استعصاء الهوية وانفجار الحبكة السردية

ختمنا المقال السابق بسؤال أساس يتصل بما إذا كانت الأحكاء، خاصة منها الرواية، لا تندرج في نطاق التحديد العام الذي ميزنا به الهوية السردية انطلاقا من حل المشكلة المرتبط سرديا بانقلاب الحياة من وضع إلى آخر. ويتصل هذا السؤال بمعرفة ما كان من الممكن الحديث عن خلو الحكي من مفهوم الأزمة الدال على هذا الانقلاب، وارتباط هذا السؤال الثاني بغياب مفهوم الحبكة. وتُثار في خضم هذه الأسئلة مدى أهمية الحبكة في تحديد الهوية السردية، كما يبين ذلك بول ريكور في الجزء الثالث من كتابه «الزمن والحكي».
ينبغي قبل الإجابة عن الأسئلة المثارة أعلاه تبين كيفية تسريد حل المشكلة، وما الذي يُعطي هذا التسريد بعدا منطقيا يكُون مسؤولا عن تولد الحبكة. إن أي اقتراح لحل مشكلة ما يتطلب توافر ثلاثة عناصر مهمة: أ- تحديد موضوع المشكلة ومدى أهميته، بما يعنيه هذا من فهم له، ومن رؤية في صدد التعامل معه. ب- الوسائل المسعفة في حل المشكلة، وفي مقدمتها الجانب المعرفي الذي يتمثل في الطاقة الإرشادية التي توجه الذات في تعاطيها موضوعَها. ج- البعد المنطقي المتمثل في ترتيب الخطوات التي ينبغي سلوكها لحل المشكلة. ومن ثمة فإن الهوية السردية لا تَمْثُل في توافر شرط «الاستثنائي» الذي هو نتاج تضافر الأزمة (المشكلة) وإرادةٍ مميزة لحلها؛ فحسب، بل تَمْثُل أيضا في هذه العناصر الثلاثة التي يُسرد بها حل المشكلة المرتبط بمجاوزة الحياة المنقلِبة؛ فالقدرة على تحديد الموضوع ووسيلة الحل الماثلة في المعرفة وترتيب عناصر الحل كلها تُعَد دالة على هوية الذات السردية، التي هي معنية بالحياة المنقلِبة وإرادة البقاء.
وينبغي الإقرار- بناء على هذا- بأن كل حكي يُعَد تمثيلا لمشكلة ما، وكيفية حلها أو تعذره، أو عدم تبينه. لكن ينبغي تحديد المستوى الذي تُوضع فيه المشكلة؛ أعلى مستوى علاقة الذات بالموضوع في جريان الحياة؟ أم في شكل تصور الحل؟ أم في بنية العناصر الثلاثة التي تُسرد حل المشكلة» لكن غياب العناصر الثلاثة في تسريد الحياة تخييلا لا يعني غياب الهوية بالضرورة، ولا غياب المشكلة والسعي إلى حلها، وإنما التأشير على معضلات في موضعة الهوية وتحديدها، بما يعنيه هذا من كون نفي الهوية يُعَد في ذاته تحديدا لهوية ما تُعاني من لا هويتها؛ وربما تتجلى فاعلية الهوية السردية أكثر في تسريد استعصائها؛ ومن ثمة يُؤشر استعصاء الهوية على عدم تصور للحل، لا على غياب المشكلة. وهذا ما يؤدي إلى إنتاج السرود التي تدمر الحبكة، ويحدث هذا التدمير في الزمان المعاصر الذي يُترك الفرد فيه أمام مواجهة مصيره الخاص داخل سياق يُطلق الفردانية من قمقمها مع الإيغال في التجريد المؤسساتي؛ بحيث يكُون العالم نتاجَ تطرف متبادل في العلاقة بين الملموس الجذري (الفردانية) والتجريد الجذري (المؤسسة). أما الخلفيات المعرفية الأعمق في إنتاج رخاوة الحبكة في علاقتها باستعصاء الهوية فسنتركه إلى آخر هذا المقال.
ولا بد لفهم التأثير الذي يُمارسه استعصاء الهوية في التحبيك- في كثير من النصوص المعاصرة- من ضبط أشكال التشظي الذي يتبدى بها هذا الأخير. وحتى نحدد هذه الأشكال يُستحسن تفكر علاقة استعصاء الهوية بتسريد التحققات المتصلة بالتصورات (التطلعات). ولا يُمْكِن تفكر هذه العلاقة إلا وفق اتجاهين؛ إما أن تبدأ حركة التسريد بعد انسداد التحققات؛ أي انطلاقا من انتهاء الفعل السردي المتطلع وترسبه في الزمان التقويمي الذي هو زمان إعادة بناء الماضي وتأمله، وإما أن تُواكب التحققات وهي تتوالى في الزمان الإنجازي الذي هو زمان الحركة المتطلعة. ويترتب على حركة التسريد الأولى تسريد منظمٌ بوساطة الذاكرة في الأغلب، وهو نوعان: أ- نوع يبحث عن حبكة لزمان واسع يغطي تحققات قد تصل إلى درجة التضارب. ب- ونوعُ رقصةِ النحلة الذي لا يتصل بالبحث عن حبكة ما، وإنما إعطاء إيقاع لتحققات متناقضة، وينتج هذا الإيقاع عن تنظيم الانتقال بين التحققات المختلفة. ولا تكُون الهوية – في النوعين معا- مرتبطة بحل مشكلة ما، وإنما بتبين تكون المشكلات وإعادة بناء الهوية وفق هذا التبين؛ ولا تكُون الهوية- هنا- مستهدفة موضوعها في المستقبل، وإنما تكُون أرشيفا تتوزع بموجبه في هيئة قطع ينبغي إعادة تركيبها. ويترتب على حركة التسريد الثاني تسريد متشظ وفق طريقتين: أ- تشظ قائم على الهذيان الذي هو توالي ردود فعل نفسية يتحكم فيها عدم تحديد للتطلع وموضوعه، بما يعنيه هذا من تردد بين اختيارات متناقضة؛ ومن ثمة تكُون المشكلات محسوسة من دون حسم في فهمها. ب- تشظ قائم على التراوح بين خطوط سردية متنوعة (مجارٍ سردية تتصل بشخصيات متعددة) تتبادل في ما بينها مشكلة محددة أو مشكلات متعددة من دون وجود تطلع موحد، وإدراك واضح للمشكلات.
وما ينبغي أن يُشار إليه- في إطار التأثير الذي يمارسه استعصاء الهوية في التحبيك- هو أن المشكلة بوصفها محددة للحكي تصير مضاعَفة؛ حيث يحدث تعالق بين الهوية المعلقة وهوية الجنس السردي. ومعنى هذا أن سؤال الكتابة يتحول بدوره إلى مشكلة محايثة لاستعصاء الهوية على مستوى التسرد (الفعل السردي المسند إلى الشخصيات)؛ ومن ثمة تتحول الكتابة نفسها إلى حكاية تُعاني من هويتها (ج. ريكاردو)، بما يعنيه هذا من حدود حادة للجنس الأدبي. وهكذا تصير الكتابة – من حيث هي تأشير على هوية، لا من يكتب، وإنما هوية عالم يُحدد هوية من يختار السكن فيه – صدى لاستعصاء مزدوج: استعصاء تحديد المشكلة وفهمها، واستعصاء الحل أو استعصاء القدرة على ترتيب عناصره.
ما هي- إذن- الخلفيات المعرفية المتحكمة في إنتاج هذا النوع من التحبيك المتشظي؟ يُمْكِن تحديد الإجابة في تصور العالم وفهمه؛ فالأمر يتعلق هنا بسياسة الأدب الخاصة التي يُدبر بها علاقته بسياقه التاريخي. وتتشكل هذه السياسة وفق مفاهيم أسس هي: المركز والعضوي والوحدة؛ وهي مفاهيم متصارع حولها بين المؤسساتي المجرد والفرداني الملموس؛ فخلف مفهوم تمساك الهوية وحل المشكلات والتنظيم المنطقي للسرد بقبع منظور عضوي للعالم قائم على إمكان استنباط وحدة المعنى منه بما يعنيه هذا من مركز محوري تمثله الشخصية التي تُدرك أهدافها على نحو جلي وتتجه نحوها بإصرار تام، وخلف مفهوم استعصاء الهوية والتباس المشكلات وتشظي السرد يكمن منظور غير عضوي للعالم قائم على تعدد المعنى واحتماله بما يُفيده هذا من غياب لمركز محوري (الغراما- نصية) يمثله ضمور الشخصية أو انشطارها والافتقار لاستهداف يدرك جيدا ما ينبغي أن يتوجه نحوه.

٭ أكاديمي وأديب مغربي

استعصاء الهوية وانفجار الحبكة السردية

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية