هل كان اغتيال جمال خاشقجي مفاجأة؟!

حجم الخط
4

عندما أسمع الآن لتهديدات سابقة من ثلاثة من الإعلاميين المصريين لجمال خاشقجي، أقول إن ما جرى معه لم يكن مفاجأة، فالمفاجأة أننا لم نأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، وكذلك هو، ولهذا فقد ذهب إلى قنصلية بلاده، يظن أنه لمجرد كونه ناصحاً وليس معارضاً فهو في الأمان، اللهم إلا من بعض الشكوك التي ساورته ولم تعق مسيرته في طلب ورقة رسمية من القنصلية، وهي شكوك أنتجت طلبه من خطيبته أنه إذا تأخر في الداخل، فعليها أن تتصل بفلان وفلان!
وقد مرت ساعة، وساعتان، فثلاث ساعات، فلم تساور الشكوك خطيبته، فقد انتظرت هناك أربع ساعات ونصف الساعة، قبل أن تداهمها الشكوك، وكأنه ذهب للقنصلية لحفر بئر نفط، وليس لاستلام ورقة، هي نفسها وصفتها هكذا “مجرد ورقة”، ومع ذلك فقد انتظرت كل هذا الوقت، قبل أن تعلن أن خطيبها دخل ولم يعد، وهي فترة كافية لارتكاب الجريمة، ومن الواضح أنها طيبة القلب، ولعلها هي من بددت شكوكه القليلة، التي لم يزد منسوبها إلى حد اعتقاده أن ذهابه للقنصلية فيه مخاطرة على حياته، وأن الذين يعتقلون علماء لمجرد “تغريدة” لم تخرج خارج حدود النصيحة، يمكن أن يعتبروه هدفاً، وقد جاءه التحذير من ثلاثة من الإعلاميين المصريين، في مثل هذا الشهر من العام الماضي، فلم يأخذه بجدية، تماماً كما أننا لم نأخذ تهديداً اعلامياً آخراً بجدية، بقتل أيمن نور، ومحمد ناصر، ومعتز مطر، وكان التهديد عبر برنامج تلفزيوني ومن قناة تبث من القاهرة: من وجد أحداً من الثلاثة في تركيا فليقتله… هكذا صار الإعلام أداة للتحريض على القتل في ظل حكم العسكر!
نشطاء قاموا بجمع التهديدات، التي وجهها إعلاميون مرتبطون بالسلطة في مصر، موجهة ضد “جمال خاشقجي” في فيديو واحد وبثتها قناة “الجزيرة مباشر”، وقد أطلق هذه التهديدات “أحمد موسى”، و”يوسف الحسيني”، و”عمرو أديب”. فموسى يصف في برنامجه “خاشقجي” بالإرهابي، ويعلن أنه سيتم التعامل معه، كما يتم التعامل مع الإرهابيين، ثم زاد الأمر توضيحاً، بقوله: “ديتك معروفة.. بالصعيدي بقولها لك ديتك حاجة واحدة بس”، وباعتباري متخصصا في فك الشفرة إذا كان الأمر خاصاً بالصعيد، باعتباري من “الصعايدة الأقحاح”، فإن هذا التهديد في سياقه يعني القتل، فالدية المعروفة يتبعها دائماً القول “رصاصة بخمسة جنيهات لا راحت ولا جات”. والتي “لا راحت ولا جات” تهويناً من قيمتها هي “الخمسة جنيهات” وليست “الرصاصة”، و”الخمسة جنيهات” صارت ذائعة الصيت في هذه الأيام، توشك أن نقيم لها مقاماً باعتبارها مباركة، فنقيب الصحافيين المصريين قال إن الخمسة جنيهات تكفي المصري للغداء، فزايد عليه رئيس حزب الوفد، ورئيس اللجنة التشريعية في البرلمان، ووالد المستشار القانوني للسيسي، بأنها تكفي “غداء وعشاء”!
أما “الحسيني” فقد توعد “جمال خاشقجي” بالحساب العسير، وقال إنه في وقت ما سيحاسب “خاشقجي”، حساب الملكين. وترك الباب موارباً، والتهديد مفتوحاً، إن لم يكن اعتقالاً، فاعتداء، وإن لم يكن هذا أو ذاك فاختطافاً، أو قتلاً!
وبطبيعة الحال، فقد كان “عمرو أديب” هو الأكثر حصافة، فقد هدد “خاشقجي” بـ “الخربشة”، وهو ما يترك الباب مفتوحاً لفهم مدلولاها، وإن كان سياقها يوضح مدلولاها فخربشت الأسد قطعاً تختلف عن “خربشة” الهرة، والهجوم جاء في سياق بدأه “أحمد موسى” واضحاً، بالحديث عن “الدية المعروفة”، والتي هي “واحدة بس”؛ يقصد بذلك “الدية”!

حصار قطر

وهذا الهجوم جاء عندما قال “خاشقجي” إن حصار قطر، كان لدوافع مصرية، ولست معه في هذا، فلا تعمل السعودية والإمارات لدى عبد الفتاح السيسي، والصحيح أنه وكيل أعمالهم في القاهرة، وهو اختيارهم، لينهوا به ثورة شعب، مكنته من الحق في اختيار حاكمه، لكن السعودية والإمارات تحركت لحصار قطر ضمن سياق خاص بها بدأ في سنة 1996، ومعها “فضلة خيرك” مملكة البحرين العظمى. ومنذ البداية كان دور القاهرة، ممثلة في مبارك، كدورها ممثلة في السيسي، في حكم التابعين من غير أولى الإربة، الذين يطمعون بطبيعة الحال من الاستفادة. ومن الواضح أنه ظل في فترة التهديد بالغزو، يمني نفسه بنصيبه من قطر، ولعله كان في وضع “بلدياتي” وهو يطرح ويجمع في ثروة مبارك، في أيام الثورة!
لقد نشرت “الغارديان”، أن ثروة مبارك في أحد البنوك الخارجية هي 70 مليار دولار، وجاء صاحبنا بكراسة، وقام بالحساب، فضرب المبلغ في قيمة الدولار، ثم قام بقسمة الناتج على (90) مليون نسمة، هم عدد سكان مصر، ثم أخذ نصيب الفرد وضربه في عدد أفراد أسرته ليعرف المبلغ الذي يمكنه الحصول عليه في حال سقوط مبارك، وقيمة ما ستحصل عليه كل أسرة من جيرانه وأقربائه، ولم أتابع حالته النفسية من جراء خيبة أمله بعد إعلان “الغارديان” أن ما نشرته عن ثروة مبارك لم يكن دقيقاً!
لم يحدث الغزو، ولم تضع “قوات الحلفاء” يدها على الثروة القطرية، ليتقاسموا الخسارة بعد الفشل، وكانت خسارة مصر فادحة، تكفي حالة بهدلة المصريين في الدوحة مع كل إجازة، عندما يكون القرار هو السفر لمصر، فلا بد من السفر “ترانزيت” عبر دولة وسيطة، وبأسعار تذاكر مضاعفة، وخسرت شركة الطيران الوطنية في مصر كثيراً بسبب هذا، فلم تعد تنقل المصريين من وإلى الدوحة، وكل هذا لم يدفع السيسي للعدول في قراره، لأنه ينتظر المقابل من السعودية، وقد قرر ترامب حلبها، أما الإمارات فقد توقفت منذ فترة عن تقديم المساعدات، وما عادت البطاطين تأتي من هناك، هل تذكرون اللحظة التاريخية في تاريخ مصر، التي شهدت احتضان “خيري رمضان” على الهواء مباشرة، لبطانية اماراتية، لكي يؤكد على الهواء مباشرة أنها ناعمة كالحرير، وهو يهتف هتاف النائم في صحراء نجد في عز البرد: “البطاطين وصلت يا جماعة”؟!

مصر والجريمة

الخلفية التاريخية لعملية حصار قطر وغزوها، رصدها برنامج “ما خفي أعظم” على قناة “الجزيرة” لـ “تامر المسحال”، ولست مع فقيد الصحافة “جمال خاشقجي” في قوله إن الحصار تم من أجل مصر، فتدافع الثلاثي على إثر هذا ليهددونه بالويل والثبور وعظائم الأمور، فهل كان الثلاثي المذكور يتحرك فعلاً انحيازاً للنظام المصري، أم وجدوها فرصة لينقلوا تهديدات “الباب العالي” في الرياض، وحقيقة الأمر فإن الإعلام المصري ليس ولاؤه الكامل لسلطة الانقلاب، فمن الاعلاميين المصريين من يصلح في وصف حالتهم الخطاب: “مرحباً بكم في وطنكم الثاني مصر”، غاية ما في الأمر أنهم يعلمون أن انحيازهم للوطن الأول، لن يضيرهم للتوافق بين الوطنيين، وكذلك كان رؤساء تحرير الصحف الرسمية، مع العراق قبل غزو الكويت، وعندما انقلب الحب بين مبارك وصدام حسين إلى عداء، لم يكن في مقدورهم أن يغامروا باستمرار العلاقة، فقد ولوا وجوهم، حيث ولى النظام المصري وجهه!
فلا يجرمننا العداء للنظام الانقلابي في مصر إلى حد اتهامه بأنه كان يقف وراء التهديد ضد “جمال خاشقجي”، لكن الثلاثي استغلوا كلامه عن مصر، ليكون مبرراً لتهديده، فالسياق العام يقول إن القاهرة ليست ضالعة في عملية “خاشقجي”، والتي من الواضح أنها عملية سعودية خالصة، وإن كانت واحدة من الطائرتين اللتين نقلتا الخمسة عشر شخصاً إلى اسطنبول غادرت إلى القاهرة، بينما غادرت الأخرى إلى الإمارات، فقد تبين أن هؤلاء يحملون الجنسية السعودية، وربما لم يشأ أهل الحكم في مصر، أن يكونوا رهن ابتزاز السيسي لهم، إذا طلبوا منه المساعدة، وهو الذي أفادت “تسريبات مكملين” أنه يتعامل مع الخليج وفق القاعدة الذهبية: “هات وخد”، وفي تجارة تحول فيها المليار ريال إلى مجرد “حبة رز”، لغة واصطلاحا، وقد جربوه في حرب اليمن، بعد إعلانه أنه إذا تعرض أمن الخليج للخطر “فمسافة السكة”، لكن في ساعة الجد، كانت مطالبه مبالغاً فيها، وما يدفعونه للسيسي يمكن أن يدفعوه لترامب!
بطبيعة الحال، فإن حالة التهور، هي التي جعلت محمد بن سلمان، يتصور أنه لن يقدر عليه أحد، وقد اشترى السكوت على تصرفاته، وانتهاكه لحقوق الانسان، وبالزج برجال الأعمال والعلماء بالسجن، فعلى رأس الولايات المتحدة الأمريكية عبد للمال الخليجي، وهو “هاتف العملة” ترامب، وبما أخذ وافق على تمرير تنصيب بن سلمان ولياً للعهد بالمخالفة للأعراف والتقاليد التي تحكم الدولة السعودية، فماذا يضير في اختطاف صحافي أو اغتياله، وماذا يساوي بجانب من اعتقلهم من أبناء العمومة، وكل واحد منهم له امتدادات خارجية تخيف، لكنه ضمن ترامب في “سيالة جلبابه” فمن يخيفه بعد اليوم؟!
ووهم القوة، هو الذي دفعه أن يخترق سيادة دولة أخرى هي تركيا، ليقدم على فعلته دون الاستعانة بأحد، ولعله ظن بذلك أنه قد يرضي ترامب، الذي هو في خلاف مع الرئيس التركي، ولا يدرك الفتى مع من يتعامل؟! فقد تعامل النظام التركي بحرفية شديدة، وأخذ بنظرية تعطيش الرأي العام بشح المعلومات عن الحادث، حتى انتبه الاعلام في العالم كله للحادث، واندفعت الأنظمة لتقف على حقيقة الجريمة النكراء من نظام يقتل صحافيا في بلد آخر، وقد جاءت العملية في توقيت سيئ بالنسبة لترامب، حيث يخوض حزبه انتخابات الكونغرس وهو المتهم بالتواطؤ مع بن سلمان في كل جرائمه ضد انتهاك حرية الرأي، فكان الجمهوريون أكثر تشدداً ضد هذه الجريمة!
إنني أطلب بضم تهديدات الثلاثي إلى ملف قضية خاشقجي، فهي تثبت أنها تمت مع سبق الاصرار والترصد.

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

  1. يقول الكروي داود:

    يجب أن يتعلم المعارضين من درس خاشقجي رحمه الله بأنه لا أمان من أنظمتهم حتى لو كانوا بالخارج !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول سوري:

    من على منصة صحيفتنا الغراء، أتوجه إلى كل عاشقي حرية الرأي والتعبير، إلى كل من يؤمن بالديمقراطيةـ، إلى كل من يناهض الديكتاتورية والظلم، إلى كل من يؤمن بأن التقدم لا يكمن الا في الحرية والابداع أن يتكاتفوا جميعا لتقديم مشروع حضاري ننصف من خلاله الشهيد جمال الخاشقجي بطل الكلمة الحرة بإنشاء جائزة جمال الخاشقجي للكلمة الحرة كما تم سابقا بالنسبة للشهيد سمير القصير الذي اغتاله نظام المجرم ابن المجرم بشار الكيماوي بائع سورية.

  3. يقول حمزة:

    اجرام بني سعود اصبح عابرا ل الحدود ورب ضارة نافعة لعل جريمة استدراج وقتل الصحفي خاشقجي والتي تعتبر ارهاب دولة مارقة لعلها تكون بداية انكشاف عورة هذا النظام المجرم وفك الله أسر علماء ارض الحجاز الاجلاء الأحرار وكل المظلومين في بلاد الحرمين

  4. يقول فؤاد مهاني المغرب:

    وأنا أضم صوتي لصوتك يا أستادنا العزيز.يجب ضم هذا الثلاثي لملف قتل خاشقجي أو اختفائه الذي بات مستبدا بعد الحسم من أن الخاشقجي صف جسديا وقطعت جثته إربا كما تقطع الشات.ف”من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة، لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله”؟حديث شريف

إشترك في قائمتنا البريدية