أكاديميون مغاربة في ندوة «الجميل في السينما»: مزيج من الترفيه الجماهيري والصناعة الثقافية

الدار البيضاء – «القدس العربي»: احتضنت قاعة الندوات في المكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء ندوة علمية وطنية عن «الجميل في السينما»، نظمها ماستر السيميائيات وتحليل الخطاب ومركز الأبحاث الفنية والجمالية التابعة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في نمسيك في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، بتعاون مع الجمعية المغربية لنقاد السينما. وتميزت الندوة بمشاركة نخبة من الباحثين والنقاد المغاربة، وبحضور نوعي لعدد من الشخصيات الأكاديمية والنقدية، حيث لقيت تفاعلا مهما من قبل عدد من الباحثين المشتغلين في حقلي الأدب والسينما.
تميزت الجلسة الأولى التي ترأسها عبد الرحيم جيران بمداخلات رصينة افتتحت بمداخلة حمادي كيروم، الذي انطلق في مداخلته من تعريف السينما على أنها «إحساس الدواخل»، لكنها تُسائِل الحواس وأساسا العين. وبهذا، فهي تقنيات أيضا، أي مجموع أدوات إنتاج وأدوات معرفة غايتها «خلق الجمال والكشف عنه»، لكن تبعا لقيم الصدمة، وفق فهم فاليري، موضحا أنه على ذلك النحو يتشكل العمل الفني، لكن ليس على نمط الكيتش، من عناصر أولها الحداثة وثانيها الفن والجمال. وقد حاول الأستاذ كيروم تجسيد هذه المقومات في تحليل اللقطة- المتتالية الأولى في فيلم أندراي تاركوفسكي «القربان». حيث حلل من خلالها خصوصيات العمل السينمائي عند تاركوفسكي ونقده لمبدأ المونتاج بِعَدِّهِ تركيبا مصطنعا للدلالة (حيث نجد مقاطع طويلة قد تستغرق تسع دقائق، الشيء الذي يتطلب صبر المشاهد). لذلك يرفض هذا المخرج ربط العمل الفني بدلالة ورمزية مسبقتين، لأن الرموز هي استخدام مؤقت للمعنى، حيث تتحول الصور إلى وعاء لمعاني سابقة عليها. هكذا يشكل هذا المخرج في نظر حمادي كيروم حالة خاصة في تاريخ السينما لأنه يدعو إلى مراجعة مسلمات هذا الفن.
مداخلة معزوز عبد العلي «جماليات السينما» انطلقت من طرح مجموعة من الأسئلة من قبيل: كيف يمكن المواءمة بين وسيط معاصر، المُتَمَثِّلِ في السينما ومبحثٍ أقدم منه وسابق عليه أيْ الإستتيقا في القرن الـ 18؟ ما السبيل إلى تحيين مفهوم الجميل مثلما صاغهُ كانط، لكيْ يلائم الوسيط السينمائي؟ وهل تحيينُ مفهوم الجميل ممكن؟ معتبرا أن هذا السؤال ينطوي على تحدي كيف يمكنُ مقاربة السينما جماليا، والحال أنها ليست فنا خالصا، وأنها مزيج من الترفيه الجماهيري ومن الصناعة الثقافية ومن الإبداع؟ ما نوعُ الجميل السينمائي وما عسى أن تكون عناصرُهُ المكوِّنة؟ ما نصيبُ الترفيه والصناعة والإبداع في الجميل السينمائي؟ فإذا سلَّمنا بإمكان مقاربة السينما جماليا- يتساءل معزوز- فهل لها جمالياتُها الخاصة مثل جماليات المسرح والرواية والتشكيل؟ أمْ يقتضي الأمر تطبيق جماليات عامة على السينما؟ ما معايير هذه الجماليات السينمائية؟ ويرى تبعا لهذا القلق أن البحث يقتضي الحفر في مفهوم الجميل من حيث شروط نشأته وإنتاجه وأسباب التّحوّل من مفهوم الجمال الأفلاطوني إلى مفهوم الجميل الكانطي. فمصطلح الجماليات منذ الإغريق يفيدُ معنى علم الحساسية، ولكنّهُ عرف تحوّلات والآن ومنذ اللحظة الكانطية تمّت زحزحة مفهوم الجميل من مركزيته لصالح مفاهيم مثل، السامي والجليل والمرعب والمقدَّس. مما يتطلَّبُ استعمال مِبْضَعَ النقد من أجل استجلاء مآل المفاهيم الجمالية وإسقاطها على الفن السينمائي. هل نحن بحاجة إلى جماليات بدون مفهوم الجميل؟ يجيب الناقد معزوز «إذا استعرْنا فكرة كانط في تعريفه للجميل بأولوية الشكل الجميل على الشيء الجميل، أو بكون الجميل ليس الشيء الجميل وإنما التمثّل الجميل للشيء أدركنا أنَّ الصورة أفضل من الشيء المُصوَّر، وأنّ تمثيل مشهد في السينما أفضل من المشهد المُمَثَّل.
إن الجميل السينمائي هو ما يضمن لِأَبْدَعِ الأفلام ديمومة مُدْهِشةً. إن السينما من جهة كونها فنا يعملُ على إعادة تشكيل الواقع والارتقاء به فوق الابتذال، من خلال إبداع وإعادة خلق أشكال جديدة في التعبير والتمثيل. والجميل السينمائي يتجدَّد حسب أطر ومقتضيات الحداثة، وفي الغالب ما يكون على شكل قطائع، ومن خلال تبعثر وتشظي وتشرذم الحكي والسرد. ويُشرِعُ مفهومُ الجميلِ السينمائيِّ البابَ لِلْبَحْثِ في مفاهيم مُتقاطعة معه مثل، دورُ ملكة الحكم الجمالي وما تفرضُهُ من تحيين وتجديد في جماليات السينما، وفيما يُثارُ من أسئلة حول مدى استقلالية الذائقة الفنيَّة والجمالية في عصر الدِّعاية والتسويق والاستهلاك للمُنْتج الفيلمي. ويُثَارُ في السياق نفسه سؤال حول راهن المتعة الجمالية والتَّلَقِّي الجمالي للمُنْتَج الفيلمي الحديث والمعاصر، خصوصا مع استحضار مصطلح شاع استعمالُهُ وهو blockbuster الذي يُعتَبَرُ مقياسا تجاريا لنجاح الفيلم ورواجه من جهة، ومقياسا لِمَا يُحقّقُهُ من أرباح. وتوقف رشيد نعيم في مداخلته «الجمال بين تاريخ الفن والنقد السينمائي» عند مختلف المراحل التاريخية التي مر بها تعريف المفهوم منذ حضارة ما بين الرافدين إلى يومنا هذا، مرورا بالحضارات المصرية والإغريقية والإسلامية والغربية (العصر الوسيط، عصر النهضة، عصر الأنوار…) وقد مكنه ذلك من ملامسة الطابع المتغير بل والزئبقي لمفهوم الجمال. هذا الأخير وجد في الفن السابع تربة خصبة زادته تعقيدا وغنى، بحكم أن السينما فن شامل لمختلف الفنون الأخرى. وفي الأخير، تطرق نعيم إلى العناصر الثلاثة المكونة للنقد السينمائي: التحليل، التقييم والتواصل، في علاقتها بمفهوم الجمال، حيث أكد على دور الوساطة الذي يفترض على الناقد والأكاديمي القيام به بغية تقريب الجمال الكامن في الأفلام للمتلقي.
أما الجلسة العلمية الثانية التي ترأسها أحمد الصادقي فقد امتازت، أيضا، بمداخلات علمية رصينة افتتحت بمداخلة عبد اللطيف محفوظ «أشكال تمثل الجميل والأيديولوجي في الشريط الوثائقي»، قدم فيها بعدا توضيحيا نظريا، وتعرض إلى أسباب انحيازه إلى الفهم الهيكيلي للجميل، ثم انتقل إلى معالجة موضوعه، من خلال ثلاث نقاط هي أولا حدود النوع، وقاربها انطلاقا من تحديد الفوارق بين الفيلم الوثائقي والفيلم الروائي، ثم بين الفيلم الوثائقي والروبورتاج، وقد بين استنادا إلى أدلة عميقة تعود إلى طبيعة وتمثيل الواقع، أن الفيلم الوثائقي يقبل كل سمات ومحددات الفيلم الروائي، وأن المسافة النظرية تكاد تكون، بالنظر إلى العلاقة مع المتبدي (مصطلح يعبر به عن شكل التمثل الفردي للواقع) المعبر عنه، وقد بين ذلك انطلاقا من ثلاثة مبادئ حددها في التماسف والانتقاء والابتعاد الوهمي.
وهي ثانيا، تضافر الجميل والأيديولوجي في البناء المجرد للفيلم، وقدم أدلة تؤكد محافل هذا التضافر المحايث والمتعالي من خلال تحليل مجموعة من الأفلام الوثائقية، وأنهى مداخلته بالنقطة الثالثة التي اقترح من خلالها مفصلة الأفلام الوثائقية، بناء، من جهة، على تعالقها مع الكتابة التاريخية، ومن جهة ثانية، على التصور الهيكلي للتاريخ، إلى ثلاثة أنماط كبرى هي: الأفلام النظرية والأصلية والفلسفية، وقد قدم نماذج مفحمة لكل نمط .أما مداخلة نور الدين محقق: «فكرة الجميل في السينما العالمية» فتحدث فيها عن الثقافة الفنية بوصفها أساس الحكم الجمالي الذي يتحكم في عمل الفنان وهو يبدع. محددا، تبعا لهذا السياق، فكرة الجميل عند كل من سقراط وأفلاطون وكانط وهيغل بالنسبة للفنون الأخرى لاسيما في الرسم والشعر، وصولا إلى المجال السينمائي الذي مثل له بفيلم «سائق التاكسي» للمخرج مارتن سكورسيزي بوصفه فيلما سينمائيا جميلا يتوفر على عناصر الجمال انطلاقا من عنصري اللذة والألم، وكذا اعتماده على التخييل في عملية التلقي، وتوفره على كل المكونات السينمائية. كما حلل الباحث جمالية الصورة السينمائية خلال حركيتها السينمائية التي تحضر بوصفها حركة تقنية تستطيع عبر رؤية المخرج السينمائي أن تنتج عالما سينمائيا يقدم معنى جماليا للوجود، متوقفا عند جمالية الإيقاع الفيلمي، انطلاقا من ثلاثة إيقاعات مختلفة: إيقاع سريع يتمثل في حركة الكاميرا وهي تصور حركة السيارة التي تجوب شوارع نيويورك ليلا، شارعا بعد آخر، مما يمنح للمتلقي فرصة التعرف على المدينة وهي ترتدي ثيابا ضوئية. لكن السيارة، وهي تعبر الشوارع، تتيح لنا أن نرى، من خلال عين البطل، كل الشخصيات التي توجد فيها، وضمنها الشخصيات المهمشة. هنا أيضا تتجلى حركية الفيلم في إيقاعه المتوسط، ذلك أنه بالإضافة إلى حركية السيارة، فالشخصيات هي الأخرى تحقق حركيتها، وهي أقل سرعة بالضرورة من حركية السيارة. ثم إيقاع بطيء، ذلك أنّ إيقاع حركة الشخصيات يختلف من شخصية لأخرى، فحركة شخصية البطل تتراوح بين السرعة والبطء.
وانطلقت مداخلة السعيد لبيب: «من الجميل إلى السامي في السينما» من التساؤل حول إن كان الجميل في فلسفة الجمال الكلاسيكي (كانط) يعني ذاك الإحساس بالرضا الذي يخلو من كل مصلحة أو منفعة، حيث يكون ليس حكم قيمة أخلاقية أو اجتماعية أو معرفية، وإنما حكم شعوري يصبو إلى الكونية، الشيء الذي يبرر مساءلة السينما جماليا مادامت خطابا صُوَرِيَا، وأيضا، فنا كونيا من حيث كون عماده هو الإدراك البصري الموجود تقريبا لدى كل الكائنات البشرية، لكن الجميل سلبي كما يقول فاليري؛ أي أنه إحساس لا يمكن التعبير عنه وشعور بالنقص والغياب. لهذا كان السامي عند كانط يعني عدم القدرة على إدراك اللامتناهي وخلخلة اللاانتظام واللااتساق في المشاعر وبنية الذات، حيث تتناوب عليها أحاسيس الرهبة واللذة، والخوف والأمن… ذاك هو ما تريده السينما الشاعرية الفنية لكودار وبرغمان، وروسي، وتاركوفسكي مثلها في ذلك مثل أعمال كافكا التي يصعب وصفها بالجميل، كما يقول أدورنو، بل إنها تسبب في الذات قلقا وتنتج انفعالا قويا وملتبسا. وقد قررت مؤسسة مسجد الحسن الثاني نشر أعمال الندوة في كتاب مستقل.

محمد العناز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول balli_mohamed casa maroc:

    ضع تحت ظل هد ا التقرير الفني السينمائي المنبري بعض الحروف بين قوسين الأقلام المتميزة عن جد ارة لازالت تتحدث عن هد ا الفن الدي سمي باالسينما وليدة الجهد وليدة الأبد اع وليدة الخيال الخيال ايه نعم لولا الخيال ماكان الشعر لولا الخيال ماكان التشكيل لولا الخيال ماكانت الرواية لولا الخيا ل ماكانت القصة لولا الخيال ماكان المسرح لولا الخيال ماكانت السينما لولا الخيال ماكان البناء فنحن غير مامرة قلنا بأن للخيال دور مهم ومهم جد ا في كل شيء /*.
    السينما صور مرئية وصور ملموسة وصور صوتية ولسان من السنة الفن المتميزة ووجه من وجوهه المتميزة ويد من ايدي الثقافة ولايعجب القارئ المحترم من هد ا الأسلوب فهو الواقع السينما مدرسة كبرى لتعليم منها تعلم البعض اللغات والأخلاق العالية وهده لها حضور في بعض صورها فاالسينما وكاشاشة اين ما وضعتها وجدتها *-.
    هده فقط حروف لكن ليست بلغة الفلسفة فاالفلسفة شيء اخر عالمها غير محدود فقد نأخد كلمة السينما وقد لانتوقف عن الشرح فقد نجد لها اكثر من تفسير *-.

اشترك في قائمتنا البريدية