هموم قروية في رواية «الحورانيّة» للأردني مجدي دعيبس

تتقاطع هموم المجتمعات بين المدينة والقرية والبادية، لكن، لكل بيئة همومها ومشكلاتها الأكثر بروزا وشيوعا؛ فالمدينة مثلا تشكو من الازدحام وارتفاع أجور المساكن وغلاء المعيشة، بينما تعاني القرية والبادية من سوء الخدمات وضعف الاهتمام الرسمي. وتأتي رواية «الحورانيّة» للروائي الأردني مجدي دعيبس، لتسرد جانبا من حياة قرية أردنية في سهول حوران، في ثمانينيات القرن الماضي، حيث البساطة، والمجتمع المحدود، والعلاقات الاجتماعية القوية، والأحلام المتواضعة، والمشاعر الدافئة، وغيرها.
تناولت الرواية موضوعات كثيرة منها: الزراعة، الزواج، الحرب العراقية الإيرانية، السجون، التطرف، تحولات القرية، المغتربين، الاختلاس، أحلام الثراء السريع، الحب، العرافة والشعوذة، أحداث حماة، الجهاد الأفغاني، الجامعة، وتفاعل القرية مع الأحداث الأردنية والعربية وغيرها.
تتناول هذه المقالة بعض الهموم التي كانت تعاني منها القرية آنذاك، وأوشكت الآن أن تزول بسبب تمدن القرى، وتلاشي الفروقات بينها وبين المدينة؛ فما القرية إلا مدينة صغيرة، والمدينة قرية كبيرة.

البحث عن الذهب والدفائن

سيطر هوس العثور على الذهب على عقول الكثيرين، خاصة مع تردد روايات عن أناس بحثوا وعثروا وأثروا بين ليلة وضحاها. أحلام الثراء السريع تراود كل فقير وبائس، يتمنى العثور على كنز من الذهب العثماني أو الروماني، ويستوي في هذه الأحلام/الأوهام الأمي والمتعلم، الكبير والصغير. يتناقل أهل القرية قصة «أبو شاكر الصابوني» الفقير البائس، الذي كان يرعى الغنم ويسكن مغارة مع أسرته، وكانت حالته مزرية، وكان يتنقل بين الخرب للبحث عن الدفائن بصمت، بعيدًا عن العيون، وفجأة «هجر المغارة وباع الغنم واشترى دارا كبيرة في عمّان وألبس زوجته الحرير، بعد أنْ كانت تقصع القمل في رأسيّ ابنتيها كلّ ليلة».
بعد محاولات عديدة، عثر الشركاء الخمسة؛ الأستاذ أحمد البلزم وفريقه على صندوق، فاشرأبت أحلامهم إلى السماء، وظنوا أنّ الذهب سيخطف أبصارهم، لكن خيبتهم كانت كبيرة، عندما وجدوا في قعر الصندوق عقدًا من العظم ومكحلة وأشياء أخرى. فأصيبوا بالجمود ثم الصدمة والغضب؛ فقد تبددت الأحلام والآمال الكبيرة، التي رسموها في خيالهم، وخططوا لمستقبل مشرق سمته الرفاهية.
صورت الرواية ببراعة تأثير شيطان الذهب على نفوس الأصدقاء ورفاق الطريق وعقولهم، فعندما عثروا على المغارة «لمعت أعينهم وخفقتْ قلوبهم بقوّة. بدأت الأفكار تعصف بهم بقوّة وعنف. أصبح الذّهب على بعد ضربة فأس، بعد أنْ ظلّ لسنوات طويلة مجرد حلم يقظة. بدأوا ينظرون في وجوه بعضهم بعضا بشك وريبة، وكاد الصّاحب أنْ يفتك بصاحبه. الذّهب كما قالوا له لمعة تُذهب العقول، وتوسوس للنّفوس بوساوس الشّيطان الرّجيم». فكل نفس تراود صاحبها أن يكون الذهب له وحده دون شريك، مهما كانت كميته، فالطمع والأنانية والاستحواذ هي ما يسيطر على المرء في تلك اللحظات الفارقة المشحونة بالترقب والمفاجآت والنقلة المصيرية في الحياة.
ويضيف دعيبس بعد أن رأوا الصندوق «هاجمتهم أحلام الذّهب بضراوة قاسية، فسال لعابهم، واستيقظت حواسهم، وربّما أصاب بعضهم مغص مفاجئ، لا سبب له إلا الشّعور بالإثارة المفرطة. في تلك اللحظة أصبحوا مثل قطيع من الذّئاب الجّائعة، التي تبحث عن فريسة تقتات عليها، وعندما لا تجد ضالّتها تتوجّه إلى ذئب جريح أو ضعيف بينها. تهاجمه بلا رحمة وتأكله». إنَّ أحلام الثراء المفاجئ تبيح للمرء كل شيء، بما فيه الغدر والقتل حتى ولو كان من أعز الناس، ولا عجب فبريق الذهب يعمي البصر والبصيرة، ويحول الإنسان إلى وحش غدار، بلا ذمة ولا ضمير، يتخلى عن كل القيم الإنسانية من أجل أن يستحوذ على أكبر قدر ممكن من الذهب.

جريمة قتل

صدمت جريمة قتل المحامي صلاح عثمان أهل القرية، فالمجتمع القروي قد يتقبل القتل من أجل الثأر أو الشرف، ولا يتعاطف مع غيرها. ومن هنا، فإنَّ بعض تحليلات أهل القرية ذهبت إلى أنها قضية شرف، كون المحامي صلاح كان يحب أم يمين بحرو قبل زواجها، ولم تكن من نصيبه، وذهب أهل القرية إلى تحليلات كثيرة، خاصة وأنَّ معظم رجال القرية خضعوا للتحقيق، وبعضهم حُبس على ذمته.
أحدثت جريمة القتل هزة في القرية الوادعة، وكانت الحجر، الذي عكر صفوها، وكشف التحقيق عن قضايا ومشكلات طواها النسيان، كانت بعضها تشكل دافعا للجريمة ولو من باب الشك، وكانت الصدمة عندما اكتشف السبب، الذي لم يخطر لأحد على بال، وذلك عن طريق يمين بحرو، الذي ربط الخيوط ببعضها، وعرف القاتل ودافع الجريمة.
مجتمع القرية مترابط، وفيه شبكة قوية من صلات القرابة والنسب، وهو مجتمع متكافل متعاون، يساعد بعضه بعضا، وهو أشبه بعائلة واحدة كبيرة، والجرائم فيه نادرة الحدوث، ولذا أدت هذه الجريمة إلى قلق في مجتمع القرية، وخدشت النسيج الاجتماعي، وأحدثت شرخا من الصعب أن يزول.

العرافة والشعوذة

في القرى، توجد عادة امرأة عجوز، وأحيانا رجل، تشتهر بقدرات خاصة في شفاء الأمراض.. يقولون إنها بصّارة، ويتهمونها بالسحر والشعوذة والحجب، وربما يرونها من أصحاب الكرامة والولاية والكشف، تقوم «بفكّ السحر وجلب الحبيب وزواج العانس وردّ المطلّقة والطاعة والقبول وأشياء أخرى كثيرة» وهذا ما عُرفت به مبروكة أم محمود الساري في قرية الحورانيّة.. امرأة يخشاها الناس، ويتجنبون نظراتها، لكنهم يلجؤون إليها عندما تضيق عليهم الدنيا ويفقدون الأمل. ولها قصص وحكايات غريبة عن نجاحها في علاج الأمراض وحل المشكلات المستعصية.
يخاطبها ابنها محمود، الذي لا ينجب بأنها لا تسعى لحل مشكلته، بينما «أهالي القرى المجاورة يحضرون إليك أيضا لتخفّفي من آلامهم وأحزانهم، يجلبون لك الهدايا وخيرات أرضهم ومحاصيلهم. أعرف أنّك تطردينهم لكنّك في النّهاية تشفقين على الأمّهات اللواتي حملن الأخرس والمفلوج والمهبول فتقرئين عليهم من بعض السُّوَرِ، وتدهنين جباههم وبطونهم بالزّيت».
اللجوء إلى العرافين والمشعوذين تستوي فيه جميع فئات المواطنين، لكنها أكثر انتشارا في القرى والأحياء الفقيرة، وحيثما استوطن الجهل والفقر؛ فإيمان هؤلاء بالقدرات الخاصة للبعض أكثر من إيمانهم بالطب والعلم، خاصة أنّ الكلفة بينهما لا تقارن، وهؤلاء لا يملكون ترف العلاج عند الأطباء والمستشفيات. ولابد من الإشارة إلى وجود بعض هؤلاء الأشخاص ممن يمتلكون قدرات حقيقية على الشفاء، أو وصف العلاج المناسب، وليسوا مشعوذين ولا دجالين.
وهذا يذكرنا بلجوء كثير من السياسيين ونجوم المجتمع إلى العرافين ومدعي معرفة الغيب، والاعتماد عليهم في قراراتهم وخطط حياتهم، وحتى علاجهم، واتخاذهم مستشارين مقربين منهم، وأصبحت العرافة اليوم مهنة يتعيش منها البعض، ويتفنن فيها، ويبرع في التوقع والإقناع، وإذا صدقت بعض تنبؤاته ارتفعت أسهمه إلى السماء، وتكالب عليه الناس؛ فقد كُشف له الغيب، وعلم ما لا نعلم.
ولعل أخطر وأبشع أشكال الشعوذة ما يقترفه السياسيون وأرباب الحكم، بما يمارسونه من بيع الأوهام والأحلام، وتخدير الشعوب، وتزوير الحقائق، ويتبعهم كثير من المحللين الاقتصاديين والسياسيين والعسكريين والكُتّاب والفنانين وغيرهم.
وفي ذات السياق، تذكر الرواية تعرض حسني للعين من رجل خمسيني معروف بذلك، يصفه حسني بأنه «يلفّ رأسه بحطّة متّسخة وعقال أسود انفلتتْ خيوطه، قديم خطوطه بيضاء وسوداء. ساقان سمراوان ومتصالبتان تكشفان مدى نحول صاحبهما. حاجباه أسودان وطويلان، عيناه صغيرتان لكن ّمحجريهما منبسطان وواسعان. عندما ابتسم وهو يحدّق في وجهي ظهرت إحدى أسنانه وقد برزت للأمام وخرجت عن مستوى بقية القواطع.. كانت معقوفة مثل الخطّاف». والإصابة بالعين مألوفة، وهي حق كما جاء في الحديث الشريف الصحيح، ومعروفة في مجتمع القرية، بل قد تكون أحيانًا ملازمة لبعض الأسر، تتوارثها جيلا بعد جيل.

التطرف

التطرف دخيل على مجتمع القرية البسيط المتسامح، وإذا أصابها صدَّعها، وأذهب طمأنينتها. والتطرف يتسبب فيه فهم قاصر ومعرفة سطحية؛ فالشيخ الأفغاني، الذي عاد من الجهاد في أفغانستان، رأى نفسه أعلم أهل القرية والأحق بأن يكون عالمها وشيخها وقائدها، فانقاد إليه إمام المسجد، بعد أن فتنه حديثه ومنطقه، أما كريم الطالب الجامعي المطلع جيدا على كتب الفقه والعقيدة، فقد أبى أن ينقاد للشيخ الأفغاني ومبايعته، مما تسبب له في الأذى النفسي والجسدي. فالشيخ الأفغاني كان يرى أنّ من ليس معه فهو ضده.
كان تركيز الشيخ الأفغاني وأتباعه على كريم لما يمتلكه من وعي ومعرفة وعلم وقدرة على التمييز، وهذا يشكل مصدر خطورة عليهم؛ لأنه يمتلك المؤهلات، التي يستطيع بها كشف زيف الأفغاني وتشدده وجهله. وهذا مصير كل واعٍ في مجتمع جاهل، ومبصر وسط عميان، فهو يتهم بالشذوذ، والخروج عن جادة الصواب، ويتهم بأنه يسعى لإضعاف الصفوف وخلق الفتن.
وتكمن خطورة التطرف في مجتمع القرية في أنه يؤدي إلى تصدع العلاقات، وانقسام الأسر، وتبادل التهم، والتربص، وانتشار الإشاعات، والإيذاء النفسي والجسدي، وقلب الحقائق، ونشوء العداوات، وقطع الرحم، وغيرها. ومن هنا، فإنّ التطرف يعتبر من أهم أدوات السلطة لإشغال الناس ببعضهم، وإضعاف قواهم، وتشتيت جهودهم، وحرف أنظارهم.
وبعد… فإن «الحورانيّة» الصادرة عام 2024 في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 215 صفحة، هي الرواية الخامسة لمجدي دعيبس الفائز بجائزة كتارا عام 2019 عن روايته الأولى «الوزر المالح». وروايته موضوع المقالة احتفت بالقرية وأهلها وجغرافيتها وظروفها وهمومها ومشاكلها وأحلام الناس فيها، وتحولاتها المتسارعة، وهجرة أهلها منها.. كل ذلك عولج بلغة جميلة، وحبكة بوليسية لطيفة، ووظفت تقنية تعدد الأصوات، مؤكدة أنّ القرية تصلح فضاء لرواية ممتعة ناجحة، وليست المدينة فحسب.

كاتب أردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية