اعلان ترامب… مواقف رسمية هشة وموجة غضب قد لا تطول

12 - ديسمبر - 2017

اصرار واجماع غير مسبوق في الأوساط السياسية العربية والدولية، كما في أوساط قادة الرأي، على ان اعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل يخدم التطرف والإرهاب ويقوض فرص السلام.
قد تكون اتجاهات الرأي هذه صائبة إلى حد ما، لكن هذا ليس كل الحكاية، فأين هو السلام حتى تكون هناك عوامل طارئة أو مستجدات تقوض بُنيانه؟
لم توفر الولايات المتحدة راعية السلام في الشرق الأوسط والدول الحليفة لها الحد الأدنى من تطلعات الفلسطينيين في سلام عادل ضامن لحقهم التاريخي في ارضهم، كل ارضهم التي بحكم واقع الامة تنازل البعض عن بعض منها من أجل العيش بسلام وعودة اللاجئين لا اكثر.
ولا يحتاج المرء لكثير من الجهد ليكتشف ان راعية السلام التي تفرض ارادتها حيث تشاء لم تبذل ما يكفي، بل لم تمتلك الإرادة والرغبة لتحقيق السلام وفق قرارات مجلس الامن الدولي ذات الصلة بالحل السلمي، أو ممارسة ما يلزم من الضغوط على الحليف الإسرائيلي لوقف الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات وانتهاك حرمة المقدسات للمسلمين والمسيحيين.
ومع ذلك، لم تخرج المواقف الرسمية العربية عن دائرة الشجب والاستنكار للموقف الأمريكي المنحاز بشكل سافر لإسرائيل طيلة عقود، وآخرها الموقف من اعلان الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل الذي ركزت فيه المواقف العربية على «جزئية» قرار الرئيس الأمريكي نقل سفارة بلاده إلى القدس اكثر من تركيزها على اعلان الرئيس الأمريكي؛ ورغم أهمية تلك «الجزئية»، لكن لا يجب ان تكون على حساب الموقف من اعلان القدس عاصمة لإسرائيل الذي شغل الرأي العام بعيدا عن قضيته الأساسية كما هي في الوجدان، وهي تحرير الأرض كل الأرض لا القدس وحدها سواء اعلنها دونالد ترامب عاصمة لإسرائيل ام لم يعلنها.
وتندرج أولويات المواقف الرسمية العربية في الغالب ضمن ثنائية الحرص على استمرار مسار التسوية السلمية، والخشية من تأجيج المشاعر التي تغذي نزعة الغلو لدى الجماعات الموصوفة بالتشدد أو التطرف والإرهاب؛ وبدا واضحا تدني سقف المواقف الرسمية العربية عن مواقف دول الاتحاد الأوروبي في رفض القرار والتحذير من تبعاته المستقبلية.
صحيح ان عواصم ومدنا عربية وغير عربية شهدت احتجاجات عنوانها «الغضب» من القرار الأمريكي، وان سفارات أمريكية في العاصمتين اللبنانية والاردنية تعرضت لمحاولات اقتحام سورها الخارجي والرمي بالحجارة، لكن هذا لا يعني صواب الرأي الذي يذهب إلى ان «اعلان ترامب» سيؤجج مشاعر الغضب لدى العرب والمسلمين ويعزز حالة التوتر وتهديد السلم العالمي.
التطرف أو التشدد أو الإرهاب أو الغلو أو ما سوى هذه من المفردات لم تكن وليدة موقف الرئيس الأمريكي الأخير، بل هي تراكمات لعقود من الشعور «بالاهانة» من الإدارة الأمريكية للعرب والمسلمين نتيجة موقفها المنحاز كليةً إلى جانب إسرائيل طيلة عقود مع موقف رسمي عربي لم يبتعد عن الدوران في فلك السياسات الأمريكية ورؤيتها للحل السلمي وتحقيق السلام في إيحاءٍ ظالم بان مفاتيح الحل بيد الأمريكيين فقط ولا شأن للعرب والفلسطينيين بقضيتهم ومستقبلها.
وتمثل مدينة القدس في العقيدة التلمودية جزءا من أرض إسرائيل أقدمت على احتلالها في حرب حزيران 1967، ولا ترضى إسرائيل بأي اتفاق سلام لا يتضمن اعتبار القدس عاصمة لها؛ بينما تمسك الفلسطينيون منذ قيام إسرائيل بأن القدس كل القدس هي عاصمة دولة فلسطين حتى اتفاقيات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي التي قبلت بمسمى «القدس الشرقية» عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة؛ كما ان مبادرة السلام العربية لعام 2002 تقر بشكل قاطع ان القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وهو الموقف الذي تتبناه جامعة الدول العربية كاحد الثوابت المُتفق عليها بين الحكومات العربية.
ومع ان سيادة إسرائيل على القدس لا تزال محل جدل المجتمع الدولي الذي لا يقر بسيادتها على كل القدس ومقدساتها في الديانات السماوية الثلاث؛ لكن الأهم ان الفلسطينيين ومعهم النظام الرسمي العربي لا زال يطالب بحل الدولتين بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، مع ان هذه المطالبة أطاح بها الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ما يعني بداية البحث عن بدائل عن القدس الشرقية واختيار مدينة أخرى لتكون عاصمة لدولة فلسطين في حال قيامها مستقبلا؛ وهناك مؤشرات على اقتراحات يتم دراستها في الغرف المغلقة لتمرير التخلي عن القدس الشرقية واختيار عاصمة بديلة بعد عودة الأوضاع إلى سابق ما كانت عليه من هدوء في الشارع العربي.
منذ عام 1995 والاعوام التي تلته كان هناك قرار متخذ في الكونغرس الأمريكي يقضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ لذلك قد يجد المراقب إشكالية معينة في تفسير موجة الغضب التي جاءت بعد اكثر من عقدين على قرار مُتخذ يفتقد فقط للتوقيع والاعلان الرسمي عنه، وهو ما فعله ترامب الذي أعلن وزير خارجيته ان إجراءات تنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إلى القدس ستبدأ فورا قبل تراجعة بعد يوم واحد ليعلن تأجيلها إلى ستة اشهر، ثم بعد يوم آخر اعلن تأجيلها لعام أو عامين قبل ان يعلن تأجيلها عامين اثنين في آخر تصريح له خشية تعرض أرواح الدبلوماسيين الأمريكيين أو المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر.
وتنظر الإدارة الأمريكية بقلق إلى تصاعد حدة مشاعر الغضب في الشارعين العربي والإسلامي ضد إسرائيل بالدرجة الأولى، وهو ما نلمسه من اتجاهات الرأي العام التي تكنّ أيضا مشاعر مماثلة للولايات المتحدة لكن بمستوى ادنى.
وتغطي مطالب المحتجين الغاضبين في جانبها الاوسع دعوات لطرد السفراء الإسرائيليين وقطع العلاقات مع إسرائيل للدول التي ترتبط معها بمعاهدات سلام، مثل الأردن ومصر، وهي مطالب مهمة في واقع الامر، لكن إسرائيل ومنذ الإعلان عن قيامها تعلن ان القدس عاصمة لدولة إسرائيل بصفتها دولة دينية يهودية، وهذا ليس بجديد على الشارع العربي الذي قلّما دعا حكوماته إلى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة التي هي صاحبة قرار الاعتراف الذي اثار غضب الشارع.
وفي القضية الراهنة، ومع موجة غضب اجتاحت شوارع مدن فلسطينية وعربية ومدن أخرى حول العالم، ادرك الحكام العرب المعنيين بما يجري ان عليهم اتخاذ مواقف «آنية» لامتصاص بعض الغضب وضمان بقاء الشارع تحت السيطرة وعدم انزلاقه إلى فوضى تقوض الامن الداخلي لبلدانهم، في حين اختار حكام آخرون «الصمت» على أمل انتهاء «ثورة الغضب» الشعبي بشكل تلقائي مع مرور الساعات والأيام.
ومن نافلة القول التحدث بعيدا عن مشاهد «الغضب» في عواصم الدنيا، واكثر بعدا عن المواقف الرسمية ليتسنى القول، ان موجة الغضب قد لا يطول امدها لاسابيع أو شهور وسيعود الشارع العربي والإسلامي إلى سابق عهده مكللا باليأس ومحملا باكوام من الخيبة والخذلان لينشغل بازمات قائمة أو أزمات أخرى ستُفتعل هنا أو هناك في ما ستظل فلسطين والقدس تعيش حية في وجدان العربي والمسلم من أبناء هذا الجيل الذي يعتقد يقينا بأن القدس وفلسطين من الماء إلى الماء هي ملك الأجيال، وهو ملك غير قابل للتصرف طال الزمان أم قصر، أعلن دونالد ترامب أن القدس عاصمة لإسرائيل أم لم يعلن، فإن هذا الجيل المُثقل بالوهن والخذلان إذا تأخر عن تحريرها فانه سيدعها للأجيال التي ستأتي بعده.

٭ كاتب عراقي

اعلان ترامب… مواقف رسمية هشة وموجة غضب قد لا تطول

رائد الحامد

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الكروي داود

    ” اعلان ترامب… مواقف رسمية هشة وموجة غضب قد لا تطول ” إهـ
    بل ستطول يا أستاذ رائد لأن الخوف من الطغاة بدأ بالإنحسار منذ أن بدأ الربيع العربي بالنهوض
    ولا حول ولا قوة الا بالله


  • يوسف بن علي

    :مواقف رسمية هشة.و موجة ستطول ؛؛.لان (القشة التي قصمت ظهر البعير ).قد حصلت .ولم تكن للخلق فشة .


  • لورنس

    “لا يحتاج المرء لكثير من الجهد ليكتشف ان راعية السلام التي تفرض ارادتها حيث تشاء لم تبذل ما يكفي، بل لم تمتلك الإرادة والرغبة لتحقيق السلام وفق قرارات مجلس الامن الدولي ذات الصلة بالحل السلمي، أو ممارسة ما يلزم من الضغوط على الحليف الإسرائيلي لوقف الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات وانتهاك حرمة المقدسات للمسلمين والمسيحيين.”
    امريكا لا تملك من امر نفسها شيئا، عندما قال بوش على شارون … الان، واعني الان، عاد وقال ان شارون “رجل سلام”.. ما هو الكلام معليهوش جمارك. حفنة يهود في الكونغرس يقرروا كل شيئ، الا يدرك الكثيرون من الامريكيين وفي العالم اجمع، ان رئيس الولايات المتحدة، ليكون رئيسا يجب ان يدعم اسرائيل، بالمال والسلاح والسياسة؟! امريكا ولاية اسرائيلية، وليس اسرائيل ولاية امريكية.
    حكام العرب اول من يدرك ذلك، رغم جهلهم بكل شيئ من الناحية العلمية والثقافية.. والعسكرية، يتقنون البقاء في الحكم والسيطرة عليه. انهم الاوائل في هذا المجال! يكفي النظر الى من وصل الكرسي، هل نزل عنه احدهم الا بالانقلاب او الموت عليه وتوريثه لابنه؟


إشترك في قائمتنا البريدية