أمل كعوش: حفظ ذاكرة الأجيال ضرورة ولا حاضر من دون ماضٍ

24 - فبراير - 2018

زهرة مرعي

0
حجم الخط

صاحبة مدونة «ميرون» والمسكونة بتراث فلسطين الغنائي

بيروت ـ «القدس العربي»: لأمل كعوش مواهب فنية جمة لم تجد بعد سبيلا لتنطلق بما تستحقه. صوتها نقي، واسع ودافئ، يصل من دون ادعاء وجهود. حضورها على المسرح محبب ولطيف، ميزته التواصل والتفاعل مع الجمهور.
تنتمي إلى بلدة ميرون في الجليل الفلسطيني، ولدت وعاشت في مخيم عين الحلوة، ومنه انطلق مشوارها في الغناء. تخصصت في علم الأحياء، وامتهنت التعليم في مدارس الاونروا لخمس سنوات، وتركته للعمل في مجال الفنون. أمل كعوش تكتب الكلمات المشاكسة، تلحنها فطريا وتغنيها. في تلك الأغنيات هي بنت جيلها، وتنتمي عاطفياً ومن دون قرار منها إلى مدرسة زياد الرحباني في التعبير، إنما بحدود. ولها موهبة جلية في رسم الكاريكاتير، وغيره من الرسوم. بعد حفلها الأول «عطر وحنة» الناجح في مترو المدينة الأسبوع الماضي كان معها هذا الحوار:
○ غبت طويلاً وعدت بـ»عطر وحنة» حفل أفرح الحضور، ماذا عن انطباعك الخاص؟
• قبل سنة وشهرين كان آخر حفل لي في لبنان، رافقني عزفاً على العود الفنان السوري وسام العلي. قدمت التراث الفلسطيني كجزء من العرض. قبلها وفي تموز/يوليو وأب/اغسطس على التوالي من العام الماضي كنت في ايطاليا والدنمارك. في حفل مترو المدينة كانت المرة الأولى التي أغني فيها مع موسيقيين رائعين. الموسيقيون المحترفون والذين يملكون احساساً عالياً جميلاً، ينعكس حضورهم ثقة كبيرة لدى المغني، ويشعر بسند قوي. فرحت بهذا الحفل المشغول ضمن توليفة متكاملة. الموسيقيون كانوا فرحين كذلك، ومن المؤكد ان الحالة انعكست على الحضور. وأنا دائما محظوظة بموسيقيين رائعين.
○ يبدو أن العازفين آمنوا بما غنيته ولم يكن حضورهم حرفيا وتقنيا وحسب؟
• لأن العرض يقدم هوية ثقافية عربية قبل أن تكون فلسطينية، من المهم جداً أن يضع الموسيقي قلبه فيه، وليس فقط أن يؤدي دوراً. في الواقع اشتغل بيني وبين الموسيقيين الأربعة تناغم شخصي. جميعنا ينتمي إلى بلاد الشام من لبنان، سوريا وفلسطين. في واحدة من التمارين قال لي عازف التشللو من سوريا راغد نفّاع بتشابه كبير بين التراث الفلسطيني وتراث الشام. قد يختلف في العادات والتقاليد بين منطقة وأخرى، إنما التراث من حيث اللحن والكلام والحكايات، سيكون متشابهاً إن لم يكن نفسه. يمكن في حفل مماثل في بيروت التعاون مع عازفين أجانب ماهرين، لكن العزف سيختلف عن آخرين يعرفون هذه الحضارة وتعني لهم الكثير. فهذا التراث لم نتعارف عليه مؤخراً، بل هو جزء مغروس في ذاكرتنا، وموجود في الجينات.
○ كم يعنيك استمرار نقل هذا التراث الفلسطيني؟ وهل تشعرين بواجب ودور؟
• طبيعي جداً أن أكون معنية. نشأت في عائلة عززت انتمائي لوطني فلسطين. لست أعني هنا فقط والديّ بل أجدادي أيضاً. كبرت مع فلسطين، وكلما زاد تعمقي بقضية شعبي ووطني زاد اهتمامي بالتراث. كل من له قدرة إغناء وحفظ الذاكرة الفلسطينية عليه ان لا يتأخر. الغناء جزء من تراث الشعب الفلسطيني، إلى جانب أشكال أخرى من الثقافة الفلسطينية التي يجب أن تبقى في ذاكرة الأجيال. نستمر من خلال هذا الدور فلا حاضر دون ماضي.
○ كفنانة مستقلة كيف تعدين لحفلاتك؟
• ليس سهلاً إيجاد منتج لمن يقدم فناً غير تجاري. بل هناك مؤسسات ثقافية عربية مانحة، تدعم الفنانين الشباب وتساعدهم في التعبير عن همومهم الحقيقية. ومن هذه المؤسسات آفاق، ومفردات، ومؤسسة عبد المحسن القطان، والتعاون، والمورد الثقافي. تلك المؤسسات تلتزم بدعم الفنانين الذين يعرفون بـ»أندرغراوند آرتيست». لتنظيم حفلاتي في بيروت أتواصل مع المكان المقرر العرض فيه. قدمت «عطر وحنة» بدعوة من مترو المدينة لحضوري كمغنية في هذه المساحة الثقافية الخاصة بالشباب. هم من نظموا هذا العرض وأنتجوه. وهم من اختاروا الموسيقيين الرائعين طوني جدعون كمان، وفرح قدور بزق، وبهاء ضو إيقاع، وراغد نفاع تشللو. وكذلك اشترك في الإنتاج ابراهيم عبد الرازق من استوديو ذاكرة، في عين الحلوة الذي وثق العرض بالصورة. يبقى محتوى العرض من جهودي، من حيث البحث والأغنيات، اقترحت عدة عناوين وتمّ اختيار «عطر وحنة».
○ ما الذي يشدك إلى الغناء؟
• أغني لأنني أحب الغناء. لست في وارد عرض صوتي بل لأنني أحب القصة التي في الأغنية. يمتعني العرض الذي يتضح فيه مشاركة الجمهور بالغناء والتصفيق، سيما في أغنيات العرس الفلسطيني. أحب غناء التراث لأن كافة حكاياته نابعة من حياة الشعب الفلسطيني في مراحل تاريخية ومناسبات مختلفة. الكلام أول ما يجذبني في الأغنية. وفي غنائي للمعاصر أبحث عن الكلام الذي يخاطب أكبر شريحة من الناس. الكلام غير النخبوي المتفلسف، وليس بالضرورة أن يكون شعبوياً. الأهم في كلام الأغنية هو الصدق لأنه سيصل للناس بسرعة وبسهولة.
○ »ياما مويلا الهوا» تلازم كل حفل غناء للتراث الفلسطيني. هل من سيرة خاصة لهذه الأغنية؟
• كما سبق الذكر هي من التراث الفلسطيني، وحسب بعض المصادر أنها أغنية عاطفية أضيفت لها مع الوقت كلمات وطنية. هناك تسجيل موجود بصوت ناي البرغوتي يقول «يا ريت جسمي جسر وأعبرك عنو وعيش أنا وياك عيشة فلسطينية». ومصادر أخرى تقول من محتوى الأغنية «ضرب الخناجر ولا ظلم الولف ليا»، ومن ثم صارت «حكم النذل بيا». يمكن أن يطرأ تعديل على الأغنيات العاطفية لتلائم الواقع المعاش، كما جفرا ويا هالربع بين البساتيني، التي أصبحت جفرا ويا هالربع ربع الجهادية، وذلك بعد الاحتلال الصهيوني. كذلك حال أغنية يا ظريفة تطول، الموجودة في أكثر من بلد عربي بما فيها الجزائر، وهي تغنّى حسب المناسبات. في حفل «عطر وحنة» أديت «ياما مويل الهوا» كما نسخة فرقة العاشقين وهي الأكثر شهرة.
○ لنعود إلى ريبرتوار «عطر وحنة»، كيف وصلت إلى أغنيات جديدة لم نسمعها من قبل؟
• أبحث في تاريخ التراث الغنائي من خلال الكتب. كذلك التاريخ الشفهي الموثق عبر الفيديو أو الصوت. ومن خلال أصدقاء لي في فلسطين، ومنهم من يبحث في تاريخ التراث. ومنهم من له قدرة الوصول إلى وثائق تاريخية مهمة، كما الصديق آدم عنبوسي. وقبل سنتين بدأت التواصل مع نائلة عزام لبس من الناصرة، هي باحثة في التراث الفلسطيني المُغنى، ولها اصدارات كثيرة في الأغنية الفلسطينية وعلى وجه الخصوص الأغنية النسائية، ولديها اصدار للأطفال جاء في سياق مشابه للتراث الفلسطيني. كما اطلعت على كتابات للباحثة فتحية الخطيب. من هنا وصلت إلى «حنة ولك يا جالب الحنة.. وريحة ولك يا جالب الريحة.. وزيتك يا جالب الزيتي». هذه ليست أغنية واحدة أتينا بها إلى العرض، بل وصلنا إليها عبر البحث وتمّ تجميعها كما الثوب الذي نجمع أجزاءه لنخيطه. هي نتاج كافة الأبحاث التي سبق ذكرها.
○ أغنية المرج «قطعن النصراويات» تفيد أن الغناء له هدف في نضال الشعب وتذكر الأرض التي باعها الإقطاعي للحركة الصهيونية؟
• تروي هذه الأغنية تشرد أهل مرج بن عامر في أكبر صفقة بيع أرض حصلت عليها الحركة الصهيونية في النكبة. ويقال ان اقطاعيا من أل سرسق هو البائع. وهذه الأغنية معروفة «عن النصراويات» منذ وقت سابق. الجديد الذي عرفته من السيدة لبس غناء له صلة بالمناسبات الاجتماعية، كما الخطوبة والزواج. أما مرج بن عامر فيمتد بين الجليل ونابلس.
○ وماذا عن أغنية الافتتاح بدت كتراث حزين؟
• »لا تحسبوني غلقت الباب ونسيت… أنا غلقتوا وعقلي عندكو خليت» والتي أحب تسميتها «فراقو» شكلت بداية التواصل مع نائلة عزام لبس. كان بحوزتي كتابها الذي يحمل عنوان «الأغنية الفولكلورية النسائية لمناسبة الخطبة والزواج»، وجدت هذا النص في باب «الصلح والغربة». طبعاً استغربت الصلح والغربة في كتاب خاص بطقوس الزواج. وكان المقصود ترك العروس لبيت أهلها وتغربها إلى مدينة أو قرية أخرى. وجدته كلاماً يمس شغاف القلب ورغبت بتدخل لحني خاص مني. وهذا ما كان. فيما بقية الغناء في الحفل كان تراثاً كلاماً ولحناً.
○ »وضع طارئ» و»يا دنيا» أغنيتان لك كلاماً ولحناً؟
• نعم وعمرهما حوالي 11 سنة. ولي الكثير من الأغنيات التي كتبتها ولحنتها ستظهر للنور مع مشروعي المقبل. ألحن سماعياً فقط.
• في كلام أغنياتك الخاصة بعض من مشاكسة؟
• هو تهكم وسخرية من الواقع، ويكمل جزئي الثاني في رسم الكاريكاتير الذي هو فن السخرية. ربما هو جزء من طبيعتي ورغبتي في التعبير عن الواقع. عندما نضحك من واقعنا نتعايش معه أكثر، خاصة في حالات الظلم والاحتلال. قد أكون تعلمت ذلك من ناجي العلي، استاذي الذي لم ألتقيه يوماً. كتب ناجي العلي أغنيات على رسوماته وواحدة منها غناها الفنان السوري سميح شقير «لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم».
○ صوتك يستحق وكذلك مشروعك، كيف تفكرين بالتطور والانتشار؟
• بصراحة «عطر وحنة» خطوة بداية للتفرغ لمشروعي الموسيقي الحقيقي. أعجبتني نصوص لأصدقاء شعراء. عملت على تلحينها ولم تظهر للعلن. تعاونت مع الفنان أحمد قعبور في أغنيات للأطفال وغيرها. ومع فنانين من الدنمارك، حيث تكررت زياراتي إليهم، وعرّبت أغنيات دنماركية مكتوبة بالانكليزية.
○ أين تنشرين رسوم الكاريكاتير؟
• سابقاً نشرت في صفحة شباب في جريدة «السفير»، المرة الأولى كانت سنة 2005، وأنشر في مدونة «ميرون» منذ سنة 2004. ميرون هو اسم بلدتنا في فلسطين، وهي الفتاة ذات الجديلتين الطويلتين التي أرسمها، والتي تربط القمر بخيط وتلعب معه. رسوماتي تظهر في مشاريع لمؤسسات لديها كتب للأطفال، أو مع جمعيات تطلب رسوما كاريكاتيرية داخل كاتالوغات. مؤخراً رسمت دفتر تلوين لقسم الأطفال في مستشفى الجامعة الأمريكية. كما وأنشر رسومي على انستاغرام وفيسبوك، وهما مساحة تعبير متيسرة.

أمل كعوش: حفظ ذاكرة الأجيال ضرورة ولا حاضر من دون ماضٍ
صاحبة مدونة «ميرون» والمسكونة بتراث فلسطين الغنائي
زهرة مرعي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية