هل يُسقط حِراك جبل العرب ورقة التوت؟

دخل الحراك الشعبي في السويداء شهره الثاني مع تزايد كبير في وتيرة التظاهر وتصعيد ملحوظ لسقف المطالب السياسية. فهل يستحق هذا الحراك اهتماما خاصا؟
وما الذي يميز هذا الحراك ويمنحه خصوصية؟ وهل لهذه التساؤلات ما يبررها بعد ان مضى على انطلاق ثورة السوريين حوالي 13 عاما دفنت خلالها أحلام السوريين وآمالهم وزادت آلامهم و معاناتهم غير المسبوقة في التاريخ الحديث حيث يزداد تعقيد المحنة السورية و تشابكاتها يوما بعد يوم .
بالرغم من أن ثوار جبل العرب يفاجئون أهلهم السوريين بمتانة الحراك و تماسكه و تنظيمه وتصاعده، فهناك العديد من العقبات و التحديات التي تواجه هذا الحراك الحضاري المدني، و تبدو أهم تلك التحديات في السعي الحثيث للنظام و «حلفائه» وبالتحديد إيران وحزب الله في شق الصف و تشتيت الحراك بكل الوسائل المتاحة سيما وأن مطالب الحراك هي ذاتها مطالب جميع السوريين الذين فجروا ثورة 2011.

ما الجديد في حراك السويداء؟

يُمثل حراك جبل العرب الأخير امتداداً طبيعياً للثورة السورية. لكن رغم التشابه، و في الكثير من الحالات التطابق بين مطالب الحراك في السويداء وسياقه مع مطالب بقية المدن السورية، غير أن حراك السويداء يُبرز مطالب الثورة السورية بطريقة مختلفة ويُعيد إحياءها بعد أن كادت تحتضر وبعد أن اعتقد النظام و»حلفاؤه» أنهم وأدوا الثورة وأسكتوا صوت الحق لعشرات السنين. ويبرز السؤال: ما الذي يميز حراك السويداء ويعطيه هذا الزخم؟ هناك عدة عوامل أساسية يتسم فيها الحراك:
العامل الأول: قيادة موحدة غير متفردة في اتخاذ القرارات: على الرغم من إفراز الثورة السورية مجموعة من القادة الذين خلدوا أسماؤهم بسجل حافل من البطولات و التضحيات، غير أن تلك التضحيات لم تُفض في الكثير من الحالات إلى نتائج ملموسة على الأرض. الأسباب كثيرة ومعقدة لكن من أهمها كانت الفرقة والتشتت والابتعاد عن الشارع والمحسوبيات بين السواد الأعظم من قادة المعارضة السورية والتي لم تكتف بإهدار جهود وتضحيات الشعب السوري بل أصبحت عبئاً ثقيلاً عليه. استغلت دمشق هذه الورقة بشكلٍ قاسٍ للغاية مما أدى لضياع جهود ملايين السوريين وخسارة الكثير من القادة الشرفاء ومساعيهم المُحقة والنبيلة لحياة أفضل. هذا الثمن الباهظ الذي دفعة الشعب السوري و لا يزال يفسر الحذر والتّروي الشديدين في التعامل مع الحراك في جبل العرب.
يُقدم حراك السويداء الحالي نموذجاً مختلفاً وواعداً على الساحة السورية. فعلى الرغم من تنوع الآراء السياسية واختلافها، قدمت السويداء رؤيتها للجميع من خلال قيادة رمزية ديمقراطية ممثله بالزعيم الروحي للطائفة الدرزية سماحة الشيخ حكمت الهجري. رغم عدم وضوح الرؤية عند كثيرين وتناقض المقترحات والتصورات لشكل الحل الأمثل في سوريا (باستثناء تطبيق القرار 2254) يُجمع السواد الأعظم من المتظاهرين على اعتبار الشيخ الهجري ممثلا رمزياً للحراك ليس في السويداء فقط بل في أجزاء متنوعة من الجغرافية السورية، و لكن لماذا؟ بعيداً عن المبالغة والتَّأليه السائدين في الشارع السوري، اِنْتَزَعَ الرجل وباستحقاق مكانته في قلوب الكثير من السوريين نتيجة أسلوبه البسيط والواضح في الكلام فهو يمزج ما بين الاختصار وعدم التكلف والوضوح والبساطة في التعبير مما يسهل على جميع الفئات التواصل معه بشكل مباشر. و هذا يقودنا الى النقطة الثانية وهي أن هذا الأب الروحي لحراك جبل العرب على تواصل يومي مع الشارع يستمع للجميع دون استثناء لأي تيار أو توجه فكري أو سياسي بما فيها المشكوك في مصداقيتها أو حرصها على الحراك. رُغم عدم انخراطه بالعمل السياسي سابقا، يُقدم الأب الروحي لحراك السويداء أفكار الشارع بشكل منسجم سلس وحضاري. ورغم ارتجالية الكثير من المواقف العلنية والموثقة بالصوت والصورة لكن الهجري بالكاد يمنح خصومه أي فرصة حقيقية لانتقاده فهو يُحصي كلامه جيدة و نادرا ما يُخطئ التعبير. كل هذا صعّب على خُصومه المهمة كثيرا مما دفع بالسلطة في دمشق بالدفع بجملة من الادعاءات المكررة (مؤامرة كونية مدعومة من أمريكا وإسرائيل) والتي غالباً ما تُثير السخرية أكثر من الاهتمام.
العامل الثاني: واقعية الرؤية: تمكن الأب الروحي لحراك السويداء من فهم مطالب الشارع وهمومه بشكل عميق. تُخفي شخصية الهجري البسيطة الكثير من الخبرة والحنكة وبالتالي القدرة على إيجاد الحلول الوسط التي يمكن، ولو من باب الاحتمال، إخراج الشعب السوري من محنته هذه. تأييد الشيخ لمطالب الحراك في إقامة دولة علمانية ديمقراطية مثال يستحق الوقوف عنده. فبعيداً عن المواقف العاطفية المتّسرعة غير الواقعية والتي كلفت الشعب السوري مئات الآلاف من الشهداء وملايين من المهجرين وأنهارا من الدموع، وخلافاً للسواد الأعظم من المؤسسات الدينية التي تُناصب العلمانية العداء (تربط الكثير من المرجعيات الدينية خطأً ما بين العلمانية والإلحاد) تبرز القيادة في السويداء بتبني خيار الدولة العلمانية الديمقراطية كحل للأزمة السورية. في هذا الخصوص، خلافاً للكثير من المعتقدات الخاطئة السائدة، يُتيح النظام العلماني حق ممارسة الشعائر الدينية للجميع. عبر تبني هذا التوجه كحل عملي للمحنة السورية، أسقط الهجري وبالضربة القاضية ورقة التوت الطائفية والتي طالما اسُتخدمت من قبل نظام دمشق لإقصاء أي معارضة جدّية. من خلال هذه الرؤية الواقعية، تحول الهجري من مجرد رجل دين في السويداء إلى رمز سوري وطني ذي نفوذ يتجاوز حدود الجغرافية الضيقة مستقطبا فئات متنوعة جداً من المجتمع السوري. في اتساق مع أفكار الحراك في السويداء، يُكرس الهجري مفهومه لوحدة الشعب السوري ورفضه للطائفية والفئوية عن طريق التنسيق الفّعال مع العشائر والجارة الشقيقة درعا. عملت السلطة في دمشق بشكل فعّال على إذكاء الخلافات واصطناعها بين السويداء ودرعا واستغلت أذرعها الأمنية لمنع أي تنسيق حقيقي بين الجارتين. حتى الآن، يبدو حراك السويداء على تناغم وانْسِجامِ مع القوى الثورية في درعا مما يحّصن الحراك ويعطيه جرعة أمل أكبر.
العامل الثالث: المرأة السورية إلى مقدمة الحراك الثوري مجدداً: رغم عدم تقدمها الصفوف بشكل واضح، قدمت المرأة السورية تضحيات جّساما على مذبح الحرية السوري وكانت لها بصمات مشرفة واضحة بالغة الأثر. تقدمت حرائر السويداء خطوة إضافية غاية في الأهمية وكانت لهن القيادة في العديد من المواقف. تُشارك حرائر السويداء بشكل فعال للغاية ومستمر في الحراك حيث ساهم اعتماد مبدأ سلمية التظاهر كخيار استراتيجي للمتظاهرين في السويداء في تشجيع عدد أكبر من النساء للتظاهر بالإضافة إلى الإشادة الدائمة بمشاركتهن. يُدرك الحراك في السويداء مصلحة السلطة في دمشق بعدم الاستعجال في استخدام القوة المفرطة كما جرت العادة عند فض التظاهرات في المدن السورية الأخرى لكي لا تخسر دمشق ذريعة حماية الأقليات (ورقة التوت) و التي سوّقتها دمشق كأحد المبررات للقضاء على الثورة السورية وكل مقومات العمل السياسي الجاد.

قصة موت معلن

يُشكل بقاء واستقرار نظام دمشق خياراً استراتيجياً لإيران و حزب الله الذين لم يترددوا في الانخراط في المأساة السورية لتثبيت أقدام السلطة في دمشق. بالمقابل، قدّم النظام السوري الكثير من الخدمات الجليلة لأصدقائه و حلفائه ( بما فيهم روسيا) تمثلت في الكثير من الامتيازات العسكرية والاستثمارية طويلة الأجل والتي سوف تُثقل كاهل الشعب السوري لسنوات.
بالمقابل سيطرت أمريكا وتركيا على أجزاء أخرى من الأرض السورية تنفيذاً لأجنداتهم الإقليمية والدولية مستغلين بقاء الأسد في السلطة كذريعة لوجودهم على الأرض السورية.
من هذا المنطلق، يُشكل بقاء الأسد ضرورة ملحة ليس لأصدقائه فقط بل لأعدائه المُفترضين على حداً سواء. وما بين الهبات والعطايا والأتاوات التي تُقدمها دمشق لأصدقائها والأثمان والخسائر التي تتكبدها على أيدي خصومها، لم يبق بأيدي نظام دمشق ما تقدمه للشعب السوري سوى التسويف والوعود الخلبية مع جرعات معزّزة من النُصح والإرشاد و ضرورة العمل الجاد المقدمة من بعض تُجار المخدرات والأبواق المشهود لها بالتطبيل. باختصار، يَخدم بقاء السلطة في دمشق (التي لا حول لها و لا قوة) مصالح الكثير من الأصدقاء المزعومين ( بما فيهم الصين) لكن على رأسهم إيران وحزب الله وكذلك المنتفعين والانتهازيين والخصوم المفترضين. أما بالنسبة للغالبية العظمى من السوريين، فلم يعد بقاء السلطة في دمشق يعني سوى المحافظة على مكتسبات من شاركوا في سفك الدم السوري وبالتالي استمرار المأساة السورية. باختصار، لقد حول الأسد صُنّاع الفولاذ الدمشقي الى مرابعين في خدمة أمريكا وإسرائيل وتركيا وإيران وروسيا و الصين.
من هذا المنطلق، على الارجح أن تتولى إيران المستفيد الأكبر وأذرعها في سوريا، بمن فيهم الموالون للنظام في السويداء (أو ما يُدعى من باب التّندر معارضة محلية وطنية) مسؤولية إفشال الحراك عن طريق إحياء أو اختِلاق نزاعات بين الفرقاء في جبل العرب لتشتيت أهدافهم وزرع الفرقة بين المتظاهرين أو عن طريق الترويج لأجندات لم يطالب بها الحراك أو مطالب غير قابلة للتحقيق أساساً ليُسبغ على الحراك صفة العمالة أو الصبيانية و عدم النضج. وفي حال فشل كل هذه الوسائل، على الأرجح ألا تتردد إيران في استعمال الورقة الأمنية للقضاء على خصومها في السويداء ولم لا وقد أضحى الشعب السوري في ظل قيادته الحكيمة كالأيتام على موائد اللئام.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Sam Akwan:

    كلام صحيح دكتور جميل
    حراك السويداء مميز والمواجهة ستكون مع إيران
    الله يعطيك العافيه على هذا الشرح المفصل

اشترك في قائمتنا البريدية