ُمشهد فلسطيني عبثي

حجم الخط
0

ُمشهد فلسطيني عبثي

زهير اندراوس ُمشهد فلسطيني عبثي بات المشهد الفلسطيني قريبا من العبثية، وأصبح الخطاب الفلسطيني بعيدا عن الواقعية ومثيرا للخزي وللعار وللخجل وللاشمئزاز، حالة الفوضي في تفاقم مستمر، ففي الاسبوع الماضي ملثمون من كتائب شهداء الأقصي، الجناح العسكري لحركة فتح، اقتحموا علي مرأي ومسمع العالم مقر اللجنة المركزية للانتخابات في مدينة خان يونس، متحدث بلسانهم قال بان الحرسين القديم والجديد في فتح لم يعترفا بهم كجزء من المعادلة، وهدد بعرقلة الانتخابات التشريعية، إذا لم يتغير الوضع. شارون يؤكد أنه لن يسمح لفلسطينيي القدس المحتلة بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) المقبل، وهذا الأمر يتنافي حتي مع اتفاق أوسلو سيئ الصيت والسمعة. السيد عمير بيريتس، زعيم حزب العمل، ابتكر هذا الأسبوع حلا خلاقا للكتل الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، واعلن في برنامجه الانتخابي بأنه يريد استئجار هذه الأراضي من الفلسطينيين لفترة طويلة جدا، دون تحديد جدول زمني، أما حزب شارون فيقول بصريح العبارة انه سيضم هذه المناطق إلي سيادة الدولة العبرية في الحل النهائي. باختصار شديد، يبدو المشهد الفلسطيني مثيرا للإحباط بكل المقاييس، تسوده البلبلة والفراغ القيادي، والفوضي التنظيمية والأمنية، واتساع دائرة البلطجة السياسية علي جميع المستويات من القمة إلي القاعدة وبالعكس، ونحن نؤمن بان هذا الأمر نابع من مواصلة فتح علي الاستفراد بالقرار الفلسطيني.تدور هذه الأمور ورئيس السلطة، السيد محمود عباس، يلتزم الصمت، فالرجل الذي انتخب بدعم أمريكي وإسرائيلي اختفي عن المشهد، ولا نسمع منه أو عنه شيئا. عباس لا يمتلك رؤية سياسية، لا توجد بحوزته أجندة، وأكثر من ذلك، فان حالة الانحلال والفوضي التي تعم الشارع الفلسطيني، تهدد إخوتنا في المناطق المحتلة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. فأين الرئيس؟ ماذا يفعل للسيطرة علي زمام الأمور وحل المشاكل المستعصية؟ لا شيء. وحسب التقارير التي نقرأها فان السيد عباس لجأ إلي مصر في محاولة يائسة لإقناع القاهرة بضرورة التدخل السريع لحث حماس علي الموافقة علي تأجيل انتخابات المجلس التشريعي. علاوة علي ذلك، فهو يتعرض لضغوطات من جميع أنحاء العالم لتأجيل الانتخابات. والهدف من هذه الخطوة هو منع حماس، التي ستفوز بالانتخابات من تحقيق النصر، فحتي رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك الإسرائيلي) يوفال ديسكين، اعترف في جلسات مغلقة بان فوز حماس في الانتخابات التشريعية بات مؤكدا. اللافت انه في الأيام الأخيرة يبدو واضحا للعيان انشغال العالم الغربي الحر والمتمدن في الانتخابات التشريعية الفلسطينية. فالناطق بلسان البيت الأبيض يهدد بأنه من غير المعقول أن تشارك منظمة إرهابية مثل حماس في انتخابات ديمقراطية، لأنها تقتل المدنيين العزل، كما انه ليس من قبيل الصدفة أن يهدد خافيير سولانا، الممثل الأوروبي الأعلي للسياسة الخارجية بإعادة النظر في المساعدات المالية الأوروبية للسلطة الفلسطينية في حال فازت حماس في الانتخابات، ولم تقبل التخلي عن العنف. أما بالنسبة لإسرائيل فحدث ولا حرج، فكل سياسي مبتدئ أو مخضرم ينتهز المناسبة لإطلاق التهديدات للسلطة الفلسطينية بان السماح لحماس بالمشاركة في الانتخابات ستكون له عواقب وخيمة علي العملية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وكأنه توجد عملية من هذا النوع. المتتبع للأمور قد يتوصل إلي نتيجة بان جميع المشاكل في العالم قد وجدت طريقها إلي الحل، وبقيت مشاركة أو عدم مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية العائق الوحيد أمام إحلال السلام العادل والشامل في العالم. من المؤسف حقا، ومن المخزي أن تطلق هذه التهديدات والقيادة الفلسطينية تلتزم صمت أهل القبور. كنا نتوقع من رئيس السلطة أن يقف وقفة القائد لشعبه وان يعلن علي الملأ وبدون تأتأة أن مشاركة حماس في الانتخابات هي قضية فلسطينية داخلية ولا يسمح لكائن من كان أن يتدخل بشكل سافر في هذا الأمر. ادعاء أنصار حركة فتح بان تسلم حماس السلطة يعني بشكل مباشر قطع جميع الاتصالات مع الإسرائيليين هو عذر أقبح من ذنب، فإذا قرر الشعب الفلسطيني أن حركة حماس هي الممثلة الشرعية له، فلا يقدر المحتل ولا وكلاؤه في الداخل والخارج تغيير إرادة الشعب، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أننا نؤيد حماس. الشعب الفلسطيني مقبل علي حدثين مهمين في تاريخه: الانتخابات التشريعية وانتهاء التهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي. والقضيتان متعلقتان الواحدة بالأخري، فإذا رضخ السيد محمود عباس للإملاءات الإسرائيلية والغربية وأعلن عن تأجيل الانتخابات فان سيقود شعبه إلي متاهات هو في غني عنها، ولا نبالغ إذ نقول بان إلغاء الانتخابات هو الضوء الأخضر لإعلان الفصائل الإسلامية والوطنية أنها في حل من التهدئة مع الاحتلال، ولا نبالغ أيضا إذ نجزم بان تأجيل الانتخابات هو الشعلة الأولي للانتفاضة الثالثة للشعب الفلسطيني.9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية