أصبح الابتزاز عنوان المرحلة التاريخية التي يعيش في ظلها العالم، فمنذ انهيار المعسكر الاشتراكي، أصبح الابتزاز السياسي ممارسة تجاوزت الظاهرة، وصارت قاعدة للتعامل السياسي والاقتصادي مع أقطار المنطقة العربية والإسلامية، من طرف الدول الغربية ومنظماتها وأذرعها شبه العسكرية.
وقد تطورت عملية الابتزاز تطورا غريبا مع موافقة الأنظمة على ذلك، ومشاركتها ضد بلدان شقيقة في تنامي عملية الابتزاز، إلى أن صارت تمس حتى الحقوق الشخصية للفرد والعائلة والدين، ومما زاد الظاهرة – أو القاعدة- تمكينا ظهور بعض الجمعيات والمؤسسات الداخلية، واستدعاء أشخاص مشبوهين لرئاستها، لهم علاقات متشعبة مع المنظمات الغربية، مالية أو عقائدية، إضافة للقوة الاقتصادية التي تكتسبها منظمات حقوق الإنسان، التي صارت تبتز الدول خاصة إذا كانت تواجه أزمة ما، ويتم الابتزاز عن طريق:
ـ البعد الداخلي المتمثل في جمعيات وهيئات معينة قد تكون شبه رسمية، ويتم إنشاؤها أصلا، وكذا تعيين مسؤوليها إرضاء للغرب.
ـ البعد الخارجي عبر منظمات دولية – حقوقية معينة.
ـ البعد الاقتصادي المتمثل في القروض الدولية.
ـ استغلال الأزمات والصراعات الحدودية بين أقطار هذه الدول وإبقاؤها مستعرة.
ـ إلغاء المقاومة الفكرية والشعبية، عبر تحييد الجماهير ومنظماتها عن المشاركة في مواجهة الابتزاز الدولي، بإلهائها وقهرها بالفقر والأمية والصراعات.
ـ تسليط نوعية من الحكام مرتبطة بالغرب ثقافيا وفكريا.
لقد كان الابتزاز الأبرز ذاك الذي مورس من طرف واشنطن ما بين 1991 إلى 2003 ضد العراق، وقد شاركت فيه تقريبا أغلب الدول لأسباب مختلفة: الخوف، الحقد، الارتشاء، النفاق، وقد تم تمريره عبر منظمة الأمم المتحدة، ثم عبر دعاية إعلامية واسعة، وكانت النتيجة احتلال أفغانستان والعراق وقتل أكثر من مليون نسمة من مواطنيهما. وقد تم ابتزاز بغداد بمطالبتها بإزالة أسلحتها، بذريعة امتلاك السلاح النووي، واعتقد الكثيرون بحسن نية الغرب، في حين كان الأمر يتعلق بابتزاز سينتهي بإزالة كل ما يمكن أن تدافع به الدولة العراقية عن وجودها. لقد اعتقد الكثيرون يومئذ أن الأزمة العراقية تتعلق فقط بنظام الرئيس الراحل صدام حسين، لكن المتتبع لمواقف اللوبي العسكري والمدني الأمريكي واللوبي الصهيوني، يدرك أن الهدف هو معاقبة الشعب العراقي، لأنه درس وتعلم وأنتج علماء. والمؤسف أن الابتزاز تم بمشاركة الأشقاء.
مئة مليار دولار أديت كتكاليف مؤقتة لواشنطن لعدوانها على العراق، وآخر قسط قدر من تلك التكاليف أدته الكويت خلال السنة الماضية، ثم تتابع مسلسل الابتزاز بإصدار الكونغرس الأمريكي تشريعا يجيز للأفراد إقامة دعاوى تعويض ضد الدول العربية في أحداث 11 سبتمبر 2001، أو أي قضايا أخرى تخص ما يسمى الإرهاب. ولما كانت بعض الدول العربية تستثمر وتودع أغلب أموالها في المؤسسات والسندات والبنوك الغربية، فقد اكتملت عناصر الابتزاز، إذ يمكن بمجرد صدور حكم، استخلاصه من تلك الودائع، وبعد أن اكتفت الدولة، فتحت للأفراد أيضا فرصة للابتزاز.
ومن أهم عناصر الابتزاز التي مورست على النظام الليبي المطالبة بإزالة برنامجه النووي، وكان توني بلير –رئيس وزراء بريطانيا الأسبق قد تدخل بقوة وبوعود ووعيد للراحل معمر القذافي، حتى تمت تصفية البرنامج النووي السلمي الليبي. وبعد عدة أسابيع من تأكد الحلف الأطلسي من خلو ليبيا من القدرة الدفاعية، تم تدمير ليبيا واغتيال وسحل الرئيس القذافي وإهانته معنويا وجسديا، في عملية من أبشع ما عرف التاريخ الإنساني، وهو ما جرى للرئيس الراحل صدام حسين وللعراق ككل.
تبدأ عملية الابتزاز بمواجهة دولة ما، ولتكن عربية أو إسلامية – فلا أحد يبتز الصين التي ترفض الانترنت وتحتل التيبت- ولا أحد يبتز روسيا التي احتلت القرم- ولا أحد يبتز الهند التي تتواجد في جزء من كشمير- ولا أحد يبتز بريطانيا التي تحتل الفوكلاند – ولا أحد يبتز الكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين والجولان ويمتلك السلاح النووي والكيماوي والجرثومي- أما الدول العربية فيجب أن تواجه مشكلة ما، وإذا لم تكن هناك مشكلة فيجب اختراعها، حتى لو كانت هذه الدولة ونظامها جزءا من النظام العالمي، وتأتمر بأمره فيجب معاقبة الشعب، لأنه قد يكون يوما ما شعبا قويا..
وتبدأ عملية الابتزاز باستغلال أزمة ما يعيشها القطر والدولة المقصودة، والمطالبة بإجراء تغييرات: اقتصادية، اجتماعية، قانونية، تقوم الدولة المقصودة بالموافقة على إجرائها، ثم تأتي المطالب مرة أخرى بوجوب تعديل أو حتى إلغاء قانون ما أو دعم اقتصادي أو أداء مطالبات، فتقوم الدولة المعنية بذلك ثم تأتي المطالبة مرة أخرى بوجوب القيام بعمل ما: إرسال جيوش لبلد ما أو تسليم مطلوبين سياسيين، أو تقديم تقارير استخباراتية كاملة أو فتح المجال لكل الهيئات الأجنبية لممارسة ما تشاء في البلد كالتبشير، وما يسمى حقوق الإنسان وإلغاء القوانين المجرمة لفعل إجرامي ما، وتدمير مؤسسة الأسرة، وإلغاء المجانية في قطاعات محددة كالتعليم، وإلغاء الدعم.. بناء السجون، بزرع اقتصاد الجريمة في الدولة المعنية، وإهداء قطاعات ومؤسسات اقتصادية كاملة لشركات البلد المبتز من أجل نيل رضاه. ونظرا للأزمة التي يعيشها القطر فهو لا يملك إلا الموافقة على ذلك على أساس أن هذه الدول ستساعده في الدفاع دوليا عن قضاياه أو قضيته الحيوية.
لا تنتهي عملية الابتزاز إلا عندما يتضح أن الدولة المعنية لم يعد لها ما تتنازل عنه أو تعدله، وتبدأ عملية تغيير المواقف السياسية من القضية الحيوية التي تنازلت من أجلها الدولة المعنية عن الكثير والأهم من مواثيقها ودفاعاتها الفكرية والاجتماعية والروابط بينها وبين القطاعات الجماهيرية. وبعد أن يتم تمييع الحياة الاجتماعية والسياسية للبلد، عندها تطالب الدول أو الدولة الغربية بوجوب اتخاذ موقف نهائي تحت طائلة تهديد الدولة المعنية بالتنازل عن مبادئها الوطنية وبتدمير الموقف الوطني الذي تخلت من أجله عن كل شيء.
ولما كانت دول الابتزاز تغير حكامها بسرعة مع كل انتخابات، فإن القطر أو الدولة المعنية التي منحت كل أسباب قوتها لدول الابتزاز، تواجه بأشخاص آخرين لا علاقة لهم بالوعود السابقة بتأييد الموقف الوطني أو الموقف السياسي أو بحل المشكل الحيوي، وعندئذ يواجه البلد أو الدولة المعنية بتجاهل تام وبموقف عدائي نهائي حاسم، وبذلك يكون الابتزاز قد بلغ نهاية حدوده، بتدمير الدولة المعنية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والشرعية والوطنية.
إن الوعي بأهداف الابتزاز الدولي وخطورته يفرض مواجهة التحديات التي يطرحها هذا الابتزاز، عبر مشاركة الجماهير الشعبية بكل تياراتها الوطنية والمناضلة، وتغيير إعلامي شامل يفضح خطورة المواقف الاقتصادية والسياسية الرخوة على البلد، بتفعيل العمل السياسي الحزبي والنقابي والإعلامي المكتوب والمسموع، ولنا في تاريخ الدول الأخرى عبرة وإسوة.
فبالرجوع إلى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر الدولة الأولى الممارسة للابتزاز، فقد جاء في دستورها لسنة 1776: «إننا نؤمن بالمبادئ التي تقول إن الناس جميعا خلقوا متساوين فيما بينهم، وإن الله خالقهم قد أعطاهم حقوقا لا يمكن سلبهم إياها، ومن هذه الحقوق حق الحياة وحق الحرية».
وفي التعديل الثاني للدستور الأمريكي عام 1791 جاء مايلي: «إن من حق المواطنين الدفاع عن وطنهم، وحقهم في حمل السلاح لا يجوز المساس به».
أما تاريخ المقاومة في فرنسا، خصوصا بعد احتلالها من طرف ألمانيا (1939-1944)، فأدبياته معروفة. وكذلك اسبانيا التي كافحت ضد كل محاولات الاستعمار والانفصال بإرادة صلبة. هذه الدول اليوم هي التي تدبر أسباب تجزئة العالم الإسلامي، أرضا ولغة وطائفة، وتحرضه على ذلك، ومما يزيد من ضغوطها عليه ما ينوء تحته من مواقف رخوة وفرقة وخلاف، وتحييد للجماهير، وعدم تكوينها، وتكريس الأمية والفقر في أوساطها، وآفة نشر ثقافة الاستهلاك بينها.
إن التمسك بالوحدة والفكر، والتصدي للجهل ومحاربته مدرسيا وإعلاميا هو السبيل الأنجع، بل الوحيد للدفاع عن الوجود والوطن والأمة، ولا مقارنة بين كيانات العدوان وتوحيد الأوطان.
كاتب مغربي
عبد الله العلوي