزائر عملية معقدة وشاقة، لكن هل يمكن أن ينطبق الأمر نفسه على المغرب وتونس؟ وهل من الوارد في تلك الحالة أن يتكرر، وربما في وقت وجيز، مشهد شبيه إلى حد ما بذلك الذي حصل في الأيام التي كانت فيها علاقاتهما مقطوعة، على خلفية وقوف تونس مع استقلال موريتانيا، وأشار له السياسي المخضرم عبد السلام القلال في كتابه «الحلم والمنعرج الخطأ» حين تحدث عن تفاصيل .زيارة وفد تونسي في تلك الفترة إلى العاصمة المغربية، بعد كارثة الفيضانات التي أصابتها ليتقدم إلى ملك المغرب بخالص عبارات المواساة قبل أن يقول له رئيس الوفد: «أخوكم فخامة الرئيس يدعوكم إلى وضع حد للجفاء، الذي اتسمت به العلاقات المغربية التونسية وإرجاع هذه العلاقة لما كانت عليه حتى نواصل التعاون من أجل بناء المغرب العربي الكبير»، فيرد العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني فورا ومن دون تردد: «سلم على والدي وقل له إني على استعداد لذلك، وقد طويت الصفحة وإني في انتظار سفيره في الرباط وسأفعل بالمثل»؟ أم أن تلك الأيام الخوالي مضت، ولم يعد كافيا اليوم لذوبان الجليد وتطويق أي نزاع، أو خلاف بين بلدين عربيين، حتى لو كان بسيطا ومحدودا، تعبير قائد أو زعيم للآخر عن أي مشاعر أو أحاسيس ودية أو أخوية نحوه أو نحو بلاده؟
المؤكد أن عدة عوامل باتت تتحكم في الأفعال وفي ردود الأفعال كذلك. كما أن الأوضاع الداخلية والإقليمية وحتى الدولية، والحسابات والتوازنات والخيارات السياسية صارت تفرض أحيانا إكراهات قد تزيد من حدة التعارض والاختلاف بشكل أكبر مما كان عليه الحال في السابق. والثابت وسط ذلك كله، أن الوضع الحالي للعلاقات بين العاصمتين التونسية والمغربية لا يسر التونسيين ولا المغاربة على السواء، لأنه يبدو شاذا وغريبا، بل حتى غير مسبوق في تاريخهما المعاصر. فمع أنها لم تُقطع تماما مثلما حصل خلال حقبة قصيرة نسبيا في الستينيات، إلا أنها فقدت ومنذ عام ونصف العام نسقها الاعتيادي والطبيعي، إذ لم يعد السفيران المعتمدان في البلدين إلى الآن إلى بعثتيهما الدبلوماسيتين في أعقاب استدعائهما للتشاور في أغسطس من العام قبل الماضي، كما أن اللقاءات الثنائية الرسمية بين المسؤولين التونسيين والمغاربة تكاد تكون منعدمة بالكامل.

التونسيون وضعوا الجزء الأكبر من بيضهم في السلة الجزائرية، وبات هامش تحركهم محدودا، وأي محاولة للخروج عن الخط الذي يتعارض مع سياسات جارتهم الغربية غير ممكنة

ومن الواضح أنه مع مرور الوقت، فإن تلك الحالة باتت تطرح نقطة استفهام كبرى حول ما إذا كان بقاء الباب مواربا بين الجانبين سيتيح لهما، في غضون الأسابيع وربما الشهور القليلة المقبلة فتحه مرة أخرى من جديد، أم أنه سيجعلهما يمضيان قدما نحو غلقه بالكامل؟ وليس معروفا إن كانت المساعي أو المحاولات التي بذلت أو تبذل لتقريب وجهات النظر بينهما تسير الآن في الاتجاه الصحيح، أم أنها تواجه بعض الصعوبات والعراقيل التي تحول دون تحقيق النتيجة المطلوبة؟ ولكن اللافت أنه لم يصدر عن الجانب المغربي أي تفاعل مع أقوى إشارة صدرت عن تونس في أكتوبر الماضي، وجاءت في سياق حديث أجرته صحيفة «الشروق» شبه الرسمية مع السفير نبيل عمار، الذي عينه الرئيس قيس سعيد قبلها بفترة قصيرة، على رأس الدبلوماسية التونسية. لقد سألت تلك الصحيفة عمار في آخر حديثها معه السؤال المباشر التالي: بين تونس والمغرب الشقيق لا العلاقات مقطوعة ولا هي عادية… فمتى تعود المياه إلى مجاريها؟ وكان رده هو أن أجاب وبشكل مجتزأ ومتقطع بأنه «ليست هناك قطيعة مع المغرب الشقيق.. وليست هناك عداوة.. بالوقت سيعود السفيران إلى سفارتيهما… كلانا، أطمئن الجميع، لا نلتفت إلى الوراء.. تونس لم تغير موقفها منذ عشرات السنين.. المهم ليس هناك قطيعة بيننا وبين المغرب». غير أنه وبعد أربعة أشهر من ذلك التصريح لم يظهر في الأفق أي جديد، فهل كان الحد الأدنى الذي وضعه المغاربة لطي صفحة ما اعتبروه في ذلك الوقت «عملا خطيرا وغير مسبوق يجرح بشدة مشاعر الشعب المغربي»، وهو استقبال الرئيس قيس سعيد لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي بمناسبة احتضان العاصمة التونسية لقمة «تيكاد» الافريقية اليابانية الصيف قبل الماضي أكبر بكثير من تلك الكلمات المبهمة والغامضة التي قالها عمار؟ وهل كانوا ينتظرون عبارات واضحة ودقيقة تشير مثلا إلى أن تونس لا تعترف بالبوليساريو، وأنها لم تغير موقفها من قضية الصحراء، الذي يقوم على الاحتكام إلى الشرعية الدولية، وحل النزاع بالطرق السلمية، وفقا لقرارات مجلس الأمن؟
من المؤكد أن حسابات عديدة حكمت ذلك التصريح، فالتوقيت كان محسوبا بدقة والدبلوماسي التونسي كان واعيا أيضا بأن أي تأويل محتمل لما قاله على أنه سعي أو محاولة من جانب بلاده لإرضاء الرباط، كان سيعني على الفور إثارة غضب الجارة الجزائر، وهو ما يتحسب المسؤولون التونسيون جيدا من وقوعه، لكن هل يعني ذلك أنه بات على التونسيين اليوم أن يختاروا بين أمرين لا ثالث لهما، وهو إما التضحية بعلاقاتهم مع الجزائر، وإما التفريط في علاقتهم مع المغرب؟ إن الخيارات والتوجهات التي انخرطت فيها بلادهم منذ ما يقارب الثلاث سنوات تجعل الأمر بالنسبة لهم على درجة بالغة من الصعوبة والتعقيد. فقد وضعوا الجزء الأكبر من بيضهم في السلة الجزائرية، وبات هامش تحركهم بالتالي داخل الإقليم ضيقا ومحدودا، وصارت أي محاولة من جانبهم للخروج عن الخط الذي يتعارض مع سياسات جارتهم الغربية غير ممكنة، بل حتى شبه مستحيلة. ولا شك في أن المغاربة يدركون ذلك جيدا، ويعرفون أنه لن يكون بمقدور الدولة التي ربطتهم بها علاقات وثيقة قبل إعلان استقلال البلدين في سنة واحدة، وبعده وبحكم عدة عوامل أن تقوم الآن على الأقل، بانعطافة حادة في سياستها الخارجية، وأن تتجاهل التبعات التي قد تترتب عن ذلك. وهنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يمكن لهم أن يتوصلوا إلى حل وسط، أي إلى صيغة يقبل بها المغرب ولا تثير في الوقت نفسه اعتراض أو قلق الجزائريين؟ إن اعترافا تونسيا بان استقبال زعيم البوليساريو كان خطأ دبلوماسيا فادحا، وتقديم اعتذار عنه للرباط يبدو في نظر الرئيس سعيد غير وارد. غير أن خروج تونس عن موقف الحياد في نزاع الصحراء يبدو بدوره الان غير ممكن، خصوصا مع التحولات المهمة التي يعرفها الملف بعد الاعترافات الدولية والإقليمية بمغربية الصحراء. ولعل هناك من سيقول بعدها إن كان الإسبان والألمان والفرنسيون قد جاؤوا إلى المغرب وقدموا له وبأشكال مختلفة نوعا من الاعتذار عن بعض المواقف السابقة التي أخذوها في حقه فما الذي يمكن أن يجعل الرباط إذن لا تتوقع أو تترقب خطوة مماثلة من جانب التونسيين؟ لكن إن كان المغرب قد مد يده مرات للجزائر فما المانع من أن يمدها الآن ولو لمرة واحدة إلى تونس؟
كاتب وصحافي من تونس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الشيخ الجزائر:

    التاريخ سيعيد نفسه وسيكون الحال كما حصل مع موريتانيا ، يعني ستنال الصحراء الغربية استغلالها وتتخلى المغرب عن سياسة التوسع على حساب جيرانها .

    1. يقول الحاج وفاق:

      ستنال الصحراء التي تسميها انت الغربية الاستقلال عندما تنضج للدجاج أسنان. هل تعيش أنت في كوكب آخر ولا تعرف التطورات الإيجابية التي تعرفها قضية الصحراء لصالح المغرب أم تعلم ذلك ولكنك تغمض عينيك على مضض. اذكرك فقط بتوالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وخاصة الولايات الأمريكية 🇺🇲 وإسبانيا 🇪🇦 والمانيا وجامعة الدول العربية وقرارات مجلس الأمن التي تعتبر الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب واقعي وبراكماتي وذو مصداقية، اقبار الاستفتاء بصفة نهاءية، افتتاح 30 قنصلية بالعيون والداخلة، اقتراح حل النزاع المفتعل عبر المواءد المستديرة بين طراف هذا النزاع بما فيها الجزائر.

    2. يقول مغربي:

      يا شيخ انك تحلم حلم اليقظة.ما تقوله يا عزيزي لن يتحقق ابدا.الصحراء مغربية و ستبقى مغربية.انتهى الكلام…

    3. يقول صحراوي:

      المغرب في صحرائه و الصحراء في مغربها يكفينا ما فعله مخطط سياسييكو

  2. يقول ناصر المغرب:

    العلاقة التاريخية بين المغرب الأقصى والمغرب الأدنى (تونس) تعود إلى قرون خلت ، اسست لها علاقة روحية وفكرية بين مؤسستين عريقتين هما جامعة القيروان وجامعة القرويين بفاس التي أسستها السيدة الفاضلة فاطمة الفهرية. بنية اقتصاد الدولتين متماثلة إلى حد كبير، و تربطهما اتفاقية للتبادل الحر. أما العلاقة السياسية الحالية بين البلدين فهي متأثرة بالدرجة الأولى بالوضع الداخلي التونسي الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي الذي تحاول الجزائر أن تستغله لصالحهافي مضايقة المغرب مثلما تحاول أن تفعل أيضا مع موريتانيا، التي تجمعها بالمغرب علاقة تاريخية وثيقية باعتبار البلدين كان مهد الدولة المرابطية الشهيرة.فهل تنجح تونس وموريتانيا في الحفاظ على الأقل على حد أدنى من الحياد في علاقتهما بالمغرب والجزائر أو هل باستطاعتهما الخروج من الزاوية الضيقة عن طريق التقريب بين الطرفين المتنازعين على الزعامة الإقليمية واقناعهما بالانخراط الفعلي والصادق في جمع شمل أقاليم المغرب العربي لما فيه مصلحة جميع شعوب المنطقة.

    1. يقول هالة_باريس:

      الجدارية العملاقة التي تزين جناحا كاملا في معهد العالم العربي بباريس توضح بشكل قطعي لا لبس فيه تاريخ و بلدان حضارات إفريقيا. في الشمال الإفريقي نجد ها مختصرتين في دولتين لا ثالث لهما هما “مصر” بالحضارة الفرعونية و ما تلاها و “الجزائر” و الحضارة النوميظية و ما تلاها ب

  3. يقول كريمو:

    المغرب توجه نحو إفريقيا بعد عرقلة بناء المغرب العربي، و أصبح هذا خيارا استراتيجيا بديلا …
    و حتى هذا الخيار هناك من يشتغل لعرقلته..

  4. يقول عالية:

    الدولة موجودة في المغرب وتونس منذ عصور قديمة، كما يوجد فيهما جامعان عريقان كان لهما الفضل في نشر الإسلام والثقافة العربية في عموم المنطقة المغاربية وفي قلب إفريقيا، وهما جامع الزيتونة وجامع القرويين، وفاطمة الفهرية مؤسسة جامع القرويين تنحدر من أصول تونسية، فوالدها هاجر من القيروان إلى فاس، واستقر ومارس التجارة بها، وحين توفي بعد أن أصبح من كبار الأثرياء، فإن الثروة التي ورثتتها منه ابنته فاطمة قررت أن تبني بها جامع القرويين بفاس، الجامع الذي تخرج منه أغلب العلماء المغاربة، ويقال إن تأثيره هو الذي حدد الهوية المغربية كهوية عربية إسلامية وأمازيغية.

    فإذن العلاقات بين تونس والمغرب، عريقة وقديمة، وما جرى في عهد قيس سعيد من نزاع، ليس إلا سحابة عابرة، قد يكون مردها افتقاره للتجربة في ممارسة الحكم، ورضوخه للضغط من طرف الجارة الشرقية لتونس. لكن الأكيد هو أن المياه بين البلدين ستعود مع مرور الأيام إلى مجراها الطبيعي. وأظن أن الاشتغال جار على هذا المستوى بتأنٍّ وهدوء..

    1. يقول عزيز حقيقي:

      تونس اختارت طريقها باتِّخاذها موقفًا من كلٍّ من إسرائيل و دولة الأمارات .

    2. يقول ابن الوليد. المانيا. ( و على تويتر ibn_al_walid_1@ ):

      الاخت عالية.. اظنك تريدين قول الجارة الغربية لتونس.. انا كذلك “أتلخبط” .. 🙂

    3. يقول ابن الوليد. المانيا. ( و على تويتر ibn_al_walid_1@ ):

      @عزيزي..
      .
      أراك لم تحدث معلوماتك.. بمساعدة الامارات ماليا تتجه تونس الى التحرر من ضغوك جارتها الغربية..
      وهذا احد اسباب الهجمة الشرسة على الامارات من طرف نفس الجارة..

    4. يقول ابن الوليد. المانيا. ( و على تويتر ibn_al_walid_1@ ):

      تصحيح.. ضغوط اقصد..

    5. يقول ابن الوليد. المانيا. ( و على تويتر ibn_al_walid_1@ ):

      الاخت عالية.. التصحيح ليس لتعليقك.. بل هو لتعليق لي.. هو رد على المعلق حقيقي.. ربما قد ينشر .. وهذا ما ارجوه..

  5. يقول خالد:

    المغرب في صحراءه والصحراء في مغربها
    عاشت المملكة المغربية الشريفة
    وغير هذا يبقى سوف عبث

  6. يقول عمر:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ردا على سؤال حول عودة العلاقات المغربية التونسية الي مكانت علي اضن أن هدا مستحيل لأن استقبال قيس سعيد
    لي كيان وهمي لايمكن لنا أن نطعن في ضهورنا وأمام العالم في خيانة رئيس
    دولة يكن لها المغرب كل احترام المغرب
    بلد عظيم وله ملك عظيم والشعب المغرب لن يقبل أن تمس كرامته وملكه
    وله شعار واحد الله الوطن الملك

  7. يقول العيون:

    نحن كمغاربة قضية الصحراء و جودية يعني المس بالوحدة الترابية سيكون دمار على الكل

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية