هل ينجح وليّ العهد السعودي بترميم صورته عبر التزلف

24 - أكتوبر - 2018

26
حجم الخط

بعد العرض المؤذي نفسيّا وبصريّا الذي قام به وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان أول أمس بتقديم «تعازيه» إلى صلاح خاشقجي نجل الصحافي القتيل (والممنوع من السفر!) بدا الحاكم الفعليّ للمملكة وقد استجمع أنفاسه وقرّر أن يشنّ هجوماً إعلاميّا معاكسا بعد أن تهشّمت صورته العالمية التي كلّفت، عبر شبكات العلاقات العامّة ولوبيات الضغط السياسي، مئات الملايين (وربما المليارات) من الدولارات، مع انكشاف كتلة الأكاذيب السعودية الكبيرة عن «خروج» خاشقجي من قنصلية بلاده في إسطنبول وظهور الحقائق المفزعة عن خطّط اغتيال وتقطيع للجثة ثم اختفاء أجزائها في أمكنة لم تعلم بعد.
جرى ذلك خلال لقاء بثّته القنوات الفضائية ضم بن سلمان ووليّ عهد البحرين، الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ورئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري، ومحمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبيّ، وتركّزت مدائح المسؤولين المذكورين الثلاثة، وخصوصاً اللبناني سعد الحريري، على وليّ العهد السعودي، الذي بلغ انشراحه درجة إعادة تذكير الحضور بالحادثة البائسة لاحتجاز الحريري في الرياض بالقول إن رئيس الوزراء اللبناني المكلف «سيبقى في المملكة ليومين آخرين»، بل إنه لم يستنكف عن ذكر خاشقجي نفسه واعتبار مقتله «حادثا بشعا» متعهدا «محاسبة المجرمين».
يأتي ذلك في الوقت الذي تتجه فيه الاتهامات الدولية، والأمريكية خصوصاً، إلى تحميل بن سلمان، مباشرة، مسؤولية عملية الاغتيال، كما ظهر أمس في إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز قد لا يكون عرف بالعملية لأن من يدير البلاد فعليا هو وليّ العهد (وهو شبيه بما فعله الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في خطابه الثلاثاء الماضي)، وهو ما يفسّر، إلى حد كبير، الثقة التي حاول بن سلمان الإيحاء بها، ولكنّه يفسّر أيضاً اضطراره لاتخاذ بعض الخطوات الدفاعية تحت وطأة العاصفة الكبرى التي أثارتها عملية اغتيال خاشقجي وتهاوي الروايات الركيكة التي ألّفتها شبكة المسؤولين الأقوياء التي يديرها شخصيا.
بدأت خطة بن سلمان الدفاعية بخطّ الهجوم الأول في تركيا حيث بادر للاتصال بالرئيس التركي إردوغان وبحث معه، كما قالت وكالات الأنباء، «بذل الجهود المشتركة لكشف جميع جوانب جريمة قتل الصحافي خاشقجي»، فبن سلمان، إضافة إلى كل مسؤولياته الكبرى في المملكة، «كلّف» ايضاً برئاسة لجنة إعادة هيكلة الاستخبارات السعودية وبالتحقيق في مقتل خاشقجي!
وفي لقائه المذكور ضمن فعاليات منتدى الاستثمار (الذي أسقط اسم دافوس الصحراء منه بطلب من منتدى دافوس الحقيقي) تابع بن سلمان خطّة «مغازلة» تركيّا موجّها رسالة مباشرة جدا بالقول إنه يريد أن يوصل «رسالة» وهي أنه «لن يحدث شرخ» بين تركيا والسعودية «طالما موجود ملك اسمه سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان والرئيس التركي إردوغان»، وبوضعه اسمه كـ «واسطة العقد» في معادلة منع «الشرخ» بين البلدين فإن بن سلمان يفكّك المعادلة التي حاول إردوغان (وترامب مضطرا) تركيبها، وهي فصل الملك عن وليّ عهده، وهي رسالة «سلام» ولكنها رسالة تهديد أيضاً.
امتدّت رحلة المغازلة إلى قطر أيضاً التي كان بن سلمان أحد المتحمسين لحصارها بالقول إن هناك دولا محيطة بالسعودية تسير في طريق نجاح خططها بما فيها قطر، التي تملك اقتصادا قويا، وهي إشارة ما كان يمكن، للأسف، أن تصدر عن ولي العهد السعودي لولا جريمة اغتيال خاشقجي، وهي، بهذا المعنى، لن تقرأ بمعنى المديح العادل بل بمعنى التزلّف الاضطراري، والأغرب من ذلك أنه امتدح أيضاً شعبه بالقول إنه «شعب جبار وعظيم»، وهذا الشعب العظيم والموعود بالمعجزات الاقتصادية هو نفسه الذي قام وليّ العهد السعودي بسجن نخبه، بدءاً من كبار الرأسماليين وحتى الأمراء وصولا إلى الأكاديميين والناشطين والدعاة، وبذلك فقد استهدف ليس المعارضين له فحسب، بل حتى من نصحوه أو اختلفوا معه قيد أنملة.

كلمات مفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • د. اثير الشيخلي - العراق المنكوب

    تتمة رجاءاً …
    .
    أما تزلفه لقطر و هو تزلف مفضوح و غبي ( هذا الغباء بحد ذاته يشير إلى نفس بصمة غباء الجريمة مما يدل على أن مصدره اي الغباء واحد) فهو برأيي أنه يعلم أن السيف البتار الذي سلطته و لا تزال قناة الجزيرة بتغطيتها الدؤوبة و المهنية و المتواصلة على رأسه،البت العالم عليه و لن تستكين حتى تنهي الأمر
    لذلك يحاول أن يفتح بوابة التزلف هذه عسى أن تكون سبباً برأيه لتضغط قطر على قناة الجزيرة لتخف عليه.
    .
    لقد أدان نفسه اكثر بهذا التزلف المقيت .


  • SIDDIG

    لا أحد يستطيع إنقاذه فهذه جريمة القرن. ستمكث فى اذهان البشريه لده طويله جداً. المشكله أنهم اتبعوها بسلسله غبيه من الاكاذيب يندى لها الجبين خجلاً. لقد اثبت آل سعود أنهم مجموعة ارهابيه، فهل يستطيعون ومعهم الغرب إتهام أى مجموعه بعد اليوم بالإرهاب وهم يمارسونه داخل فنصلياتهم. لقد إنتهى سلمان وإبنه. المعادله واضحه ،م بقاء إبن سلمان وإما ملكهم. هكذا تنتهى العروش والتاريخ ملئ بمثل هذا. وهكذا ضاعت الإندلس تناحر الأمراء.


  • فؤاد مهاني المغرب

    بن سلمان في خطبته العصماء وكأنه ندم لكن بعد خراب مالطة.ندم على حصار قطر وعلى اعتقال العلماء والنشطاء والأمراء ومنهم من لم يعرف لهم أثر
    هل هم أحياء أو أموات بدون توجيه لهم أي تهمة ارتكبوها.ولكن أعتقد أن الأوان قد فات لابن سلمان في أن يحسن وضعه بعد تيقن العالم بأنه هو الرأس المدبرة لاغتيال الخاشقجي البشع


  • آصال أبسال

    التزلف وما أدراك ما التزلف؟.. حتى لو تم اثبات أن الجريمة ارتُكبت بتخطيط مسبق من قبل المجرم بن سلمان.. /وقد بان بعض من علائم هذا الإثبات قبل سويعات هذا اليوم/.. سيسعى كل من ترامب وأردوغان إلى تغطية أسباب الجريمة بأساليب دبلوماسية لم يسبق لها مثيل.. قلتها قبل أكثر من عشرة أيام بأن كلا من أردوغان وترامب على معرفة تامة بتفاصيل الجريمة كلها منذ أن وقعت داخل القنصلية السعودية في الثاني من تشرين الأول الجاري.. وأن لديهما دلائل صوتية قاطعة /وإن لم تكن دلائل مرئية/ بتلك التفاصيل منذ أن تم إعلان اختفاء الصحافي جمال خاشقجي في التاريخ المذكور.. قلتها وأكرر هنا بأن كلا من الثعلبين.. الثعلب السياسي أردوغان والثعلب التجاري ترامب.. كان وما زال يحاول بوسائلها الخاصة أن يبتز عصابة آل سعود المجرمين بأكبر مبلغ ممكن من المال.. وإلا لماذا يتبع أردوغان سياسة الــ /قطرة قطرة/ لكي يحقق مآربه الخاصة حتى قبل ترامب؟.. ببساطة شديدة.. أردوغان ليس سياسيا محنكا كما تساجل بعض التخمينات هنا وهناك.. أردوغان سياسي مبتزٌّ من الدرجة الأولى.. وقد يكون أسوأ بكثير من ترامب إذا لزم الأمر.. !!


إشترك في قائمتنا البريدية