هل يعمق الرد الإيراني انقسام دول المغرب؟

حجم الخط
33

هل توجد ولو دولة مغاربية واحدة تعارض وقف الاعتداءات الوحشية التي يرتكبها الإسرائيليون يوميا في حق الفلسطينيين، أو ترفض وفي المطلق أي رد كان على تلك الجرائم؟ قطعا لا. فلماذا اختارت الرباط ونواكشوط إذن عدم التعليق مباشرة على الضربة الإيرانية الأخيرة، على النقيض تماما من الجزائر وتونس اللتين فعلتا العكس وأعلنتا، إما بواسطة بيان رسمي للخارجية، أو عبر خطاب في مجلس الأمن عن وجهة نظر البلدين وموقفهما منها؟
هل لأن الدول المغاربية لا تنظر إلى التطورات التي حدثت في الشرق من زاوية واحدة وبالمنظار نفسه؟ أم لأن إيران تبقى في قلب ملف من الملفات الشائكة التي ما زالت تعمق حالة الانقسام التي تعيشها بلدان المغرب العربي؟ ربما تداخل السببان وتقاطعا مع بعضهما بعضا. لكن كيف نظر الليبيون والتونسيون والجزائريون والمغاربة والموريتانيون إلى العملية التي قامت بها طهران في الليلة الفاصلة بين السبت والأحد الماضيين، وأطلقت عليها اسم «الوعد الصادق»؟
إن الاستنتاج الفوري الذي قد يخرج به كل من تابع وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الدول الخمس، أن ردود الأفعال الشعبية فيها لم تختلف كثيرا عن تلك التي ظهرت في دول المشرق، وانحصرت إجمالا في وجهتي نظر متعارضتين تماما، تمثلت الأولى في النظر بإعجاب، وفي الإشادة المطلقة والتامة بالهجوم الذي شن للمرة الأولى من داخل الأراضي الإيرانية، بواسطة طائرات مسيرة وصواريخ، واستمر لقرابة الخمس ساعات، مستهدفا مواقع إسرائيلية، بغض النظر عن نتائجه، أو حصيلته النهائية، واعتباره ليس فقط «ردا على الجرائم العديدة للكيان الصهيوني، بما فيها مهاجمة القسم القنصلي للسفارة الإيرانية في دمشق، واستشهاد عدد من القادة والمستشارين العسكريين الإيرانيين في سوريا»، مثلما جاء في بيان الحرس الثوري الإيراني، بل عملا بطوليا باهرا جديرا بالفخر والاعتزاز، ودليلا حيا يؤكد وقوف إيران مع المقاومة الفلسطينية بالأفعال، لا بالأقوال، فيما كانت الثانية وعلى النقيض من ذلك تماما حاملة لقدر من الاستخفاف والاستهانة، وحتى السخرية مما جرى ووصف ما حدث في تلك الساعات المعدودة على أنه مجرد مسرحية ركيكة الأداء وسيئة الإخراج، تمت بالشراكة التامة بين الإيرانيين والإسرائيليين، وأن الخاسر الأكبر منها سيكون، بلا شك، هو القضية الفلسطينية. لكن هل كان الحال مختلفا بالنسبة إلى الردود والمواقف الرسمية المغاربية؟ وما الذي يمكن أن تمثله تلك العملية من وجهة نظر حكومات تلك الدول؟ وهل إنها تشعر بأنها معنية بشكل جدي وفعلي بتداعيات التغير الذي حدث على بعد آلاف الكيلومترات منها، على ما تعرف بقواعد الاشتباك بين الإيرانيين والإسرائيليين؟ إن الملاحظة التي تلفت الانتباه هنا هي أنه وعلى عكس عدد من الدول العربية المشرقية مثل السعودية ومصر والإمارات، التي سارعت في وقت مبكر من صباح الأحد الماضي إلى إصدار بيانات رسمية تعبر فيها عن «بالغ القلق جراء تطورات التصعيد العسكري في المنطقة، وخطورة انعكاساته» وتدعو الأطراف كافة «للتحلي بأقصى درجات ضبط النفس»، مثلما جاء في البيان الرسمي السعودي، وتؤكد فيه أنها «على تواصل مستمر مع جميع الأطراف المعنية لمحاولة احتواء الموقف ووقف التصعيد، وتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى منعطف خطير من عدم الاستقرار والتهديد لمصالح شعوبها «مثلما ورد في البيان الرسمي المصري، فإن الحكومات المغاربية فضلت وبشكل عام أن تتريث ولو لبعض الساعات قبل أن تصدر أي موقف، ترقبا ربما لانجلاء الأمور واتضاح الصورة وتبين المواقف العربية والدولية مما جرى. لقد اختار الجزائريون، على اعتبار أنهم باتوا أعضاء غير دائمين في مجلس الأمن، وبمناسبة الجلسة الطارئة التي عقدها الأحد الماضي للنظر في الهجوم الإيراني، أن يعبروا ومن ذلك المنبر الأممي عن موقفهم، وأكد الممثل الدائم المساعد لهم لدى الأمم المتحدة في كلمته على أن بلاده «تتابع التطورات باهتمام وقلق بالغين وتحذر من عواقب وخيمة حال توسع النزاع في المنطقة»، وأنها «تدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد»، محذرا من أن تغطي التطورات الأخيرة على القضية المركزية وهي، الاعتداء على الشعب الفلسطيني، أو تتخذ ذريعة أو غطاء لشن هجوم بري على رفح، على حد تعبيره.

الحكومات المغاربية فضلت وبشكل عام أن تتريث ولو لبعض الساعات قبل أن تصدر أي موقف، ترقبا ربما لانجلاء الأمور واتضاح الصورة وتبين المواقف العربية والدولية مما جرى

غير أن التونسيين مضوا أبعد من ذلك، فقد أصدروا ظهر الأحد الماضي بيانا يكاد يكون فريدا من نوعه في المنطقة، من حيث صياغته ومضمونه، إذ حمل ما يشبه الإشارة الضمنية إلى انه من حق طهران أن تقوم برد عسكري على ما اقترفه الإسرائيليون في حقها وفي حق شعوب المنطقة من جرائم، وذلك من خلال تنصيصه على أن تونس تتابع «بانشغال شديد تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، وتذكر بتحذيراتها السابقة من أن إطلاق يد الكيان الصهيوني والصمت عن تماديه في إنهاك القانون الدولي سيؤدي إلى نتائج وخيمة تهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم بأسره»، قبل أن يخلص إلى تجديد التأكيد على ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته، لفرض وقف فوري ودائم للعدوان على فلسطين، والحيلولة دون توسيع دائرة الحرب وفق ما جاء في نصه. والسؤال الذي يطرحه ذلك هو، ما دلالة البيان التونسي والتصريح الجزائري واختيار المغرب وموريتانيا وليبيا بالمقابل عدم التفاعل، ولو على المستوى الشكلي، أو اللفظي بشكل مماثل مع التطور الذي حدث في الليلة التي فصلت بين السبت والأحد الماضيين؟
بالنسبة للبعض فإن ذلك قد يعيد إلى الأذهان حالة الاصطفاف الإقليمي التي حاول البعض تكريسها قبل سنوات في أعقاب القرار الذي أخذته الرباط بإعادة علاقاتها مع تل أبيب، ضمن اتفاق رعته الولايات المتحدة، بين دول تدعم المقاومة وأخرى تناصر ما يعرف بالتطبيع مع الكيان المحتل، ولكن هل يبدو الأمر حقا على ذلك النحو؟ ليس مؤكدا تماما. فالموريتانيون ورغم كل ما راج من أخبار لم يعيدوا علاقاتهم مع الإسرائيليين، كما أنهم يقيمون علاقات جيدة نسبيا مع الإيرانيين، وهذا لم يحل دون تأخرهم في التفاعل مع ما جرى. كما أن المغاربة، ورغم أنهم لم يصدروا بيانا رسميا حول الرد الإيراني، فقد اغتنموا فرصة اجتماع اللجنة العليا المشتركة المغربية البلجيكية الاثنين الماضي، ليعبروا في بيان مشترك، صدر في أعقاب الاجتماع عن « قلقهما العميق ازاء الوضع في غزة»، ومناشدتهما بوقف فوري وشامل لإطلاق النار فيهما، وإدانتهما للهجمات على المدنيين. وهذا يعني أنهم حاولوا الفصل بين أمرين مهمين هما موقفهم المبدئي الداعم للحق الفلسطيني من جهة، ونظرتهم السلبية إلى الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة المغاربية، خصوصا مع اتهامهم لها قبل ست سنوات بدعم ميليشيات البوليساريو عبر حزب الله، ما أدى لقطع العلاقات الدبلوماسية معها. يبقى هل ستحاول إيران الاستثمار في تلك الضربة المحدودة لأهداف إسرائيلية من أجل توسيع نفوذها في المنطقة المغاربية؟ هذا ما قد لا يهتم به الآن كثير من المغاربيين، في خضم حماسهم الزائد، أو استخفافهم الشديد بما فعلته.
كاتب وصحافي من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول موحا المغرب:

    في جميع الاحوال لا علاقة لايران بشمال افريقيا…وان الإخوة في الجزائر من ادخل ايران الخميني للمنطقة وهي اليوم تشكل مصدر خطر على العقيدة والتدين لاهل شمال افريقيا…فمصالحها الخارجية بالمنطقة لا تكف عن تشجيع ونشر التشيع على طريقة ملالي ايران…بل اصبحت كذلك خطرا على الأمن الروحي لدول الساحل والصحراء….واصدقاءها اليوم بالمنطقة هم هؤلاء الذين يتوهمون أنها من يقود المقاومة…وان تحرير فلسطين لن يكون الا بواسطتها….!؟

    1. يقول احمد:

      الجزائر لا خوف عليها

    2. يقول مشرق:

      اخي وهل التشيع جريمه. يعني الصهاينه يرتعون ويمرحون في الدول العربيه بشتى الاساليب وانت تخاف من التشيع. اذا كنت متاكدا من عقيدتك لا تخاف أحدا وان وجدت الحق لدى غيرك فاتبعه ولا تكن كمشركي فريش عندما جاءهم وهم يرتعبون.

    3. يقول مراكشي:

      كلام غير صحيح و مردود عليه و إجترار لرواية بلدك في أن لإيران دور في ملف نزاع الصحراء الغربية من خلال الجزائر كان ذلك للتملق لدول الخليج و محاولة إبتزازها للظفر ببعض المشاريع التي لم تتحقق علاقة الجزائر بإيران علاقة دولتين كبيرتين شقيقتين مسلمتين تحترمان بعضهما البعض لا أقل و لا أكثر و أسلوب أن تقتات على الفتن الذي تعرف بها سياسة بلدك لم تعد تنطلي على أحد منذ أن قاضيتم التطبيع مقابل الأ‘عتراف لكم أن الصحراء تابعة لكم

  2. يقول ملاحظ:

    هل يعمق الرد الإيراني انقسام دول المغرب؟…….اعتقد انه سيوحدها

  3. يقول فاتح:

    من يقول أن إيران لم تقدم شيء للمقاومة هو جاحد .بل قدمت كل شيء السلاح و المال و الرجال و التكنولوجيا……ماذا قدمتم انتم ؟التطبيع و الفتنة والركوع……للعدو الاسرائلي و امريكا

    1. يقول ابو امل:

      وأنتم بدوركم ماذا قدمتم للمقاومة سوى الشعارات الفضفاضة التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟! الستم القائليو نحن مع فلسطين ظالمة او مظلومة؟ إذن هي الآن مظلومة . فأين انتم ؟

  4. يقول عبد الكريم البيضاوي ( السويد ):

    الشعوب العربية – برأيي – خدعت على مر عقود وعقود والمؤسف حقا أن الحالة هذه لا تزال قائمة نراها بأم العين, هناك ما يسمى بـ” العاطفة ” ت للأسف يلجأ إليها الكثيرون في تحليلاتهم السياسية, العاطفة والسياسة نقيضان لا يلتقيان إلا في الأغراض الواهية أو لخدمة أجندات خاصة , هذه العاطفة تعرقل طريقنا في اكتشاف جوهر الحدث فهمه جيدا كي نضعه على الجانب ولا ينتظر إليها مرة أخرى بتاتا إن اكتشفنا خدعة فيه أو استعمل في مكان غير مكانه من أجل غاية ما. نحن نصدق مقولة ” عدو عدوي صديقي “دون الغوص في محتواها المتغير لأن عدو عدوي ليس مستبعدا أن يكون عدوي أنا بالمثل. لا أقصد بهذا دولة إيران في هذه الجملة وإنما بصفة المجمل.

  5. يقول عبد الكريم البيضاوي ( السويد ):

    تتمة :

    درونات إيران سبقت صواريخها ما مغزاه أن إيران أرسلت إنذارات مسبقة لإسرائيل كي تجهز دفاعاتها الجوية لما هو قادم. لأن وصول الدرونات من إيران لإسرائيل استغرق ساعات, وساعات جميع الدرونات أسقطت من دول في المنطقة ومن إسرائيل نفسها, بعدها جاءت الصواريخ والقصة معروفة. السؤال الجوهري :” ما الذي دفع إيران للقيام بهذه الضربة ؟ الجواب واضح : إسرائيل ضربت قنصليتها وقتلت شخصيات عسكرية بارزة فيها. الحرس الثوري الإيراني ( كيان عسكري ) العسكر لايسمح باستهداف رجالاته الكبرى بهذه الطريقة والتزام الصمت إلى ما لا نهاية , قتل قائدهم السابق ” قاسم السليماني ” ولم يحصل أي شيء, على الدوام تقصف عناصره في سورية هذا غير مقبول من جهتهم. الشيء نفسه ينطبق على أجهزة الأمن والشرطة في التعامل الداخلي, هذه أجهزة ردع لا تسمح لنفسها بقبول الإهانة إلى ما لا نهاية.

  6. يقول عبد الكريم البيضاوي ( السويد ):

    تتمة :

    أنا أجزم قطعا أنه ” لا توجد دولة أو حكومة على هذه لأرض مهما بلغ تهورها أن تغامر بمصالحها وبسلامة أراضيها من أجل إعانة الفلسطينيين بالصورة التي يظنها البعض, ربما حصل هذا في حرب الستة أيام , لكن ذاك زمن وهذا آخر مغاير تماما.
    أظن قطعا – أن ميزان الربح والخسارة هو ما تلجأ إليه جميع الحكومات العربية وبدون استثناء. أما الخطابات البلاغية فلا نعيرها اهتماما , استهلاكات محلية للأسف قد تجد من لا يزال يصدقها.
    لنسأل دائما : ” لماذا ؟ ” لماذا فعلت هذه الدولة ما فعلته , والتصاريح ,ما الظاهر فيها وما الباطن ولماذا؟ لأن في السياسة لا يوجد شيء إسمه ” أفعال خير وتضامن ” بدون مقابل.

  7. يقول سليم ولد احمد:

    كل دول المغرب العربي و شعوبها اصطفت الى جانب ايران

  8. يقول مخلوف التيجاني:

    ببساطة بعض الدول المغاربية تجامل الدول الخليجية بإظهار العداء مع إيران حفاظا على مصالحها وحساباتها معهم
    ودول مغاربية أخرى لا يهمها تملق الخليجين وليس لها معهم كبير مصالح أو أوراق ضغط

  9. يقول ناظم الزناتي:

    من شروط التطبيع أساسا ألا تنتقد الأنظمة المطبعة كيان العصابات الصهاينة بل تساعده وتدعمه ولو على حساب مصالح شعبها ومبادئه وقيمه ، فكل الأنظمة المطبعة تخاف من انتقاد الكيان ، بل التطبيع أصلا جاء بناء على خوف هذه الأنظمة من كيد الكيان وقدرته على اللعب في حضائرهم وكراسيهم ولذلك طبعوا معه في اعتقادهم أن هذا يجلب لهم البقاء على الكراسي بأمن و سلام ويبعد عنهم كيد الكيان ومكر عصابات الإرهابية للبقاء أطول مدة ممكنة في الحكم حسب اعتقاداتهم المريضة وغير السوية ..

  10. يقول الحسين واعزي (المغرب):

    الذين يلقون تهمة تفتيت أربع دل عربية على كاهل إيران يقومون بقلب سافر للحقائق حيث كل إنسان يتحلى بغرام من الموضوعية يشهد بأن أمريكا هي التي دمرت هذه الدول خدمة للكيان الصهيوني العنصري المجرم .
    وإذا كان مبرر هؤلاء في الافتراء على إيران قربها الجغرافي من الدول العربية المعنية بالإشارة، فماذا عن ليبيا؟ هل هي أيضا غزتها إيران وهي التي تحتلها حاليا وتقوم بتقسيمها إلى شطرين؟ أليس الناتو بقيادة الفاسد والمرتشي ساركوزي هو الذي قاد الهجوم على ليبيا بمعية برنار هنري ليفي، وأصحابه (ثوار الزنتان).
    الذي يتميز غيضا على ما فعلته إيران في المشرق، لماذا لا يشير ولو بشكل عابر في تعليقاته إلى ما فعلته أمريكا وفرنسا في ليبيا؟

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية